مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”11″..

خاص “المدارنت”..
يتابع موقع “المدارنت” اليوم، نشر محتويات فصول المحور الأول من كتاب: “صرخة الإسلام” للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.
الفصل الثالث: في صلاحيّة الدّين لكل زمان ومكان
ما المعنى أو المعاني التي يثيرها هذا العنوان؟ فيم تكون صلاحيّة الدّين هذه؟ ألا يثير تطبيقها أو الإيمان بها بعض الإشكالات والمفارقات؟ أليس لها من أثر سلبي في حياة أهل الإيمان بها؟ … لنحاول ونعمل وسعنا لنكون على بيّنة من أمرنا في هذا كله:
- في المعاني والدلالات:
1-1- المقصود بالدّين: إنّه الإسلام الذي ظهر عام 610 م في شبه الجزيرة العربية على يد النّبي محمّد الذي بشّر به ودعا إليه من خلال القرآن الذي اعتبر دستور المسلمين ومرجعهم في كل زمان ومكان؛ كما كان النبيّ المصطفى، في سيرته وسلوكه وفعله وقوله وحديثه، قدوتهم، وكانت سنّته بالتالي مرجعهم الثاني في تدبير أمورهم وتصريف شؤون حياتهم… فلفظ “الدين” هنا يعني الإسلام؛ والإسلام يعني كتاب الله وسنّة نبيه؛ وهذان هما الصالحان لكل زمان ومكان، باعتبار الإسلام دينًا ودولة أو دينًا ودنيا، كما أشيع وشاع في المجتمعات والشعوب والجماعات الإسلاميّة بشكل عام. ويعبّر الإسلام كدين ودنيا عن شموليته حياة الناس في الدنيا والآخرة، كما يعبّر عن العلاقة بين الخالق والإنسان المؤمن به حيث خلقه الله ليعبده، وجعله خليفة له في الأرض يستعمرها، وأرسل إليه الرسل والكتب ليهتدي ويطيع الأوامر والنواهي، ويعمل بالأحكام الإلهية، ويقوم بالتكاليف، ويؤدّي الفرائض، ويحكم بما أنزل الله حتى لا يكون كافرًا ولا ظالمـًا ولا فاسقًا، بل ليفوز بسعادة الدنيا ونعيم الآخرة؛ وإلاّ فله جحيم هذه وشقاء تلك. أضف إلى ذلك أن الإيمان بالإسلام يشمل الإيمان بوحدانية الخالق وملائكته ورسله وكتبه ويوم البعث أو القيامة، بالإضافة إلى الإيمان بالقضاء والقدر عند الغالبية العظمى ممن آمن بالإسلام الذي جاء عبر القرآن أولاً، والسّنّة ثانيًا بنظام ومنهاج للحياة يتفوّقان، من وجهة النظر الإسلاميّة، على غيرها مما لدى المؤمنين بأديان أخرى، ومما لدى غير هؤلاء ممن يعتمد أنظمة ومناهج عقليّة من وضع البشر.
1-2- الكلام على الصلاحيّة: يتناول الكلام على الصلاحيّة التي كانت سائدة وحاكمة زمن النبوّة ومكانها الذي هو شبه الجزيرة العربية عامّة، ومكة المكرّمة والمدينة المنوّرة خاصّة؛ أما زمنها فمنذ نزول الوحي على المصطفى سنة 610 م وحتى وفاته سنة 632 م الموافقة لسنة 11 للهجرة، وبوجه خاصّ سنوات الهجرة منذ سنة 622 م لجهة اتّساع مدى ممارسة الدّين وتطبيقه مع قيام “الدولة الإسلامية” في المدينة. ومما يجدر ذكره هنا هو أنه بوفاة الرسول، يكون الوحي والسّنة النبوّية قد انقطعا، كما يكون الله قد أنجز رسالته العلويّة عبر الأمين جبريل للأمين محمّد ومنه للناس جميعًا. فكل ما ترجع إليه أمّة الإسلام في الإيمان والدين والدنيا هو القرآن في نظامه ومنهاجه وأوامره ونواهيه وشريعته، وهو أيضًا السّنّة النبويّة باعتبار أقوال النبي وأفعاله وأحاديثه وسلوكيّاته في ما أقّر وقرّر ودبّر وصرّف، وحكم وفصّل وشرح وفسّر، والقرآن والسّنة هذان هما أيضًا ما رجع ويرجع إليه علماء الكلام والفقهاء والمجتهدون والمفسّرون والمؤولون على اختلاف المذاهب والمدارس ووجهات النظر المتقاربة والمتباعدة، والأحكام الشرعية في القضاء والإفتاء. وهما هما المرجعية الصالحة لكل زمان ومكان.
وإذا تمّ للإسلام، في عهد النبوّة، النجاح الباهر والأثر البعيد في إثبات وجوده وفعاليته، صورة فضلى لحياة من آمن ودان به، وفي الكثير مما أقرّه وقرره وأقامه ونهض به على أنقاض ما كان يحمله معه الماضي البعيد والقريب من النبوّة وعلى القليل الذي أبقى عليه منه؛ وإذا كلّف هذا النجاح الإسلام ومن آمن به، في واقع الحال يومئذ، كميّة هائلة، ونوعيّة متميّزة من الجهد والاجتهاد والنضال والجهاد، والصمود والصبر والثبات، والرويّة والتعقّل والحكمة، والشجاعة والإقدام والتضحية والتفاني؛ وإذا كان الشائع والسائد في حركة ومسيرة كلّ من الماضي والمستقبل البشريين أن يتنازل الماضي وينحني بين يدي المستقبل(1) في مطاف حياة الإنسان على الرغم من تعرّجه أحيانًا، أو تلولبه أو دورانه حول نفسه، أو رجوعه القهري إلى حين، وعلى الرغم أيضًا من عدم انقطاع هذا الماضي المتنازل المنحني كليًّا إذ يستمر، وإن فقد الكثير من تألّقه وفاعليّته وتجلّيه، ممتدًا في المستقبل خبرة وعبرة، وإرثًا ثمينًا، وتراثًا جميلاً، وتقنّعًا فاعلاً وقادرًا على هذا الشيء أو ذاك؛ أضف إلى ذلك أن المستقبل لا يكاد يتألّق بحلّته الجديدة حتى يجد نفسه قد فقد جنسيّته لآت غيره، ليأخذ جنسيّة الماضي الذاهب إليه مضطرًا وبشكل من الأشكال؛ وإذا كان نجاح الإسلام ذاك، وكلفته، وحركة الزمن البشري بشأنه يتناول حياة الناس في عهد النبوّة في ظروفهم وأحوالهم، وقيمهم وأخلاقهم واتجاهاتهم واعتقاداتهم، وحاجاتهم وأبعاد حياتهم، وتعقيداتها ومشكلاتها، ومعطياتها ونظمها وتنظيماتها، وأمورها وشؤونها، وهمومها وشجونها، وخيرها وشرّها، وحلوها ومرّها، وجمالها وقبحها، وإيمانها وكفرها، وهداها وضلالها، وحكمها وسياستها، واقتصادها وقضائها(…) يعمّمه نموذجًا يحتذى ويقتدى به لما ينطوي عليه مما ذكرنا ومما لم يتّسع المجال لذكره، وإطارًا مرجعيًّا كاملًا صالحًا لغيره من العهود والأزمنة والأمكنة والحيوات البشرية التي عقبته وتتعاقب عليه.
- معانٍ ودلالات تدور في فلك “لكل زمان ومكان”:
1-3-أ- إن (اللّام) في (لكلّ) تتيح لنا ربط صلاحيّة الإسلام زمكان(2)النبوّة في الشكل والمضمون بكل زمكان بعدها؛ وهذا الربط يعني أن الصلاحيّة المشار إليها تُعمّم على كل ما حدث ويحدث لمن تعاقب من الناس والأجيال بعد النبوّة بحيث يكون محكومًا لأحكامها، ومقاسًا على مقياسها، وموزونًا بميزانها، ومقضيًّا بقضائها، ومؤتمرًا بأوامرها، ومنتهيًا بنواهيها، وخاضعًا لشريعتها، ومساسًا بسياستها؛ ثم إن هذه الصلاحيّة، وإن كانت في زمكان معيّن، فهي لا تتقيّد به، وهو لا يمكن له أن يكون شرطًا أو عاملاً من عوامل تكوينها؛ فلها من مثاليتها وكمالها وشموليتها ونموذجيتها ومرجعيتها ما يجعلها تفارق زمكانها إلى غيره دون قيد أو شرط أو تعديل أو تغيير أو إضافة أو نقصان لامتلاكها الحق والحقيقة والصلاحيّة من الله وسنّة نبيّه استتباعًا.
1-3-ب- أمّا عبارة (كل زمان ومكان) فلا تعني زمانًا معيّنًا ولا مكانًا معيّنًا، بل تعني كل الأزمنة والأمكنة التي أتت وتأتي في أعقاب النبوّة، والتي عاش ويعيش فيها من آمن بالإسلام، وعمل بما أنزل الله وبما جرى على سنّة نبيّه المصطفى؛ وليس في العبارة ما يحدّها في الزمكان، فالصلاحيّة إذًا قائمة ومفروضة دينيًّا إلى أن يحدث الله أمرًا كان مقدورًا؛ وهي تشمل في ما تشمل العهد الراشدي والعهد الأموي والعهد العباسي…الخ، وزمكان كل جماعة إسلامية أو مجتمع إسلامي أو شعب إسلامي أو دولة إسلامية حتى اليوم، ومنه إلى ما شاء الله. وبالطبع فإن لكل من العهود المذكورة مكانًا يملأ مساحته فعل الناس وحياتهم في كل ما لها وعليها وفيها من وجوه. إن حيوات الناس، وإن تشابهت بهذا القدر أو ذاك، فهي تختلف وتتباين، ويكبر هذا التباين وذاك الاختلاف بمقدار ما يباعد بينها الزمن والظرف والحال، وما تختلف فيه أسباب الحياة… ومما يجدر ذكره هنا هو أنه عندما نقول مثلًا: “زمن الأمويين” فهذا لا يعني أن عهود هؤلاء متطابقة أو متجانسة في ما بينها، وبإمكاننا أيضًا جعل الأزمنة أقل امتدادًا، فنجعل الزمن مثلاً منسوبًا إلى كل خليفة في مدة حكمه، وجعل الأمكنة على النحو نفسه؛ وينسحب ذلك على حياة الناس وحراكهم ونشاطهم أيضًا… فالاختلاف والتباين في حياة البشر يمكن رصدهما وملاحظتهما في أزمنة متقاربة جدًّا، وحتى في الزمن الواحد. أضف إلى ذلك أنه من المسلّم به أن حاجات الناس ومتطلبات حياتهم تزداد وتتعدّد وتتنوّع وتتعقد مع تقدم الزمن. ومع ذلك، فإن الجماعات والمجتمعات والشعوب والدول الإسلامية كلّها وفي أزمنتها كلّها وأمكنتها كلّها، تجد مثال حكمها، ونظام حياتها ومنهاجها، وعلاج مشكلاتها، والفصل في منازعاتها، وتأمين أرزاقها وحلول أزماتها، وتحقيق العدل والعدالة الاجتماعية والمساواة في أرجائها، وصون الحقوق وممارسة الحريّات، والقضاء على شبح الظلم والقمع والاستبداد والاستغلال السّيئ والاحتكار والفساد والإفساد، والقضاء على الأميّة والفقر والعوز، والإنتاج وتوزيع الثروات، وتدبير الأمور، وتصريف الشؤون، بالإضافة إلى الطرق المستقيمة والأساليب النزيهة والسبل المشروعة للتمتّع بنِعم الحياة الدنيا وخيرها وسعادتها، والوسائل السليمة الشريفة للتزوّد بالصالحات للفوز بنعيم الآخرة وخيرها وخلودها، تجد كل هذا وذاك جميعًا في الإسلام ذي الصلاحيّة لكل زمكان، التي تحقّقت وحقّقت جدواها ونموذجيّتها في العهد النبوّي. وهذه الصلاحيّة، كما كان لها أن تفارق زمكانها في عهد النبوّة، كان ويكون لها أيضًا أن تعانق العهود والأزمنة والأمكنة التي أعقبته، وتحكمها بأمثل نظام وأفضل منهاج، تفارق لتعانق، وتعانق لتفارق المزيد من العهود والأزمنة والأمكنة إلى ما في علم الله بشأنها.
هذه هي المعاني والدلالات التي تيّسر لنا التقاطها مما يثيره عنوان الفصل، وبسطها وعرضها دون التعليق عليها، على أمل أن نفعل ذلك في موقعه وحينه. ولعلّ هذه المعاني تتضح معالمها وتتبيّن أبعادها أكثر في محاولة الإجابة عن السؤال التالي: فيم تكون وتقوم صلاحيّة الدّين هذه لكل زمان ومكان؟ وإلى أي مدى يؤيّدها القرآن والسّنّة؟
- فيم صلاحيّة الدّين لكل زمان ومكان؟
إن الإجابة العفوية والآليّة والجادّة في آنٍ معًا، ودون تحفّظ أو تردّد أو استثناء، ودينيًّا، هي أن هذه الصلاحيّة تكون وتقوم في كل ما يمتّ إلى حياة الإنسان بصلة في الدنيا والآخرة. فما قوامها ومرجعيتها؟ كيف هي في عهد الرسول؟ ما مدى تطبيقها؟ كيف كان الأمر في مكّة المكرّمة؟ كيف صار في المدينة المنوّرة؟ كيف انعكست الصلاحيّة في الحياة “السياسية والاقتصادية” للأمّة الإسلاميّة الناشئة على يد الرسول؟
2-1- قِوام هذه الصلاحيّة ومرجعيّتها: إنّ القرآن، إسلاميًّا، هو الدستور الإلهيّ الكامل لحياة البشر، إنّه النظام والمنهج والهدى والرحمة، أخرجنا من الظلمات إلى النور؛ ولولاه لكنّا لا نزال غارقين في ضلالات الجاهليّة وظلماتها… إن الله الخالق العظيم قد أعطانا وأغدق علينا من كل ما طلبناه، وما رغبنا فيه، وما احتجنا إليه في حياتنا؛ وقد غمرنا بنعمه إلى درجة أننا نعجز معها عن إحصائها فيما لو ذهبنا إلى عدّها؛ ومع هذا الفضل العظيم من ربّ العالمين، فإننا لا نزال أحيانًا نظلم أنفسنا إذ يعلو صوتنا بالشكوى والامتعاض إذا ما ابتلينا بشيء من السوء، ننزلق إلى الكفر بجحودنا ونكراننا الجميل في بعض الأحيان حيث تعبث الأهواء في أنفسنا إلى حين، وفقًا للآية:﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (إبراهيم: 34). إنّها سنّة الله في خلقه، وهي هي من قبل وبعد، لا نجد لها تغييرًا أو تعديلاً أو إضافة أو نقصانًا، لأنها منذ أن بشّر بها الرسل، ودعوا إلى معرفتها والإتّعاظ بعظمة خالقها، كانت كاملة شاملة ومنّزهة عن كل نقص أو عيب أو ضعف. وها هو الله يحبط مساعي النفوس المريضة التي تراهن بالمكر أو الخداع أو النفاق أو السّوء، أو بها جميعًا للنيل من سنّته تعالى، تبديلاً أو تحويلاً، فيقطع على هذه النفوس الطريق إلى ذلك، وينفيهما كليهما في المستقبل كلّه: ﴿فَلن تَجِدَ لسّنّةِ اللهِ تبديلاً وَلَنْ تَجِدَ لسُنّةِ الله تحويلاً﴾ (فاطر: 43).
أمّا النبيّ المختار فيذكّرنا دائمًا بأنه قد ترك فينا ولنا ما به نحمي أنفسنا ونعصمها من الضلال ما دمنا نتمسّك به، ونأتمر بأوامره وننتهي بنواهيه، ونهتدي بهداه، ونلتزم الصراط المستقيم الذي أناره لنا، وسواء السبيل الذي هدانا إليه، فنسعد بحياة فاضلة كريمة في دنيانا، وسننعم بحياة أقوَم وأفضل وأكرم في أخرانا، في عالم الغيب والخلود، ألا وهو كتاب الله العزيز، القرآن الكريم وسنّة نبيّه المصطفى، إذ يقول في خطبة له في حجة الوداع: “وقد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلّوا أبدًا، أمرًا بيّنًا، كتاب الله وسُنّة نبيّه”(3).
وقد اعتمد مذهب إسلامي كبير معنى هذا النّص معبّرًا عن (وسنّة نبيّه) بـ (وعترتي، أهل بيتي). على أية حال، فإنّ السّنة النبوية تتجلّى بين يدي أهل الإسلام بمثابة الوجه العملي والتطبيقي والشارح والمفسّر لكتاب الله لتترسّخ في نفوسهم حجّة دافعة لكمال صلاحيّة الإسلام، وسلامتها ومثاليّتها لكل زمان ومكان، فهي المرجع الثاني لهذه الصلاحيّة. أجل، إن القرآن أوّلاً والسّنّة ثانيًا، هما قوام هذه الصلاحيّة ومؤدّى الرسالة العلويّة الإلهيّة التي بلّغها النبيّ محمّد الناس جميعًا، وهما بالتالي الوجه المباشر من الإجابة العفوية عن السؤال – العنوان..
أما الوجه غير المباشر الذي تكتمل به الإجابة السريعة عنه فهو أن تلك الصلاحيّة بكل أبعادها كان الله قد علمها وكتبها في اللوح المحفوظ وقدّرها وقضاها؛ فالله يعلم بكل آتٍ من زمان أو مكان أو ظرف أو حال أو تغيّر أو تطوّر وما إلى هذا؛ وهو الذي لا يعلم ما في الغيب سواه، كما يعلم كل ما يجري في خلقه من حركة أو سكنة أي شيء في الأرض، وما في البحر، وما في أي مكان؛ فكلّه معلوم ومكتوب ومحفوظ عنده تعالى، كما ورد في الآية: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِين﴾ (الأنعام 59). إذًا، فالصلاحيّة هذه، في قوامها، كاملة شاملة مطلقة لا يقيّدها زمكان، ولا يحدّها شيء، ولا يعيبها عائب، صنعها الخالق القدير العليم الحكيم وجعلها تتناغم وتنسجم مع فطرة الإنسان يصلح بها حال أمره في عالمي الشهادة والغيب.
2-2 – الرسالة وصلاحيّتها في عهد الرسول: لقد تعهّد النبيّ المصطفى الدعوة إلى الإسلام منذ ﴿إقرأ-﴾ ولغاية لحظات حياته الأخيرة في عالم الشهادة، التي سبقت ساعة أن ألحقه الله بالرّفيق الأعلى؛ إنّه تلقّاها من الأمين جبريل طيلة ثلاث وعشرين سنة؛ كان في مكة في ثلاث عشرة منها، وفي عشر في المدينة المنوّرة. لقد كان إلى صدقه وأمانته وعظم أخلاقه، الرسول والمبلّغ والمنذر والمبشّر والمعلّم والمفسّر والشارح لما جاءه به الوحي، كما كان القائد والحاكم والمدبّر والمتصّرف والقدوة الحسنة، والحجّة الدافعة على حسن التطبيق والممارسة. لقد أبدى من المرونة والحكمة والحنكة والصّبر وبُعد النظر والفهم والحزم والعزم والإقدام، ما جعله مطاعًا وموثوقًا به ومرجعًا لمن آمن به وبالرسالة في شؤون الدّين والدنيا على الرغم من قوله الشهير “إن الناس أدرى بشؤون دنياهم”. كان همّه وشاغله الشاغل أن يأخذ الإسلام كلّ السّبل المستقيمة التي تنتهي في قلوب الناس المؤمنين به، وفي عقولهم وأنفسهم بحيث ينعكس في الشخصية والسلوك والممارسة بفرائضه وأحكامه وأوامره ونواهيه، وحلاله وحرامه، مرضاة الله وطاعة له ولرسوله. لقد تألّق النبيّ المختار في مناقبه الكريمة الجميلة العالية حيث جعل منها في ما فعله وقاله وقرّره وأمر به ونهى عنه، سُنّة قدويّة علا شأنها لتقدّم نفسها مرجعًا ثانيًا للإسلام بعد القرآن، جاعلة حكمه ونظامه ومنهاجه، معيارًا ومقياسًا وميزانًا للحياة الكريمة الفاضلة المستقيمة النزيهة الحائزة على رضا الله ورسوله، وطاعتها، والعمل بما أنزله الله على نبيّه. هذا الأمر اعتبره أهل الإيمان بأنه الطريقة المثلى للتمتّع بنِعم الدنيا، والسعادة بخيراتها في حدود الله، تيسيرًا لهم للفوز بنعيم الآخرة جزاء لهم على عملهم الصالح وطاعتهم وصدق إيمانهم. أما في الحالة النقيضة، فالشقاء في الدنيا والجحيم في الآخرة. لقد تلقى الرسول الوحي بكل أمانة وصدق وهو الأمين الصادق، فعمر الله قلبه به، واهتدى به عقله، فبلغ به نوره وعلمه شأوًا لا يدانيه فيه أحد، وارتاحت له نفسه، ما جعلها ينبوعًا لا ينضب من الخير والحق والجمال والهدى والرحمة والفضائل والقيم العليا، وانشرح له صدره ليصدع بالحق والصبر على الشّدائد وليتقدّم بالشجاعة والإقدام والمروءة، وكان المنهج الواضح المستقيم يشقّ طريقه لتحقيق وتجسيد النظام الرباني الكامل الشامل الأمثل على أرض الواقع للحياة البشرية في يسرها وعسرها وخيرها وشرها، وحلوها ومرها، ونعمها ونقمها، وهداها وضلالها، وحقها وباطلها، وحلالها وحرامها، وجمالها وقبحها، وغناها وفقرها، وعدلها وظلمها، وسلمها وحربها(…)، وفي كل ما يمت إليها بصلة. لقد أفضى ما قام به الرسول في تعهّده الرسالة في القول والفعل والممارسة والأداء، ,في التبليغ والإرشاد والتبشير والتحذير، إلى إنشاء أنموذج للحياة البشرية ارتسمت أبعاده وحدوده في رحاب وظلال ما أمر الله به ونهى عنه وحكم به في كتابه العزيز، القرآن الكريم أولاً وأساسًا، وثانيًا واستتباعًا، في مدى ما طبّقه الرسول ومارسه وشرّعه في سنّته السنيّة الغنيّة القدويّة في إطار الرسالة وتحت سقفها. هذا الأنموذج للحياة هو الصالح لكل زمان ومكان لأنه الأفضل والأمثل والأوفى والأكمل، بل لأنه موحى به من ربّ العالمين؛ إذًا فهو يتفوّق على ما عداه من نماذج من وضع البشر وصنع عقولهم وتجاربهم.
لعلّه غنيّ عن البيان أن هذا كله يندرج في إطار وجهة النظر الإسلامية… والآن إلى مدى تطبيقه المتاح وفقًا لوجهة النظر هذه.
2-3- مدى تطبيق الأنموذج الإسلامي للحياة: لقد عرضنا في الفصل السابق شؤون الحكم والسياسة، والاقتصاد والمال، وما يدور في فلك هذا وذاك من المفاهيم ذات العلاقة اللصيقة الوثيقة بها لجهة ما هي عليه في الإسلام؛ وقد علّقنا حيث ينبغي لنا أن نفعل في حينه. بيد أن تعليقنا وتعليقات الكثيرين من ذوي الرأي والنظر لم تحل دون إيمان القيّمين على الإسلام والعاملين والمشتغلين والمجتهدين في تشريعه وأحكامه، بأن الإسلام، قرآنًا وسنّة، قد جاء بنظام رباني للحياة، ومنهاج مستقيم لم يتركا شيئًا في حياة البشر إلا له فيهما ما يحكمه على النحو الأفضل والأمثل بالمقارنة مع غيرهما من الأنظمة والمناهج الوضعيّة العقلية وغير العقلية؛ لأنهما من خلق الله تعالى وسنّة نبيّه الهادي. فالإسلام، إذًا، هو الأنموذج الأفضل والأمثل والأكمل والأوفى لحياة البشر في دنياهم، فضلاً عن ذلك في أخراهم، وهو بالتالي الأنموذج الصالح لكل زمان ومكان؛ وما على الناس سوى الإيمان به والأخذ والعمل بقواعده وأحكامه والإئتمار بأوامره، والانتهاء بنواهيه، وأداء الفرائض والتكاليف، والالتزام بحلاله وحرامه، والاعتصام بهداه وحقيقته وعدله وشريعته بعيدًا عن الضلال والباطل والظلم والعبث والفساد(…) حتى يتمّ لهم الحياة المثلى في الدنيا، والحياة الخالدة في عالم الغيب، التي تتجاهلها الأنظمة والمناهج الوضعيّة، بل لا تدخل في نطاق مساعيها واهتماماتها البتّة. فمدى تطبيق الإسلام هو مدى الحياة كلّها في الدنيا فضلاً عن الآخرة؛ وليس من ميدان أو مجال أو منحى يهمّ الإنسان أو يهتم به إلاّ كان حكمه وتدبيره وتصريفه وإدارته وبيانه في الإسلام، مصداقًا لقوله تعالى في الآية: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: 89). فصلاحيّته إذًا في كل شيء. والحكم بما أنزله الله، يتمثّل فيه نظامًا سياسيًا يصلح لسياسة الأمّة في تدبير أمورها وتصريف شؤونها، وإدارة قضاياها في الحرب والسلم، وفي توافر أسباب الحياة وحماية الثغور والحدود، وفي القضاء وفضّ المنازعات، وفي المساواة والعدالة الاجتماعيّة، وفي تأمين مصالح الناس والحفاظ على حقوقهم وحريّاتهم، وفي إقامة وتنظيم العلاقات الداخليّة والخارجيّة، وفي تداول السلطة الذي يبقى منوطًا أو محكومًا لاستخلاف حاكمية ربّ العالمين في من يشاء الله ويعزّ من عباده الصالحين.
2-4- صلاحيّة الإسلام في الزمن المكّيّ: لا بدّ لنا، بداية، من الإشارة إلى أنّ النبيّ المصطفى في زمن نبوّته في مكّة المكرّمة ولمدة ثلاث عشرة سنة، لم يكن يتمتّع بسلطة سياسيّة يمارسها في الحكم بما أنزله الله إليه على مجتمع أو شعب يؤمن به، ويمتثل إليه، ويعيش على أرض يشغلها بنشاطه الإنسانيّ، وتعمر به وترجع إلى سيادته؛ لأنّ الأرض والناس في مكة وجوارها كانا يناصبان النبيّ ومن آمن به العداء والأذى. وفي السياق نفسه، لا يمكن الكلام على حياة اقتصادية يدير شؤونها النبيّ في المعنى الاجتماعي السياسي؛ لأن أرض المجتمع السياسي والاقتصادي لمن يملكها ويسودها ألا وهو قريش. إذّا، ليس في هذا الزمن سياسة أو اقتصاد لتتبّع صلاحيّة الإسلام فيهما. ولكن هذا الواقع لا يدفع بنا إلى القفز فوق ثلاث عشرة سنة، بل يدفعنا إلى مواكبة الرسول في إدارة شؤون الدعوة إلى الإسلام التي تستلزم كل العناصر أو المتغيّرات التي تتيح لها الانتشار يتجسّد فيه الحكم بما أنزله الله إلى الرسول، على أرض الواقع والحقيقة. فالزمن النبوّي المكّي يمكن اعتباره المرحلة المهيّئة والممهدّة والمرهصة في الدعوة وترسيخ الإيمان بها والتخطيط لها، وحسن التدبير والتصريف في الظروف القائمة والراهنة والمتاحة من أجل واقع بظروف مغايرة تنطلق فيها هذه الدعوة وتنتشر وتفعل وتأخذ كلّ السّبل التي تبلغ بها مراميها وغاياتها في الحياة الدنيا بحيث يمكّن هذا البلوغ أهل الإيمان بها من الفوز بنعيم الآخرة… أويغيب عن تفكير الرسول واهتمامه ما يؤدّي به الرسالة كاملة، تبليغًا وتعليمًا وممارسة وهو من اصطفاه الله لهذه الأمانة ورفض كل مغريات الدنيا من أجلها؟! لنقف الآن عند معالم من الزمن النبوّيَ المكّي حيث كانت قريش تحاصر الدعوة بصلفها وجورها وجبروتها.
2-4-أ- الدّعوة إلى الدّين الجديد: لقد شرع الرسول في تبليغ الرسالة، أو الدعوة إلى الإسلام، سرًّا وخفيةً، خوفًا من شر ردة فعل قريش. فقد كان بعض من آمن يستخفي في شعاب مكّة ليمارس العبادة إلى حين علمت قريش ذلك؛ حينئذ، لجأ الرسول وأصحابه متخفين إلى دار الأرقم يقيمون الصلاة فيها(4). وقد استمر الرسول على هذه الحال، ملتزمًا السّرّيّة ثلاث سنوات من بعثه نبيًّا رسولا. وفي السنة الرابعة، أراد الله أن يخرج إلى العلن، فأمر نبيّه بأن يجهر به ويدعو الناس إليه، ولا يأبه لسوء تصرّف المشركين، استجابة لقوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَر وَأَعرِضْ عَنْ الـمُشركين﴾ (الحجر: 94). كما طلب منه أن يبدأ بتنبيه أقاربه وتحذيرهم وإنذارهم، لعلّ في ذلك ما ينفع ويجدي مع الآخرين، كما ورد في الآية: ﴿وَأَنذِرْ عشيرَتَك الأَقْرَبين﴾ (الشعراء: 214). ولم يكن الرسول ليتأخّر عمّا يريده الله، فدعا الأقارب إلى الاستجابة لنداء ربّ العالمين أن آمنوا بالإسلام، دين الحق، وأنّ فيه هداكم، وصلاح أمركم في الدنيا والآخرة؛ ثمّ حذّرهم وأنذرهم بأنه لا يغني عنهم شيئٌ إزاء ما ينزله الله من عقاب وعذاب في المشركين والكافرين. أضف إلى هذا أنه عرض على قريش، مسمّيًا أحياءها حيًّا حيًّا، أن يستجيبوا لرسالة التوحيد، مستخدمًا ما يعرفونه عن صدقه وأمانته واستقامته، أملاً منه في أن يساعد هذا في قبول الدعوة. ولكن، سرعان ما أخذت قريش تسفّه ما دعا إليه، وتسخر منه وتتهكّم وتهين وتؤذي، وفي المقدّمة عمه أبو لهب الذي صرخ بوجهه قائلًا له: “تبًّا لك” ألهذا جمعتنا؟! ولم يكن هذا فحسب، بل أشاع في قريش وفي كل من يمكن أن يتّصل بالرسول أو يتواصل معه، أنّ ابن أخيه محمّدًا، ما هو إلاّ ساحر ومجنون، محذّرًا الناس من أن يفتنهم عن دينهم. بيد أن الرسول الذي شرح الله صدره للإسلام، كان عامرًا بالإيمان وعارفًا بالمصاعب والمعيقات وعازمًا على الذهاب في تحمّل أعباء الدعوة إلى النهاية ومستعدًّا لاستيعاب كل المظالم والمكاره التي يتعرّض لها مع أصحابه؛ لذلك كان في دعوته ثابتًا صامدًا، وصابرًا مقدامًا، وواثقًا متقيّنًا أنه سيبلغ بالرسالة مبلغها ومداها وكمالها، وسيفوز برضا ربّ العالمين… إذّا لا ولن يثنيه شيء عمّا هو مندوب إليه.



