مقالات

مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”31″..

المربّي الراحل مصطفى حمّود

خاص “المدارنت”..

 

يتابع موقع “المدارنت” نشر فصول المحور الثاني من كتاب: “صرخة الإسلام” غير المنشور للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.

3-5-جـ- الابتلاء ينبوع الثقافة البشرية: إن الابتلاء الذي وصفناه بـ “تجربة الإنسان الكبرى” و”مدرسة الحياة لعموم البشر”، و”معلّم جيد في خيره وشرّه لمن استقامت سويّته”، و”موقف اختباري فريد من نوعه” و”الحاضّ على البلاء الحسن”، إنه شكّل ويشكّل مصدر الثقافة البشرية كلّها، وينبوعها الذي لا ينضب إلاّ بنضوب الحياة نفسها. لقد صنعها الإنسان، ولا يزال ناشطًا في صنعها، وسيظل كذلك، ما ظلّت أسباب الحياة الدنيا متوافرة لها منذ ابتلائه بتولّي خلافة الأرض. لقد حصّلها ولا يزال يحصّلها، وسيظل على هذا المنوال ما أمكنه ذلك، بإقباله على الابتلاء، وقبول الانخراط والخوض فيه، متفاعلًا معه ببلائه، متوسّلاً التعلّم والتعليم والتجريب والاكتساب والإبداع في الأطر الدينية وفي غيرها على حدّ سواء. فالثقافة البشرية هي الأثر الذي أحدثه ويحدثه الإنسان والمكتسب المتراكم المتجمّع له من عمله وفعله وصنعه ونشاطه وإبداعه، وقد تجسّد ويتجسّد وينتظم على يديه مظاهر ثقافية كبرى من قبيل العلوم والتقنيات والفنون والأديان؛ وما أكثرها تنوّعًا وتفرّعًا وتشعّبًا وتلوّنًا وتعدّدًا! فنشاط الإنسان محكوم لثقافته المكتسبة في كل حياته، في مؤسساته وأنظمته وقوانينه وسياساته، وفي تجارته وزراعته وصناعته وعمارته، وفي علاقته واتصالاته ومواصلاته والتواصل، وفي معارفه وخبراته وعاداته وتقاليده ومهاراته والكفايات، وفي آدابه وفلسفاته وقيمه وأخلاقه واللّغات… وفي ما إلى هذا وذاك. إن هذا الأثر الذي عرّفنا به الثقافة البشرية ليس هو إلاّ البلاء البشري الذي استجاب ويستجيب الإنسان به لما ابتلي ويبتلى به في حياته في ما لحظته “آيات الابتلاء” وفي ما لم تلحظه وهو مما تقتضيه الحياة؛ هذا البلاء، استجابة وأداء وسلوكًا وعملاً وفعلًا وصنعًا، لا يخرج عن كونه متعلّمًا ومكتسبًا للإنسان الذي يولد وليس لديه سوى مهارة الرضاعة كسلوك فطري. أضف إلى ذلك، أنه مع ولادته، يبدأ في رحلة التعلّم والاكتساب والتثقّف في جميع صيغ الحياة وأنماطها وأشكالها حيث مسقط رأسه ونشأته، وبلوغه أشدّه، وانتماءاته والولاءات. إنه (البلاء) استجابة الإنسان الكبرى على  ابتلائه الأكبر بخلافة الأرض، تستلزم منه لكي يتمّ له، إرادة ووسعًا وحرّيّة ومعرفة وإعمال عقل وسوية راشدة، حتى يصحّ أن يكون مسؤولاً عنها، ويستحق الجزاء العادل عليها في الدنيا والآخرة. فالبلاء البشري لا يكون مجزيًا من غير وعي وإعمال عقل فضلاً عن الشروط الأخرى، لأن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعي ما يقوم به من أداء أو عمل أو فعل أو صنع، ويعي أنه يعي، الأمر الذي يميّزه من سائر الكائنات الأخرى في عالم الشهادة.

      وإذا كان العلم، كل العلم، في أساس التربية والتعليم والتعلّم والاكتساب، وفي أساس تعديل السلوك وإغناء الشخصية، وفي أساس تحسين البلاء، وفي ما يقتضيه الابتلاء، فإنه لا يتمّ ولا يتحصّل للإنسان بغير إعمال العقل الذي لا يغيب عن النشاط البشري في مظاهر الثقافة وتلاوينها وأشكالها وأبعادها ووظائفها ونجاحاتها والإخفاقات… إن العلم وهو وسيلة عمل وفعل وصنع هامة وخطيرة، إذا ما أحسن الإنسان تدبيرها لخيره، فهو أساس في تطوير حياته، ولكن، ليس بغياب إعمال العقل المدبّر. إن الابتلاء (التجربة) والعقل يشكّلان مصدرًا وينبوعًا للعلم والمعرفة، ولما يترتب عليهما من خبرات وتقنيات وأدوات ووسائل تيسّر حياة البشر. فالتجربة، وإن ملكت الكلمة الفصل في صحة العلم لجهة درجة يقينيّته، فإنها لا تستغني عن إعمال العقل في كل مراحلها، بدءًا بالملاحظة العلمية، ومرورًا بالفرضية العلمية وانتهاء بالتحقيق التجريبي. ولعلّنا لا نغالي إذا ما قلنا إنه في رحم الابتلاء – البلاء، يتكوّن جنين الإبداع الذي يولد على أيدي المبدعين اكتشافات وعلومًا وتقنيات ونظريات بمضمونها يتصرّف الإنسان الذي إذا ما أحسن تدبيرها، فإنه يجعل بها حياته أيسر وأوسع وأمنع أمام الموت، الابتلاء القاهر.

      إنّ الإبداع، هذا التعلّم الأرقى والأسمى والأعلى، وهذا العلم الأحدث والأجدّ المتحصّل للإنسان ليسدّ به حاجة له مستجدّة أو ملحّة أو ضرورية، لم يعد يطيق استمرارها من دون إشباع، إن الإبداع يعدّ من  أهم عوامل التجديد والتغيير والتطوير، إن لم يكن أهمها على الإطلاق، في البلاء البشري، وبالتالي، في ثقافة الإنسان؛ إنه في قيمته وأهميته ومكانته أهم وأخطر ما يتدفّق به ينبوع الثقافة من الابتلاء في حياة الإنسان.

      لعلّه من الوضوح بمكان، أنّنا نتكلّم على الابتلاء في إطار ما وصفناه به من “تجربة ومدرسة ومعلم وموقف وحضّ” حيث يشمل كل ما يقوم به الإنسان من نشاط… ولكن، هل الابتلاء في القرآن يجعل العلم وإعمال العقل يدوران في فلك “علم” الدين دون غيره؟ وهل العلم الذي يقتضيه الابتلاء من المبتلى ليخوض أو ليبلي فيه، مقتصر على العلم بالإسلام؟ وهل إعمال العقل الذي من دونه لا يكون  ابتلاء، يرسم حدوده النقل (القرآن والسّنّة)؟

3-5-د- الابتلاء لا يستثني شيئًا من مظاهر الثقافة: 3-5-د-(1)- التفاعل بين الابتلاء والبلاء مصدر الثقافة وهي مختلفة: لقد أصبح من البيّن لنا والواضح تمامًا أن التفاعل بين الابتلاء (الاختبار) بمعناه الشامل المغطّي للتكليف الأكبر للإنسان بخلافة الأرض، وبين بلائه (عمله وصنعه) الشامل أيضًا والمستجيب به خوضًا في الاضطلاع بمهام هذه الخلافة، قد أفضى ويفضي إلى سائر ما عرفه ويعرفه هذا الإنسان، تعلّمًا واكتسابًا، على الصعيدين النظري والتطبيقي، وبالمستويين الديني والوضعي، وفي ما إلى هذا وذاك. إن هذا التفاعل كان ولا يزال مصدر كل الثقافة  البشرية بإيجابياتها وسلبياتها، وبها يستمر الإنسان في القيام بأعباء ومهام خلافته في الأرض، وبتحمّل أوزارها؛ ويثاب على ما يأتي على يديه من عمل صالح، وصنع نافع، وإبداع خيّر في طاعة الله ورسوله في ما أمرا به ونهيا عنه، وفي الامتثال للأحكام والقوانين الدينيّة والوضعية؛ كما يعاقب على ما تقترفه يداه خلافًا لذلك.

      بيد أن هذه الثقافة ليست واحدة في المجتمعات البشرية لا في مظاهرها الكبرى من علوم وتقنيات وفنون وأديان، ولا في تنوعات هذه المظاهر وتفرعاتها وتشعباتها؛ إنها تختلف في ما يدبّر منها ويصرّف ويدير ويقود أمور وشؤون تلك المجتمعات سياسيًّا واقتصاديًّا وقضائيًا؛ ويتباين ما يسود منها في هذه المجتمعات من قيم وعادات وتقاليد، ومن حقوق وحريّات، من تقدّم وتحضّر وتطوّر ورقيّ؛ ويتضارب، في كثير من الأحيان، ما يقوّم منها أيضًا كلّ هذا وذاك، وكلّ ما يمت بصلة إلى حياة الناس في المجتمعات نفسها، من معايير ومقاييس وموازين… وإذا شئنا أن نجمل، فنقول إن القواسم المشتركة بين ثقافات المجتمعات الإنسانية تبدو هزيلة ضئيلة أمام استفحال الخصوصيات وطغيانها فيها، حتى أن هذه الخصوصيات لا تخلو منها ثقافة المجتمع الواحد، ما يعني أنّ نصيب الإنسان، فرد أو جماعة، من إيجابيات الثقافة في حياته، ليس واحدًا في حسن استخدام وتوظيف العلوم والتقنيات والفنون والأديان لما فيه خيره وتيسير حياته، ولا في حسن تدبير شؤونه وتصريف أموره، وإدارة موارده وثرواته، وقيادته سياسيًا واقتصاديًّا وقضائيًا، ولا في درجة ومستوى التحضّر والتمدّن والتقدّم والرقي في مدى التمتع بالمعلن من حقوقه والحريات؛ أضف إلى ذلك، أن نصيب الإنسان، فردًا وجماعة أيضًا، من سلبيات الثقافة في سوء استعمالها واستثمارها، ليس أقل تفاوتًا أو اختلافًا أو تبيانًا من سابقه، في الأميّة والفقر والقهر والفساد والظلم والتأخر…

      ذلك أن ما أشرنا إليه من اختلاف وتبيان وتضارب في ثقافة الإنسان وفي نصيبه منها، يرجع إلى الإنسان نفسه، فردًا وجماعة، لأنه هو الآخر ليس واحدًا في ما يكتنفه من ظروف وأحوال، ولا في ما يعتقده ويفهمه ويريده ويقدر عليه، ويؤمن به، وينظر ويتطلّع إليه، ويفعل فيه وينفعل به؛ إنه يرجع إلى بلائه الشامل في ابتلائه الشامل، على  الرغم من الكثير الكثير مما يوحّده، لأن البشر في كل ذلك متفرّدون غير متطابقين.

3-5-د-(2)- النظر في الابتلاء من زوايا مختلفة: يمكننا النظر في الابتلاء من أكثر من زاوية أو اعتبار بالنسبة إلى الثقافة:

      أولاً، من حيث مرجعيته السماوية (القرآن)، لا يستثني شيئًا من مظاهر الثقافة، ولا يقيّد أو يحدّ شيئًا منها، بل يحض، كما سبق الكلام، على البلاء الحسن الذي لا يخرج عن التعلّم والاكتساب والثقافة، سلوكًا واستجابة وأداء وعملاً وفعلاً وصنعًا. وغني عن البيان أن الحضّ على البلاء الحسن يعني دعوة الإنسان المبتلى إلى النجاح في ما يبتلى به، متوسّلاً كل الوسائل المتاحة والمباحة بعيدًا عن الأذى والإضرار والإفساد وارتكاب المعاصي، ومخالفة الأحكام المعمول بها، والقوانين النافذة أو المرعية الإجراء. فلم يرد في أيّ من “آيات الابتلاء” ما يحول دون إفادة الإنسان المبتلى من سائر العلوم الوضعية والتقنيات التي تجسّدها كلّها أو بعضها في الميادين العملية التطبيقية حيث يكون بها أقدر على حل مشكلاته، وتجاوز صعوباته، وسدّ حاجاته، وتحقيق طموحاته، وتحصين حياته بما يجعلها أمنع وأقوى على  الصمود في المواجهة والفعل والنهوض والتقدّم والترقّي؛ كما لم يكن في تلك “الآيات” أيضًا ما يقيّده أو يحدّه في توظيف الفنون في ما يغني حياته نفسها، ويجمّلها ويعبّئها ويشحنها بوجدانياته التي تزداد تهذّبًا وترقّيا بهذا الفن أو ذاك من قبيل الموسيقى والرسم والمسرح مثلًا. أضف إلى ذلك أنه في بضعة عشر حديثًا شريفًا تحضّ على “الصبر على الابتلاء”، وتدور معانيها حول الأجر العظيم لمن صبر على ما ابتلي أو يبتلى به، وحول تكفير الابتلاء ذنوب من وقع ويقع عليه، ليس في الأحاديث المشار إليها ما يمنع أو يقيّد أو يحدّ الإنسان  المبتلى من الاستعانة بأي شيء متاح ومباح من الثقافة، يدعّم به بلاءه ويحسّنه لتكثر فرص نجاحه، ويتعزّز به. ففي إطار المرجعيّة السّماوية للابتلاء وفي إطار السّنّة النبوية، ليس من استثناء شيء من الثقافة أو تحفّظ على شيء فيها أو تقييد وتحريم شيء سوى تجنّب الأذى والضرر والإفساد والشرور وما إليها؛ بينما نقرأ بوضوح في ما يحض عليه الإطاران، دعوة إلى  المعرفة والعلم والتعلّم بما يحسّن ويطوّر بلاء الإنسان في ما تبتليه به خلافته، فضلاً عن إعمال العقل الذي لا يكون من دونه لا ابتلاء ولا بلاء نظرًا إلى طبيعة الإنسان العاقلة والمميزة له من جميع كائنات عالم الشهادة، علمًا بأن الدعوة إلى إعمال العقل(16) تتردّد في جنبات الرسالة الإسلامية وثناياها وقد دعت الإنسان إلى الخروج من ظلمات الجهل والشرك إلى نور العلم والإيمان والهدى.

ثانيًا، أما من زاوية أو اعتبار المرجعية الأرضية (العقل البشري) للابتلاء، فنرى الأمور ذات العلاقة به وببلاء الإنسان فيه (استجابته له وفيه) في إطار الثقافة من استخدام العقل واستثماره لها، تسير في مسارين اثنين يلتقيان قليلاً جدًا ويتوازيان كثيرًا جدًا، تبعًا لفهمه المختلف والممسك بهذه الأمور والمتحكم بها، ما جعلها ويجعلها على ما هي عليه من  اختلاف وتباين وتضارب في بلاء الإنسان وثقافته:

      أوّل المسارين، من حيث الفهم البشري العلمي الوضعي متعدّد وجهات النظر: إن واقع حال الابتلاء والبلاء هو من صنع الإنسان نفسه، فردًا وجماعة، وقد جعلهما إعمال عقله يتمان له في فلك مصالحه وحاجاته ورغباته، وحقوقه وواجباته، وحرياته ومسؤولياته، وطموحاته بحيث يكون قادرًا دائمًا على تحقيق ما يمليه عليه ما يدور في هذا  الفلك، ساعيًا دائمًا لزيادة تمكّنه من ظروفه وتحقيق ذاته في الحياة، متوسّلًا ومستثمرًا ما في الثقافة من أدوات ووسائل فعّالة، وإمكانات كبيرة، وطاقات هائلة، تشدّ من أزره، وتزيد من سيادته وحرّيّته، الأمر الذي يتيح له النهوض والتقدّم والتطوّر والترقّي، ويجعله ينعم ويتمتع بحقوق الإنسان وحرياته التي صنعها وأعلنها لنفسه، في ظل حكم سياسي اختياري تسود فيه قيم ومبادئ الحق والعدل والمساواة والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وتداول السلطة الذي تحكمه آليات تؤمّن سلامته، وتجريه بشفافية، وتحترم الإنسان. أضف إلى ذلك أنه في هذا المسار، تقل البطالة ولا يُنسى فيها من تصيبه، من الحد الأدنى للعيش الكريم، وتندر الأميّة وينحسر الفساد، ويحاصر قوس العدالة الإفساد والظلم ويدفع العدوان؛ وغالبًا ما يجد في هذا المسار الظالم والمعتدي في عقوبتهما شيئًا هامًا من العلاج، واحترامًا لإنسانيتهما.

      بيد أن هذا المسار لا يخلو من آفة فظيعة تعبّر عن  أخطر سلبيات الثقافة، ألا وهي تمكّن إعمال العقل من توجيه فاعلية الثقافة كلّها أو بعضها نحو الشرّ تحت ذرائع تنسب إلى الخير زورًا وبهتانًا، إنها آفة أسلحة الدمار الشامل وهي متعددة ومتنوّعة ترعب وترهب إلى درجة تهديد الحياة على الأرض كلّها بالفناء؛ وآفة أخرى تشوّه هذا المسار هي معضلة التلوّث الذي يصيب أكثر العناصر الضرورية للحياة، عنينا تلوّث الهواء والماء والتربة والنبات والحيوان، والذي يعاني الإنسان من كل شروره؛ أما عن الخطر الداهم جرّاء الانبعاثات الحرارية فحدّث واقلق وارتجف رعبًا؛ لعلّ يقظة ضمير سارّة ومطمئنة تحوّل إعمال العقل عند الإنسان عن الشر وتوجهه نحو خيره فقط الذي يستحقه بتفرّده بين الكائنات وتميزه منها، وتفوّقه عليها؛ وإلا فيكون الأكثر توحّشًا… ولكن، لا يظنّن أحد أن مثل هذه الآفات وغيرها من الشرور التي تشوّه وجه ثقافة الإنسان، يحدث حصرًا في نطاق إعمال العقل في الإطار العلمي الوضعي، أو يلازم بالضرورة إنجاز التقدّم والتطور والرقي؛ بل هو ما يتسبّب به الإنسان بإعمال  عقله في نطاق السوء والشّر والإفساد وقد تحكّمت به القيم الدنيا الدنيئة التي لا تليق بخليفة الله على الأرض.

      ثاني  المسارين، من حيث الفهم البشري المتعدّد المتنوّع المتألّه للدين: إن هذا الفهم المتعدد قد صادر هوية الإسلام وجعلها تتماهى في فرقه ومذاهبه وجماعاته وتياراته وحركاته وأحزابه وقد كثرت كثيرًا، واشتدت اختلافًا وتباينًا وتضاربًا وخلافًا ونزاعًا. هذا الفهم الذي سبق الكلام عليه في غير مكان، ما هو إلاّ ما أفضى إليه إعمال العقل بكل مجتهد منظّر في الإسلام معتبرًا ما بلغه بعقله واجتهاده وعلمه هو الإسلام الصحيح الحقيقي، ناسبًا إياه إلى ربّ العالمين، غير آخذ بعين الاعتبار ما وصلت إليه عقول المجتهدين المنظّرين الآخرين الذين هم أيضًا لم يقصّروا فحذوا حذوه باعتبار فهم كل منهم هو ما أراده الله بالإسلام. إن الشيء الخطير والخطير جدًّا في هذا الفهم المتألّه (الذي ألّهه هؤلاء العلماء الفقهاء) هو أنه جعل حدود إعمال العقل عند كل من هؤلاء العلماء، ما يعني أن مقولة “حدود العقل هي النقل أي القرآن والسّنّة” أصبحت تعني فعليًّا أنّ حدود العقل هي الفهم البشري المتألّه المنسوب إلى رب العالمين من قبل هذا أو ذاك من العلماء الفقهاء، زورًا وبهتانًا، وأصبح بالتالي لكل ذي عقل من الأتباع أن يُعْمِل عقله في القرآن والسّنّة بحدود هويتهما الجديدة المستقاة من هذا العالم الفقيه أو ذاك، ما يعني أن عقول الأتباع أصبحت محدودة وتابعة مستلبة لعقل المنظر العالم الفقيه الذي يقلدونه وقد أراحهم من مشاق إعمال عقولهم، وكفاهم مؤونة البحث عن الحقيقة التي تبلورت على يديه. هذا، ولا يقل خطرًا عن استتباع العقول من قبل المنظرين الملهمين، استتباع الإسلام من قبل هؤلاء أنفسهم الذين  استلبوه وصادروا هويته لصالح هويات المذاهب والفرق… الخ. ولو لم يؤلِّه كلّ من المنظرين آراءه ومفاهيمه واجتهاداته ليجعل الحقيقة، حقيقة الإسلام وصحته وسلامته، مقتصرة على ما بلغه بفهمه، ومنوطة به دون ما فهمه الآخرون، لظلّ الإسلام واحدًا، ولبقيت آراؤهم ومفاهيمهم واجتهاداتهم وجهات نظر يغني بعضها بعضًا، ويكبر بها شأن أهل الإيمان بالإسلام، ويعظم بهم دينهم. ولكن، وبكل أسف ومرارة، امتنعت وحدة الإسلام هذه، لامتناع عدم تأليه الفهم البشري ذاك. أضف إلى ذلك أن هذا المسار قد انعكس بما عليه من فهم على ثقافة الإنسان توجّسًا وسلبية منها كلّها أو بعضها، ما حرم جمهوره أو جماهيره من النعم الكثيرة والمتوافرة في هذه الثقافة، كما سيتضح الأمر أكثر في ما يلي.

3-5-د-(3)- بين الفهم الوضعي والفهم الديني: في الوقت الذي يرى الفهم البشري الوضعي الابتلاء والبلاء في إطار ما يحتاج إليه الإنسان، ويرغب فيه، ويتطلع إليه، موظّفًا كل ما يراه داعمًا له في ذلك من ثقافة الإنسان، مطلقًا لعقله العنان سعيًا لتحقيق ما يريده، يذهب الفهم البشري المتألّه إلى رميها في أحضان القضاء والقدر، بهذا القدر أو ذاك، مستثنيًا أو رافضًا أو محرّمًا الشيء الكثير من ثقافة الإنسان، ومقيّدًا إعمال العقل، وجاعلًا هذا التقييد وذاك الموقف السلبي من الثقافة خاضعين وممتثلين لأحكامه الشرعية التي بلغها وصاغها إعمال عقل منظّره وصاحبه الذي نسبها إلى الله. ولعلّه من الوضوح بمكان أن تقييد العقل والسلبية النسبية من الثقافة قد جاءا خلافًا لما تحضّ عليه “آيات الابتلاء” من البلاء الحسن، ولما تدعو إليه من معرفة وعلم وإعمال عقل من أجل توظيف كل ذلك في تحسين البلاء. أما إعمال العقل في إطار الفهم المتألّه للدين فقد صار تابعًا مقلّدًا مستلبًا لهذا المنظّر العالم الفقيه أو ذاك وفقًا للفهم المتبوع… وكأننا بالمتبوعين قد بلغوا بإعمال عقولهم قمّة المعارف وكمالها، وسائر العلوم وكلياتها ويقينيتها، وكل الحقائق وتمامها؛ علمًا بأن ما أحدثه الإنسان في ثقافته تجديدًا وتطويرًا، وبالتعلّم والاكتساب والتجريب والإبداع، من علم وخبرة وتقنية، وما اكتشفه من معارف وحقائق ونظريات، منذ زمن هؤلاء المتبوعين، وما بلغوه فيه مما يحمل عنوان المكتشف والمحدث، لا يقاسان، من حيث الأهمية والخدمة والدعم والكمية والنوعية، ومن حيث تأثيرهما في الحياة، بقلّة وتواضع ما كان منهما بين أيديهم. وعلى الرغم من تطوّر الثقافة الهائل هذا، فإن أتباع الفهم المتنوّع المتألّه قد ساروا بركب متبوعيهم بمعتدليهم ومتسامحيهم ومتشديدهم ومتطرّفيهم، متوجّسين مما أحدتثه وتحدثه الحركة الوضعية من تغيير وتطوير وتجديد وإبداع في ثقافة الإنسان، خارج أيديولوجياتهم التي عجّزوها عن الإبداع إن لم يعتبروه بدعة، ما جعل أتباع هذه الحركة يتصدّرون الصفوف الأولى في العالم في النهوض والتقدّم والرقي والتمدّن، شعوبًا ومجتمعات ودولًا، وسياسة واقتصادًا واجتماعًا واحترامًا للإنسان في حقوقه وحرّياته،  تاركين خلفهم المتوجّسين وقد خلقوا لأنفسهم بتوجّسهم وسلبيتهم من ثقافة الإنسان، تحفّظًا واستثناء وتقييدًا وتسفيهًا وتكفيرًا وتحريمًا، تبعًا لدرجة ونسبية الاعتدال والتسامح وتقبّل الآخر والتشدّد والتطرّف، وبتكبيل إعمال عقولهم بإعمال عقول متبوعيهم، وليس بالنقل أي بالقرآن والسّنّة كما هو شائع، الأمر الذي ثبّط عزائمهم، وشلّ فاعلياتهم، وبطّأ تحرّكهم ونهوضهم لردم الهوّة المرعبة، أملاً – وما أبعده!- في مواكبة الثقافة العالمية من جديد، فضلاً عن اللحاق بها، من دون أن يكون لديهم تصوّر واضح يشابه أو يكافئ أو يتقدّم على ما هو قائم ويتحرّك في ثقافة الإنسان. وكأننا بذوي الفهم المتنوّع المتألّه للدين، تابعين ومتبوعين، قد بلغ كلّ من هؤلاء بفهمه الخاص ذروة ما يصل إليه الإنسان في نشاطه وبلائه بشأن خلافته في الأرض أو سيادته عليها، من التحضّر والتمدّن والتقدّم والرقي، في سائر رحلته في عالم الشهادة، ما يعني أن تتوقف مسيرة الإنسان عند هذه الذروة، ويستكين ويطمئن هذا الإنسان إلى أن إنجاز هذه الذروة أو بلوغها يكرّس طاعة الله ورسوله، وأن يهنأ الناس وينعموا ويسعدوا، راضين شاكرين حامدين، لأن بلوغ هذه الذروة كان وكانت تحقيقًا لإرادة الله، وتنفيذًا لقضائه، وانصياعًا لقدره. في حين أن واقع الأمر يبدو على غير الحال الموصوفة إذ يشغل “الذروة والسفح والقاعدة” الكثير من الجمود والتأخر، والكثير من الأميّة والفساد والإفساد والبطالة والفقر والقهر والظلم، والكثير من التخبّط السياسي والاقتصادي والاجتماعي والقضائي (حتى لا نقول:  الكثير من الاستبداد)، والكثير أيضًا وأيضًا من النزاع وانتهاك حقوق الإنسان وحرّيّاته، ومن التكرار الذي أفقد المكرّر كل ما فيه من جمال وقيمة واعتبار. ولا ننسَ في هذا السياق، الكثير من اتهام الآخر المختلف القريب (من جماعة الفهم المتنوّع المتألّه للإسلام) والبعيد (وفي الطليعة الغرب المتقدّم) بأنه، وخاصة هذا البعيد، يعمل ليل نهار ليعيقنا ويوقعنا في الشرور والمكائد والمؤامرات، ويخرّب “ذروتنا” إمعانًا منه في حسدنا، وتشويهًا منه لمجدنا، وضربًا منه لهويّتنا ومحو إسلامنا. بيد أننا نريد أن نسجّل هنا من دون الدفاع عن الآخر المتّهم المبالغ في اتهامه، أن الضربة الكبرى التي تلقاها الإسلام، واستتباعًا، أهل الإسلام، هي في تقسّمهما تبعًا لفهم الإسلام المتعدّد المتنوّع المتألّه، ما صادر (حتى لا نقول: ما أطاح) هويته وجعلها تتماهى في الفرق والمذاهب..الخ. ولعلّه من الطبيعي أن يرتاح لهذا التقسّم الآخر المتهم البعيد بوجه خاص، لأنه يجد فيه أكثر من مصلحة، ولكننا لا نعتبره متّهمًا به، فضلًا عن إدانته.

3-5-د-(4)- في سلبيّة الفهم المتألّه من الثقافة: حول ما تدور هذه السلبية؟ وهل هناك ما يوجب إعادة النظر فيها؟

      لا نطيل الكلام في الإجابة عن السؤال الأول، فنسارع إلى القول إن شدّة هذه السلبية تبدو إزاء الفنون من قبيل الرسم والتصوير والنحت والموسيقى والغناء والرقص والسينما والمسرح…الخ. ذلك أن أكثر المواقف الدينية اعتدالاً وتسامحًا تنزع إلى تقييدها إلى درجة تقزيمها وتهميشها وتفريغها من الكثير من وظائفها وأدوارها وأهدافها ووسائلها. أما ذوو الموقف المتشدّد والمتطرّف فيشهرون بوجهها ووجه من يمارسها سيف التكفير والتحريم. ويعظم التوجس والسلبية تبعًا للاعتدال والتشدّد إزاء التفكير الفلسفي الذي يدور خارج أيديولجيات “الفهم المتأله”، باعتباره مغايرًا “للتفكير الفلسفي الديني” الذي بثّه الله في ثنايا الإسلام لا يكتشفه إلا كبار المتنوّرين المستنيرين بهداه والملتزمين بأحكامه وأوامره ونواهيه. وأقل السلبية والتوجس حدّة وشدّة هو إزاء العلوم الوضعية لجهة دراستها للظواهر والوقائع وتحليلها وتعليلها، ولجهة العلوم المقاربة للإنسان من سياسة واقتصاد وعلم اجتماع، وعلم نفس وتاريخ باعتبار المعارف والأنظمة ذات العلاقة بمواضيعها في القرآن والسّنّة على وجه الصحة والسلامة والصواب… أضف إلى هذه الإجابة، خطورة السلبية والتوجّس من إعمال العقل حيث كبّله “الفهم المتألّه”، وقيّده من غير وجه حق  أو حجّة أو منطق سوى إعمال عقول ذويه الذين ألّهوه أي جعلوه إلهيًا أو صادرًا عن الله أو مرادًا منه أو منسوبًا إليه، وهذا “الجعل” ما هو إلاّ تعسف واعتداء على السماء، لأنه ليس في القرآن ولا في السّنّة ما يكلّفهم دون غيرهم من البشر بحصريّة هذا “الجعل”. ان الأمر لا يعدو كونه مفارقة أو تناقضًا أو “شتاء وصيفًا على سطح واحد” كما يقال. فمن أين لأي كائن أن يؤلِّه إعمال عقله أو فهمه وهو بشر، ثم يقيّد به إعمال عقول الآخرين وفهمهم وهم أيضًا بشر، باعتبار ما فهمه هو، هو القرآن كما أراده الله، والسّنة كما أرادها النّبيّ المصطفى، دون أي اعتبار للفهم المتأتّى من عقول الآخرين؟!..

      أما بالنسبة إلى ما إذا كان من الواجب أن نعيد النظر في ذلك، فإننا نرى هذا حاجة وواجبًا وضرورة لثلاثة أمور نراها وجيهة ومعتبرة ومبشّرة، هي:

      أولًا، وجوب إخراج الابتلاء (الاختبار) والبلاء (العمل والصنع)  من دائرة القضاء والقدر، ووضعهما في نطاق فعل الإنسان وإرادته، لكونهما في واقع الحال يعبّران عن مهمته الكبرى في الحياة الدنيا، أو تجربته الكبرى فيها، للقيام بمهام وأعباء خلافته في الأرض تعبدًا لله من دون إكراه، واستعمارًا للأرض من دون إفساد، وحكمًا “بالحق والعدل والنهي عن الهوى والظلم والاعتداء”. لقد أنصف الله الإنسان بهذه التجربة بأن جعل تكليفه بها بقدر وسعه وأهليّته،ثم جعل قيامه بها رهن رضاه وقبوله وحريّته لكونه الخليفة، والخليفة يقرر، ويقبل ويرفض ويأمر وينهى لأنه صاحب السلطة على الأرض، وهو السيد عليها؛ والسيد حرّ؛ والحرية مسؤولة؛ وإلاّ فكانت فوضى وظلمًا، الأمر الذي نهى عنه رب العالمين. وبذلك يحق الجزاء العادل له وعليه في الدنيا والآخرة. فمهمة الإنسان الكبرى أو تجربته الكبرى (ابتلاؤه بخلافة الأرض، وبلاؤه فيها) هي ما يقوم به وما يجزى عليه، لأنها في إطار وسعه وأهليّته ومعرفته وقبوله وإرادته وحريته وسويّته الراشدة. أما في ما يتجاوز الإنسان أو يعجّزه خارج هذا الإطار فهو قدر لا يملك إزاءه شيئًا، وبالتالي، لا يجزى عليه.

      ثانيًا، وجوب تغيير أقوام “الفهم المتألّه” ثلاثة مواقف مما بأنفسهم من سلبية، إنصافًا للإسلام، ورحمة بأنفسهم باعتبار أن الله قد أناط تغيير ما بالأنفس بالبشر، امتثالًا لقوله تعالى﴿- إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ –﴾ (الرعد:11). أوّل المواقف السلبية التي تستدعي التغيير هو “تأليه الفهم البشري للإسلام” لخطورته وسلبيته على الإسلام وأهله. وهل من خطورة وسلبية أكبر من مصادرة هوية الإسلام وتماهيها في هويات المذاهب والفرق والأحزاب والتيارات… الخ، التي أفضى إليها “الفهم المتألّه” له، ما أفقده هويّته ووحدته؟! وهل يبقى شيء من فاعليّة في ما يفقد هويته ووحدته؟! وأي مكانة يتبوّأها أهل الإسلام في العالم، وأي ريح تبقى لهم فيه وقد “تمذهبوا وتفرّقوا وتحزّبوا”؟!. ليس هذا تشاؤما منا؛ إنما هو توصيف لواقع حال الإسلام وأهله ليس إلاّ. أما تغيير “الفهم المتأله” بحيث يبقى فهمًا بشريًا متعدّدًا غير مؤلّه، فيؤدي إلى إبقائه وجهة نظر متعددة ومختلفة في إطار وحدة الإسلام الذي يغني بها تيسير الحياة بتوسيع هامش الخيارات أمام أهله، متقبّلين وقابلين بعضهم بعضًا من دون تنازع أو تعصب أو تشدّد أو تطرّف أو إقصاء أو إلغاء، حيث يستظل الجميع “بالفهم النبوي” للإسلام باعتباره إطارًا مرجعيًا وحيدًا لهم… هذا وقد ينكر هذا المنظّر أو ذاك من ذوي “الفهم المتألّه” للإسلام تأليهه لفهمه الخاص، ويقول: “هذا ما بلغته بإعمال عقلي بعد جهدي واجتهادي. ولكن، ليكون هذا القول وذاك الإنكار مقبولين منطقيًا وواقعيًا، وجب أن يبقى ما بلغه بمستوى وجهة نظر لا تصادر هوية الإسلام مصادرة حصرية، ولا تماهيها في هوية ما بلغه بجهده واجتهاده وقد “مذهبه أو فرّقه أو حزّبه”. أضف إلى ذلك، أنه إذا كان من حقّ كل مفكّر أو فقيه أو عالم أن يكون له وجهة نظر خاصة في ما يريد وكما يريد، فإنه ليس من حقّه أن يتملّك بها الإسلام دون غيره من الناس وقد جاء لجميعهم؛ وليس في القرآن ما يتيح أو يبيح له هذا التملّك، فضلاً عن ان النبي المصطفى كان مكلّفًا بتبليغ الرسالة للناس جميعًا، وبأن يدعوهم إليها ويبشّرهم وينذرهم بها، ويرشدهم ويهديهم إليها، ويعلمهم إياها، ويفسّرها لهم، وما إلى هذا وذاك، دون أن يكون مخوّلًا بتمليكها أحدًا. أما  الموقف الثاني المطلوب وجوبًا تغييره أيضًا فهو “التوجّس والسلبية” من الثقافة في ما يصيب منها من فنون وتفكير فلسفي وعلوم وضعية. ولعلّنا لا نغفل أن حقيقة هذه الدعوة إلى  التغيير التي تركّز على  المشاركة في إنضاج الثمار الطيّبة للثقافة، وفي جنيها والتمتع بها، لا تحضّ على الأخذ بشرور الثقافة ومفاسدها ومساوئها ومقابحها ونقائصها وعيوبها وما إليها؛ وإلا فتكون دعوة إلى مفاقمة ما يغرق فيه أهل الإسلام من السلبيات من قبيل الأمية والفقر والقهر والفساد والاستبداد والتأّخر؛ بل هي تتطلّع، في الثقافة، إلى ما به يتخلّصون ويتحرّرون من هذه السلبيات الموبقات، من قبيل خيراتها ومحاسنها وفضائلها ووسائلها ومعارفها وخبراتها وتجاربها وما إلى هذه وتلك، وبوجه خاص، في العلوم والتقنيات التي يتعذّر الحديث عن النهوض أو التقدّم في أي مكان من دون توافرها وحسن تدبيرها. فالثقافة، بما هي، ليست خيرًا ولا شرًّا؛ وهذا ينسحب على جميع مظاهرها، علومًا وتقنيات وفنونًا وأديانا، ولكن الإنسان هو الذي يجعلها على سكة الخير إذا ما أحسن تدبيرها، وهو الذي يضعها على سكة الشرّ إذا ما أساء تدبرها. فالإنسان مثلًا هو الذي يجعل القلم يكتب “الكلمة الطيبة”، وتأخذ سبيلها إلى النفوس والعقول لتأنس بها، وتعتبر وتفعل بها العمل الصالح؛ وهو الذي يجعل “الكلمة الخبيثة” تأخذ طريقها إلى إفساد الفعل والنفس والعقل. والإنسان الذي يبلغ مراده بالعلم والخبرة في مشكلاته ومعضلاته وحاجاته وقد عالجها وتمكّن من تجنّب شرّها، وحقق لنفسه النفع والخير والتقدّم والقوة، هو الذي يحدث بهما ما يدمّر ويخرّب ويلوّث ويؤخّر ويوهن… وإذا كان الابتلاء يحضّ على البلاء الحسن، وإذا الإنسان جعل البلاء الحسن يتجسّد في  أطر الحق والعدل والمساواة والحريّة والكرامة، وفي الابتعاد عن الهوى والظلم والعدوان والاستبداد، وفي محاربة الأميّة بالتربية والتعليم، والفساد والإفساد بالإدانة والمحاسبة وتكريس الشفافية والالتزام بحدود الحق والواجب، وفي محاربة البطالة، إذا كان كل هذا وذاك، فهل من وسيلة فعل يحسن استعمالها الإنسان فتمكّنه مما يريده سوى العلوم والتقنيات؟!. أما ثالث المواقف السلبية الواجب تغييره فهو “تكبيل إعمال العقل أو تقييده أو حدّه”. لعلّنا لا نبالغ إذا ما قلنا إن وجوبيّة تحرير العقل مما يكبّله أو يقيّده أو يحدّه، تتقدّم من حيث الأولويّة والمرجعية الضرورية للإنسان في حياته، على كل ما عداها، لأن العقل هو رأس الجهاز المعرفي المميز للإنسان من غيره، وهو رأس العوامل المؤهلة له لخلافة الأرض، وهو السبيل إلى ما هو خير له وما هو شرّ له. فلولا العقل لكان الإنسان محشورًا بين زمر الحيوان وأنواعه وأجناسه وصفوفه وفصائله وطوائفه؛ ولولاه لكان الحديث عن خلافة الأرض وابتلاء الإنسان بها، حديثًا باطلاً، بل لما كنا أصلاً لنتحدّث، ليكون الحديث. أضف إلى ذلك أنه لا شيء في “آيات الابتلاء” يكبّله أو يقيّده أو يحدّه، بل على العكس من ذلك، هناك فيها ما يحض على  البلاء الحسن. وهل الاستجابة لهذا الحضّ ممكنة بغير إعمال العقل؟! هذا فضلاً عن الحضّ القرآني على إعماله في غير “آيات الابتلاء”. وهل المذاهب والفرق والاتجاهات والجماعات والحركات والأحزاب والتيارات المتصفة بالإسلام، بل المصادرة لهوية الإسلام كانت وتكون بغير إعمال العقل عند هذا المنظّر أو ذاك؟! لقد تعسّف هؤلاء المنظّرون فكبّلوا وقيّدوا عقول أتباعهم بما بلغوه هم بعقولهم في فهم الإسلام ونسبوه إلى الله في ما يتعلق بالقرآن، وإلى النبي المختار في ما يتعلّق بالسّنّة، من دون أي وجه من أوجه شرعية النّسبة، فأباحوا لأنفسهم ما أنكروه على مخالفيهم في الرأي والاجتهاد والفهم.

      ثالثًا، إن الأمر الثالث الذي يجب إعادة النظر فيه هو بكل بساطة “ما يعانيه الإسلام المحمدي (الذي فهمه النبي محمد قرآنًا وسنّة) وأهل الإيمان به”. أما معاناة الإسلام فتكمن بل تتجلّى في فقدان أو ضياع هويّته، وفي تقسيم وتمزيق وتفتيت وحدته، والمتّهم المدان بذلك هو “فهمه البشري المتعدد المتنوّع المتألّه” الذي ماهى هويّة الإسلام في هوياته، وما أكثرها! والذي أعمل فيه التجزئة والاجتزاء، وألبس كل جزء أو اجتزاء منه لباسًا خاصًا، جُعلا “بديلاً أصيلاً” من المجزّأ والمجتزأ، وادّعى أنه من تفصيل السماء وخياطتها في ما يتعلق بالقرآن، ومن نسج النبي المصطفى وحياكته بالنسبة إلى سنّته، وما أكثر الألبسة البديلة الخاصة! أما معاناة أهل الإيمان بالإسلام فهي الأخرى واضحة لا لبس فيها، وتتبيّن في أمرين اثنين هما: الأول وهو ما يعانون منه من شرذمة، وما بينهم من فرقة وخلاف ونزاع بما يكفي ليذهب بريحهم؛ والثاني وهو ما هم فيه وعليه من تأخّر يبعدهم عمن يتصدّر الصفوف الأولى، نهوضًا وتقدّمًا وتحضّرًا ورقيًّا، ويدل عليهم بتفشي الأميّة، وشيوع الفقر والقهر، وتواجد مظاهر الظلم والطغيان والاستبداد في السياسة والاقتصاد والاجتماع والقضاء، فضلاً عن تعليب التربية والتعليم، وعن تدّني المستوى الصحّي.أما عن الانتهاك غير القليل لحقوق الإنسان وحريّاته فحدّث ولا حرج. إن هذه الحال الرديئة، إسلامًا وأهل إسلام، تبدو في كل المعايير والمقاييس والموازين الأحوج والأكثر إلحاحًا والأشدّ تطلّبًا لإعادة النظر فيها بحيث يفضي الأمر بالأقوام المعنيين إلى التمكّن من الخروج من “حال الظلمات” إلى “حال النور”. وهل من “ظلمات” آلم وأمرّ وأسوأ مما ذكرناه من معاناة؟! إن واقع  الحال الرديء يبدو أنه من صعوبة التغيير بمكان. ولكنه ليس محالاً. ولعلّنا نعرف جميعًا أن تغيير ما هو قائم لا يتم منه شيء بأسبابه وشروطه التي صنعته من قبيل “ثقافة القضاء والقدر” و”الفهم المتألّه للإسلام” و”تكبيل إعمال العقل” و”السلبية المفرطة من ثقافة الإنسان” و”الاعتقاد المتعسّف بأنظمة إسلامية شاملة كافية وافية في السياسة والاقتصاد والقضاء والقدر” و”اتهام الآخر القريب وبوجه خاص البعيد، بالتآمر العدواني وصنع المكائد ونشر الدسائس”؛ وكأننا بهذا الآخر المتهم قد منع هؤلاء الأقوام من “بناء المدارس وإنشاء المستشفيات” بما يفي بالحاجة إليها، وحظر عليهم “إقامة وتفعيل مراكز البحوث والتنقيب والتجريب”، وحال دون “ترشيدهم الموارد والثروات، وحسن تدبيرها وتثميرها وتوزيعها”، وعجّزهم عن “إقامة أنظمة حكم يرعاها العقل بمؤسسات وآليات تُسْلِس تداول السلطة، وتنشر العدل، وتكرّس الحق، وتجسّد المساواة، وتحقّق العدالة الاجتماعية، وتحترم الإنسان في حقوقه وحرّياته، وتنهى عن الهوى والفساد والإفساد وعن الظلم والعدوان”!.

      فإذا كان من الصعب جدًّا، إن لم يكن من المحال، العودة بالإسلام إلى هويته ووحدته، فإنه من الوجوب بمكان، بل من الضرورة الملّحة أن يصار إلى اعتراف هؤلاء الأقوام، متبوعين وتابعين، بفظاعة “الاعتداء على السماء بـتأليه الفهم البشري للإسلام” وإلى  الرجوع عنه بحيث يبقى في الإطار البشري الصحيح، وجهات نظر ليس إلاّ، حيث لا تجد أي شرعية أو حجّة منطقية أو أرجحية تخوّل أصحابها من مصادرة وجهة نظر الآخر أو تسفيهها أو إقصائها أو إلغائها أو تكفيرها، مهما بلغت من سعة المعرفة والحقيقة والصحة والصواب واليقين، وحيث لا  تجد ما يبيح لأصحابها أن يكبّل كل منهم ويقيّد ويحدّ ويحبس إعمال عقول تابعيه وغيرهم، بما انتهى إليه إعمال عقله، من حدود ونهايات وغايات، تحت أي ذريعة أو  اعتبار أو منظور؛ لأنه بكل البساطة وبكل الحقيقة المطابقة للواقع، هو إنسان؛ والإنسان مخلوق؛ والمخلوق لا يأتيه الكمال لا من خلفه ولا من بين يديه.

      إن إعادة النظر في الأسباب والعوامل التي صنعت حال ما فيه أهل الإسلام من سوء واستكانة وتخبّط وتأخّر لا بدّ منها، لأنها  السبيل الوحيد الذي يمكّن الأقوام المدعوين إلى تغيير ما بأنفسهم من سلبيات، من توفير وتهيئة الظروف والشروط والعوامل لوضعهم على سكة النهوض والتحرّر، ما يؤهلهم لتلمّس السبل التي تعِد بتجاوز سوء الحال، وتبشّر بالتقدّم بحيث ينطلق العقل من عقاله ويتوسل العلم والثقافة المتاحين والمباحين والمبدعين، ويحسن استعمالهما ويخوض في ساحات هؤلاء الأقوام معارك سيادة الإنسان وحريّته وكرامته. وهل الله يريد لخليفته أقل من ذلك؟! وهل من بلاء حسن يمكنه أن يبليه في ابتلائه بخلافة الأرض بعقل مكبّل مقيّد محدود حبيس؟!..

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى