مقالات

مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام” للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. “الحلقة 3”.

المربّي الراحل مصطفى حمّود

خاص “المدارنت”..

 

يتابع موقع “المدارنت” اليوم، نشر محتويات فصول المحور الأول، من كتاب: “صرخة الإسلام” للمربّي الكبير ىالراحل مصطفى حمّود.

-2-جـ- في الهداية: إن الهداية تفضي بالمهتدي إلى اتّباع طريق الإيمان والحق والعدل والحلال والخير والعمل الصالح وطاعة الأوامر والنواهي الدينية، ومكارم الأخلاق وما إلى ذلك، الأمر الذي يمهّد له السبيل إلى جنات النعيم والخلد في الآخرة. أما الضلالة فتسلك بالضالّ درب الكفر والباطل والظلم والحرام والشرّ والعمل الطالح، ومعصية الأوامر والنواهي الشرعية، ومساوئ الأخلاق وما شابه ذلك، الأمر الذي يمهد طريقه إلى شقاء الجحيم في الحياة الأخرى. فدرب الضلالة هنا، وطريق الهداية هناك يعودان كلاهما إلى ربّ العالمين الذي ييسّر المهتدي إلى الهدى، والضالّ إلى الضلال،  فهو الهادي والمضلّ في الوقت نفسه. وهذا يعني أن المهتدي هو الذي هداه الله، والضالّ هو الذي أضلّه، ومن هداه الله فلا مضلّ له، ومن أضلّه الله فلا هادي له، مصداقًا لنصوص قرآنية منها ورد في الآية: ﴿ وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِهِ ۖ-﴾ (الإسراء: 97)، وفي الآيتين: ﴿– وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ، وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ ۗ﴾. (الزمر: 36-37).

2-2- د في تغيّر الإنسان: إن التغيّر في الإنسان ملازم له طيلة حياته، منذ تكوّنه وحتى يغيّبه الموت. والتغيّر هذا لا يستثني شيئًا منه في سائر حياته. أما ما نقصد إليه هنا فهو التغيّر الذي يطرأ أو يحدث له في مواقفه واتجاهاته وقراراته وعلاقاته وأحكامه في الحلال والحرام، وفي الخير والشرّ، وفي الصواب وخلافه، وفي عواطفه ونظرته إلى الحياة… مثل هذا التغيّر قد يتأتّى نتيجة لتغيّر الظروف والمعطيات، أو لخبرة جديدة وعبرة قديمة، أو لصدمة هزّته، دون أن تفقده توازنه، وجعلته يقوم بنوع من المراجعة أو إعادة النظر في مسار حياته، أو لنصيحة أخذ بها، أو عظة اتّعظ بها، أو لحوافز مستثارة وبواعث مستجدة وما إلى هذا وذاك… هذا الكلام قد استوحيناه من الآية الأولى من سورة  الطلاق حيث جرى الكلام فيها عن كيفية الطلاق بين الزوجين وفقًا لحدود الله بحيث تكون كل الحقوق محترمة لكل الأطراف، وانتهت الآية بالإشارة إلى ما قد يحصل بعد الطلاق: كأن يندم أحد الزوجين أو كلاهما، أو قد يشعر أحدهما أو كلاهما أيضًا بظلم ما أو تسرّع في اتخاذ القرار، أو أن سبب الخلاف لم يكن كافيًا للطلاق، أو تحوّل في العاطفة نحو بعضهما البعض، أو قد يرى أحدهما أيضًا وأيضًا أسبابًا يأخذان بها إلى التنازل أو التضحية… فأي من هذه الدواعي الممكنة والمحتملة الحدوث قد يؤدي إلى إعادة الشركة الزوجية بين الطرفين. فإذا تمّ لهما هذا، فيكونان وكأنهما اختلفا ليتوافقا أو يتّفقا من جديد. أما مضمون الإشارة التي انتهت بها الآية، فقد جعلت كل هذا الممكن حدوثه بعد الطلاق، أمرًا يحدثه الله لهما. أما هما فلم يفعلا شيئًا سوى تلقيهما قضاء الله وقدره حيث تقول الآية في نهاياتها. ﴿- لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾.

وبانتقاء موضوع التغيّر، نكتفي بالكلام على المواضيع الخاضعة لثقافة القدر، غير تلك التي تدور في فلكها، ما يدلّ على أنه بإمكان هذه الثقافة أن تنهل من القرآن، الينبوع الذي لا ينضب، قضاءً وقدرًا، فتعتد بهما في شيوعها في ربوع الإسلام وأهله مطمئنة إلى متانة ومُكنَة أسسها، وإلى أصالة أصولها، وعمق جذورها، وقد هيمنت وسادت في ثقافة أهل الإيمان بالإسلام. فماذا عن هذا الشيوع؟

  • في شيوع ثقافة القدر:

إن القدر الذي يؤمن به أهل الإسلام، تبرعم وترعرع في كنف القرآن أساسًا، وفي حضن السنة استتباعًا، سرعان ما أينع واتّسع وانتشر وشاع بين الناس، وأطّر ثقافتهم بالرجوع إلى كنفه وحضنه، وأدْلجها، معرفيًا، باعتقادات وحقائق تعتبر إسلاميًا سليمة خالصة كاملة لا يرقى إليها الشك، ولا يأتيها الباطل من خلفها ولا من بين يديها، وأخلاقيًا، حيث الخير والشرّ هما في ما يراه الإسلام، ومعياريًّا، حيث يجب حصرًا، الائتمار بأوامر الشريعة، والانتهاء بنواهيها، والعمل بأحكامها، وتحليل ما حللّته، وتحريم ما حرّمته. فماذا عن الإيمان بالقدر؟ وماذا عن موقف أهل الإسلام منه؟ وفيم ثقافته تأطّرًا وتأطيرًا؟ وما دورها بما ارتبط بها من مفاهيم ومقولات؟ وما مدى وكيفيّة شيوعها بين الناس؟

3-1- الإيمان بالقدر: في الإسلام، لا يكتمل للإنسان المتدين إيمان حتى يؤمن بالقضاء والقدر، بالإضافة إلى إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله ويوم البعث. يؤمن بربوبيّة الخالق وصفاته التامة الكاملة الشاملة المطلقة، ويصدّقها جميعًا ويجتهد في ممارسة ما قرّره الله له، وما كلّفه به بأوامر تلزمه بالطاعة، وما نهاه عنه بنواه تلزمه بعدم العصيان. فإذا صدق والتزم بهذه وتلك، سعد في الدنيا وفاز بنعيم الآخرة، ثوابًا له استحقه بطاعته وعمله الصالح؛ وإن كذّب في ما أمر به، وما نهي عنه، شقي في الدنيا وأخذه جحيم الآخرة، عقابًا له استحقه لمعصيته وعمله الطالح. أما الصفات المشار إليها فهي علم الله الكامل الشامل المطلق الأزلي الأبدي بكل شيء، وبما هو صائر إليه قبل خلقه إياه؛ وكتابة علمه هذا في اللوح المحفوظ الذي هو بمثابة السر المكنون لا يعلمه إلاّ الله؛ أضف إلى ذلك أن الله بإرادته التامة  الشاملة، وقدرته المطلقة  النافذة يخلق كل شيء، ويوجِده وفقًا لمقتضى علمه به، ولما انطبق عليه في اللوح المحفوظ؛ وبهذا يكتسب المخلوق صفة وجوده. فالإيمان بالقضاء والقدر يعني الإيمان بعلم الله المطلق، وإرادته المطلقة، وقدرته المطلقة في خلقه كل شيء: الحياة والموت، والموجود وما في الوجود، والمعدوم وما في العدم، وما في السماء والأرض، والخير والشر، والجماد والنبات والحيوان والإنسان، والكائنات المرئية وغير المرئية، والحركات والسكنات، والأعمال والأفعال، والكوارث والمصائب والنكبات والنوائب، وما إلى ذلك. هذا مع الإشارة إلى أن بعض أهل الإسلام يشيع فيهم أن الخير كله من الله، والشرّ كله من الإنسان، ما ينبئ بأن الموقف من القضاء والقدر ليس واحدًا كما سنرى.

3-2- موقف أهل الإسلام من القدر: إن السائد في موقف أهل الإسلام من القدر إزاء ربوبية الله وصفاته المطلقة، هو العبودية لله تعالى. ولكن السائد أيضًا في موقفهم من القدر وفي فهمهم للقدر ليس واحدًا، بل تعدّدت وتلوّنت فيه المفاهيم عندهم كتعدّد وتلوّن الأحكام والفتاوى تبعًا للتنظيرات المختلفة للدين، التي سرعان ما جعلت من الإسلام وأهله فرقًا ومذاهب وجماعات وما إلى ذلك. وقد احتدّ واشتدّ الاختلاف بين هؤلاء حتى صار خلافًا أو تخالفًا بلغ مع بعض الاجتهادات مستوى اتّهام الآخر بالشرك والكفر،  مع العلم أن الله قد دعا أهل الإيمان في أكثر من آية في القرآن إلى إرجاء ما يختلفون فيه في ما بينهم، وفي ما بينهم وبين الآخر إلى يوم القيامة حيث سيبيّنه للمعنيين به ويحكم فيه… وها نحن ذاهبون إلى عرض خمسة مواقف من القدر الذي تمذهب فيه الخلاف، هادفين إلى تبيان مدى تجذّر ثقافته في جميعها دون مناصرة، أو مناهضة أي منها.

لذا، فقد آثرنا أن نجهّل الفرق المعنية بالمواقف، فغيّبنا أسماءها وهويتها، فلم نجعلها مما قصدنا إلى تبيينه، حتى لا نبتعد عن الهدف الذي رمينا إليه في أنفسنا دون الغوص في التحليل والتفكيك والتعليل والتأليف والنقد والمقارنة والمحاكمة والحكم، الأمر الذي يأخذنا إلى اهتمامات أخرى تنحرف بنا إلى مواضيع ومجالات لا شك في أهميتها وجدارتها بالبحث والتمحيص، ولكنها تلقي بظلالها وتداعياتها وأثقالها المتعدّدة والمتنوعة على ما نذهب إليه في توجهنا، فتبعده عن بؤرة الضوء، وتضعف الاهتمام به إن لم تهمّشه… فإلى عرض المواقف دون أن يعني تسلسلها أو ترتبيها أيّ امتياز لأي منها من قبلنا.

3-2- أ- في الموقف الأول: ذهبت جماعة هذا الموقف إلى أن الإنسان لا يملك من أمره شيئًا، وأن الله يخلق له أفعاله بقدرته وإرادته على وجه الحقيقة، وتنسب هذه الأفعال إلى الإنسان مجازًا، ويحاسب عليها مع تسليمه التام بقضاء الله وقدره دون أن يكون له اختيار في أي شيء، وهو بالتالي مجبر ومسيّر في كل شيء… لقد هاجم مختلفون كثر مع جماعة هذا الموقف واتهموها بالكفر لاعتبارهم أن إجبار العباد وتسييرهم على نحو ما ذهبت إليه هذه الجماعة قد أفضى ويفضي إلى إصابة عدل الله المطلق بالظلم جرّاء تحميلهم تبعة ومسؤولية ما لم يقوموا به، والله منزّه عن الظلم والطغيان.

3-2 – ب في الموقف الثاني: حاول مجتهدو هذا الموقف أن يتجنّبوا ما أُخذ على الموقف الأول، فحرصوا على وحدانية الله في الخلق وعلى تسويغ حساب العباد كمسؤولين عن تبعات أعمالهم وأفعالهم وإن كانت مخلوقة لله، فقالوا بأن الله يخلق الأفعال، وأن الإنسان يكسب نتائجها؛ وبهذا يكون الإنسان مسؤولاً عما يفعله، وبالكسب يحق التكليف كما يحق الجزاء ثوابًا وعقابًا، وبه أيضًا يتحقق عدل الله الذي لا يظلم نفسًا أشياءها.

والجدير بالذكر هنا هو تعدّد الوجوه التي عرض فيها الكسب أو الاكتساب: فعند أحدهم، يتحقق الكسب للعباد بأن يخلق الله أفعالهم عندما تحدث القدرة فيهم؛ وعند آخر، يتم الكسب، عندما يوجّهون قدرتهم نحو الأفعال التي يوجدها الله لهم؛ وثالث يرى حصول الكسب بأن يخلق الله الفعل للعبد عندما يتمّ له اختيار محفوز، فيصير هذا الفعل طاعة إن جاء متناغمًا مع الشرع، ومعصية إن تنافر معه، وعلى هذا وذاك يكون العقاب والثواب؛ أما رابع الوجوه للكسب، فيكون بخلق الله الفعل للعبد، وبرجوع توجيهه إلى ما عليه يترتّب ثواب وعقاب كالزكاة والصوم والأكل وسواها، إلى العبد والقدرة الحادثة؛ ويأتي الوجه الخامس للكسب من طريق ثغرة أحدثها صاحب الرأي فيه، في وحدانية الخالقية لله إذ جعل كل شيء مخلوقًا لله إلاّ عزم العبد على الطاعة والمعصية، الذي خلقه العبد نفسه، ومع خلق العبد للعزم يخلق الله له الفعل، الأمر الذي يسوّغ التكليف والتشريع والجزاء، وبهذا يكون الكسب فعلاً يخلقه الله في العبد كما يخلق فيه القدرة والإرادة والعلم، فيضاف الفعل خلقًا لله، وكسبًا للعبد، كما يكون فيه أيضًا الطاعة والمعصية مخلوقتين لله ومكسوبتين للعبد… وعلى الرغم من تعدّد وجوه الكسب عند جماعة هذا الموقف، فقد انتقِد واتُّهِم على خلفيّة أن دور العبد فيه لم يتعدّ بقاءه محلاً أو وعاء لفعل غيره، ما أضفى على الكسب بعضًا من الغموض والالتباس في نظر المنتقدين والمتّهمين.

3-2- هـ في الموقف الثالث: يلتزم مفكرّو هذا الموقف بمبدأ “لا خالق ولا فاعل إلا الله”. فالله بالنسبة إليهم قد خلق الكون وسننه وقوانينه، وخلق الأسباب والمسبّبات، والأعمال والأفعال، والحركات والسكنات، وكل ما ظهر فيه، وما خفي… فهو الخالق الوحيد والفاعل الوحيد، إلاّ أنّهم رأوا أن أعمال الله وأفعاله في الكون فئتان: فئة الأعمال والأفعال التي لا إرادة ولا خيار فيها لأحد، مثل إنزال المطر، والموت والحياة، والمرض والزلازل وما إلى ذلك؛ وفئة أعمال ذوي الإرادة وأفعالهم التي تتم باختيار فاعليها، لأن الله جعل لهم ذلك؛ ولكن إرادة هؤلاء وقدرتهم وعقلهم كلها من الله. فالفاعلية له وحده، وللعبد المفعولية؛ ومع ذلك، فللعبد أن يختار بين الطاعة والمعصية بين طريقين دون إكراهه أو إجباره على أي منهما، وهما: طريق الإيمان والهداية والحق والخير والحلال، وطريق الكفر والضلال والباطل والشرّ والحرام. فإذا اختار هذه الطريق، فيكون قد عصى واستحق العقاب على معصيته، وإن وقع اختياره على تلك، فيكون قد أطاع واستحق الثواب على طاعته.

وبهذا الاختيار بين الطريقين يكون قد صحّ التكليف والتشريع وعدل الله المنزّه عن الظلم… فكل شيء معلوم ومكتوب ومقدّر لله. وكل ميسّر لما خلق له وكتب عليه دون أن يسلب العباد اختيارهم المذكور. ولكن يؤخذ على مفكرّي هذا الموقف عدم ربطهم الأسباب بالمسبّبات ربطًا تسبيبيًّا أو عليًّا، في الوقت الذي يرون هم فيه التزامًا منهم بحصريّة الخالقيّة والفاعلية في الله، وأن هذا المأخذ مردود على أصحابه لأنهم يربطون الأسباب بالمسبّبات، وأن من ينسب الفاعليّة إلى العبد، أو الفعوليّة إلى الله فهو كافر.

3-2-د- في المواقف الرابع: يرى علماء هذا الموقف أن العالم مخلوق لله على النظام السببيّ والمسببّي، وأن لكل شيء سببه، ولهذا السبب سببًا آخر، وهكذا إلى أن ينتهي الأمر كله إلى مسبّب الأسباب الوحيد تعالى. ويرون أيضًا أن في العالم فواعل اضطرارية تصدر عنها آثار وأعمال دون إرادة أو اختيار أو وعي، كالعلل الطبيعية: فبالماء مثلاً تسقى النباتات المتنوّعة، وبه ينبت الزرع؛ كما أن فيه أيضًا فواعل اختيارية حيث تصدر الأفعال باختيار فاعليها ومقدرتهم، ومن هذا القبيل الإنسان الذي يصرّف ما أفيض عليه من الخلق باختياره وإرادته. فالإنسان عندهم فاعل لما يصدر عنه، ولكن ليس بنحو مستقل كليًا عن الله، بل إن قدرته ليست إلاّ تعبيرًا وتجليًّا لقدرته تعالى؛ لأن الإنسان وقدرته كليهما من أفعال الله، وبالتالي يكون الفعل الصادر عنه فعلاً لله تسبيبيًا…

ومن أدبيات جماعة هذا الموقف أن الله قد أقدر الإنسان على الشرّ وتركه، وأقدره على الخير وتركه، وأمره بهذا ونهاه عن ذاك؛ فإن فعل مؤتمرًا منتهيًا فيكون قد فاز بالدنيا والآخرة، وإن لم يأتمر ولا ينتهِ فيكون قد خاب فيهما. وهو مخيّر في الطاعة والمعصية كليهما، ذلك أن الله قد أعطاه العقل والإرادة والقدرة على الفعل والترك، وجعل له الاختيار في ما يفعل بإعمال ما لديه دون إكراه أو إجبار… وبذلك كلّه يحق التكليف ويصحّ الشرع، ويقوم عدل الله الذي لا يظلم الإنسان شيئًا. أضف إلى ذلك أن هذا الموقف يتّهم بالكفر من يقول بجبر الإنسان، وينتقد من لا يرى تأثيرًا للأسباب والعلل، كما يتّهم من يقول بأن الإنسان يقوم بفعله على نحو مستقل وحرّ بأنه قد فوّض لنفسه بعضًا من ملك الله (أي فعل العبد) وجعله في سلطانه، باعتبار أن خروج شيء من ملك الله عن سلطانه ضرب من الشّرك وانتقاص من التوحيد.

3-2-هـ الموقف الخامس: يقف منظّرو هذا الموقف في الطّرف المقابل للموقف الأول، ويرفضونه جملة وتفصيلاً، ويعلون من شأن العقل والإرادة والقدرة والحرية عند الإنسان. وعندهم، تقوم الأعمال الإنسانية على مبدأ  السببية حيث يصدر الفعل باختيار فاعله، وليس على مبدأ العلية حيث يحدث المعلول عن العلة وجوبًا فلا يكون هنا بالتالي لا اختيار ولا إرادة ولا حرّيّة. فالأفعال مخلوقة للعباد لأنهم أوجدوها على وجه الحقيقة وليس على وجه المجاز أو الكسب أو الإكراه. والعبد هو الخالق الحقيقي لفعله باختياره وإرادته، والقدرة الحادثة المعنيّة بإيجاد الفعل وتولّده مصدرها الله. لكن أصحاب هذه الآراء أو بعضهم سرعان ما يقرّون بأن الله يقدر العباد على أفعالهم، على إيجادهم إياها: فهو يخلق أفعالهم بقدرة يحدثها فيهم عندما يختارون هذا الفعل أو ذاك. فالصحيح عندهم والذي به يصحّ التكليف ويتحقق عدل الله، ويحق على الإنسان الحساب والجزاء ثوابًا وعقابًا هو أن الله يخلق للإنسان عقلاً وقدرة وإرادة واختيارًا، ولكن تعمل جميعًا وتؤدي وظائفها بشكل مستقل باختيار الإنسان وحريّته.

أضف إلى ذلك أن الله عندهم منزّه عن الشرّ، كلّ الشرّ، فلم يخلقه ولم يرده، فجعلوه من فعل الإنسان، الأمر الذي جعل خصومًا لهم يأخذون عليهم ذلك، لأنه بالتحليل يفضي إلى وجود شيء، في ملك الله لم يخلقه ولم يرده، وقد أخذ هؤلاء الخصوم عليهم أيضًا نسبة الفعل إلى الإنسان، الأمر الذي يعني انتقاصًا من حصريّة الخالقية والفاعلية في الله؛ كما أن جماعة الموقف الرابع قد رأت في هذه النسبة على النحو المستقل الحر ضربًا من الشّرك.

وبعد عرض المواقف الخمسة من القدر على النحو الموجز المقتضب، فما مدى ما فيها منه؟ – إذا فهم القدر في النشاط البشري أنه لا يحدث فعل الإنسان إلاّ بقدرة، وإذا هذه القدرة هي من الله المقتدر، فإن المواقف الخمسة تقر بأن قدرة المقتدر تعالى شرط القدرة الإنسانية التي تبقى تابعة له على الرغم مما يبدو من الاختلاف في النظر فيها، وفي الفعل الصادر عن الإنسان: ففي الموقف الأول ليس من شيء سوى القدر؛ وفي الموقفين الثاني والثالث حيث الكسب والاختيار بين الطاعة والمعصية، هل يفلت الكسب والاختيار من قبضة المقتدر تعالى، مع أن الموقفين قالا بحصرية الخالقية والفاعلية في الله؟ – بالتأكيد، لا. أما في الموقفين الرابع والخامس اللذين ذهبا إلى نسبة الفعل إلى فاعله باختياره وإرادته، فهل تختلف طبيعة القدرة التي يصدر عن إعمالها الفعل، بين أن يكون الله قد أوجدها في الإنسان، كما يفهم من عبارة “فواعل اختيارية”، ففعل بإعمالها، وبين أن تكون نتيجة لإقدار الله الإنسان، فصدر عنه الفعل بإعمالها، مع العلم بأنه في الحالة الاولى يُقَرُّ بأن الإنسان وقدرته كليهما من الله، كما يَقَرُّ في الحالة الثانية بأن الإنسان وإقداره كليهما أيضًا مخلوقان لله؟ – بالتأكيد لا أيضًا. لماذا؟ – لأن هويتها ومصدرها ينتهيان عند الله المقتدر…

إذًا، فإن القدر يتربع في جنبات المواقف الخمسة كلها، والاختلاف بينها لا يتعدّى كونه اختلافًا بالدرجة وليس بالنوع. أضف إلى ذلك أن كلّاً من الفرقاء، يرجع إلى القرآن فيجد ما به يسوّغ ما ذهب إليه في نظره. وهذا لا يعني في الحقيقة تطابقًا بين هذه المواقف، خاصّة إذا ما أدخلنا العقل وإعماله كمعيار، فإننا نجد حينئذ أن “النقل” يحدّ المواقف الأربعة الأولى، بينما يتقدّم العقل على النقل في الموقف الخامس، لكنه يعني أن المواقف الخمسة ترتقي سلّمًا واحدًا أو تقف على سلّم واحد هو سلّم القدر، وأن مرتقي الدرجة العليا هو الأكثر تقييدًا وتسييرًا بالقدر، ومرتقي الدرجة السفلى هو الأقل تقييدًا وتسييرًا به.

وينبغي لنا أن نشير هنا إلى أن هذه المواقف لا تختزل فيها كل المواقف أو الآراء أو وجهات النظر في القدر، بل هناك من هذه وتلك ما يقترب قليلاً أو كثيرًا مما عرضنا له، وما يبتعد بهذا القدر أو ذاك منه. لكننا آثرنا الاكتفاء بما تناولناه لأن الغالبية من جمهور أهل الإيمان تلتفّ حوله، ولأنه يفشو ويشيع في ثقافة القدر.

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-

ملاحظة: تغيب حلقات كتاب “صرخة الإسلام” يوم غد الأحد بسبب العطلة الأسبوعية، ونستأنف نشر المقتطفات من الكتاب يوم الإثنين المقبل إن شاء الله.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى