نـحــن وتــركـيـــا.. “3/3”..

خاص “المدارنت”..
تركيا والثورة السورية.
حينما إنفجرت الثورة السورية إتخذ أردوغان موقفا علنيا مؤيدا لها واعدا بدعمها بكل الوسائل لإسقاط النظام وراح يحرض السوريين على الإستمرار في الثورة طلبا للنصر المضمون والقريب.. إلى درجة أنه كان يعطي المهل الزمنية القصيرة جدا لرأس النظام للتنازل وتلبية مطالب الشعب وإلا فالسقوط الحتمي مصيره..
وتتالت الأحداث وراح الموقف التركي يتأرجح صعودا وهبوطا وتراجعا عن الوعود السابقة بدعم الثورة ، في الوقت الذي تصاعد التدخل التركي في مجريات الأحداث في سورية بشكل يطغى عليه المنحى السلبي المثير للريبة والشكوك والإلتباسات..
ليس هنا موقع مناسب لتلاوة تفاصيل المواقف التركية العلنية والعملية فقد يكتبها من السوريين من عايشها بالتفصيل.. إلا أننا سنلقي إطلالة عامة على السمات الرئيسية لتعامل تركيا – أردوغان مع أحداث الثورة ..سمات يمكن إجمالها كما يلي:
1 – إختفاء الخطاب التحريضي من مواقف أردوغان وتراجع عن مواقفه السابقة المعلنة المطالبة والواعدة بإسقاط النظام أو رأسه على الأقل.وحل محلها خطاب المقايضات والمفاوضات والتسويات..
2 – الموقف الإنساني: حيث فتحت تركيا أراضيها لمئات آلاف المهجرين السوريين المقتلعين بالقوة والإرهاب من بيوتهم وديارهم في وطنهم..وقدمت لهم مساعدات مشكورة ومقدرة وتسهيلات عامة تتعلق بالإقامة والسكن والعمل ..
وفيما عدا بعض الحوادث المحدودة التي قتل فيها سوريون بنيران حرس الحدود التركي ؛ يبقى ما قدمته تركيا للمهجرين موضع تقدير وعرفان..
3 – الدعم العسكري : وحينما بدأت الإنشقاقات العسكرية من الجيش السوري تكثر وتتوالي لم يكن أمامها إلا اللجوء إلى المناطق التركية أو تلك السورية الخالية من قوات النظام..ثم تم تشكيل الجيش الحر بمساعدة عملانية من تركيا..ولكنها لم تكن مساعدة بريئة إذ سرعان ما أبعدت كثيرا من الضباط الذين لم يكونوا على إستعداد للتعاطي مع الأحداث وفق الرؤية التركية ومصلحتها..وللأسباب العملانية ذاتها فرضت تركيا رؤيتها ونهجها على الجيش الحر الذي ما برح أن وجد نفسه رهينة الدعم التركي والقرار التركي أيضا.. وكانت أكبر خطيئة لتركيا تسليم المقدم حسين هرموش للنظام السوري وهو الذي كان مقدرا أن يلعب دورا قياديا عسكريا إلى جانب عشرات بل مئات الضباط الآخرين من الوطنيين الشرفاء..خلاصة الأمر عسكريا أن تركيا راحت تستخدم الجيش الحر لتحقيق مكاسبها السياسية فيما تجريه من مفاوضات ومقايضات مع الأطراف الأخرى وفي رأسها روسيا وإيران والنظام..
4 – تشكيل الفصائل الميليشيوية:
ساهمت تركيا بما توافر من أموال ذات أغراض خاصة وصلت إلى الساحة السورية على أن تكون دعما للثورة والشعب السوري؛ في تشكيل فصائل عسكرية محلية في كل المدن والمحافظات التي تحررت من سيطرة النظام، بأسماء إسلامية متعددة جدا؛ إستقطبت إلى صفوفها كثيرا من الشباب السوري الثائر الحر ولم يكن ثمة خيار آخر غير الإنضواء فيها للمشاركة العسكرية والدفاع عن النفس والأرض والعرض..
فإذا بهذه الفصائل تصبح معرقلا وعائقا أمام الشعب والثورة وراحت تلعب دورا كأنه مرسوم ومتفق عليه تمثل في:
– إغتيال القيادات الشعبية الوطنية الشريفة.
– خوض معارك مع قوات النظام وحلفائه ثم الإنسحاب فجأة وتسليم المناطق والمدن تباعا – بعد أن تدمر ويهجر أهلها – لقوات النظام الذي راح يلعب دور المنتصر الذي يحرر الأرض التي كانت “محتلة”.
– وقد بين تسلسل الاحداث والوقائع أن هذه الفصائل ضمت إليها عناصر كثيرة مرتبطة بالنظام وأجهزته ولعبت فيها دورا تخريبيا مشبوها.. كما أن كثيرا من قياداتها ذات العمائم واللحى باعت القضية وقبضت بها أموالا كثيرة بعد كل صفقة سياسية كانت تتم بين النظام وتركيا وروسيا وإيران معا.. فكانت تصدر الأوامر التركية بالإنسحاب وإخلاء المواقع لقوات النظام..فيما يدفع الثمن آلاف من الشباب الوطني الذي كان يقاتل ببسالة وإخلاص وأمانة.. إضافة إلى السكان الذين يهجرون ليصبحوا نازحين..
وكانت الجريمة الكبرى ولا تزال ؛ إطلاق تنظيم جبهة النصرة الإجرامي ليعيث فسادا وعنفا في المناطق الشعبية الحرة وقتلا بالطاقات الوطنية الميدانية الحرة ..ومرور مئات العناصر المسلحة الأجنبية المشبوهة عبر أراضيها للإلتحاق بالنصرة أو بعض الفصائل الأخرى المريبة..
5 – تشكيلات “المعارضة”:
ساهمت تركيا بالدور الأساسي في تقزيم ثورة الشعب السوري وإختصارها بتشكيلات أطلق عليها لقب المعارضة وراحت تعمل من خلالها لتحقيق المزيد من المكاسب الخاصة بها وليس للشعب السوري بحال من الأحوال..
وإمعانا في نهجها الساعي للإمساك بكل أوراق الشعب السوري وثورته؛ عملت تركيا؛ تحت إدعاء تأييدها ودعمها للثورة ؛ في تشكيل أطر سياسية لتكون “معارضة” تمثل الشعب وتعبر عن مطالب الثورة وتفاوض عنها وباسمها.. ولكن سرعان ما تبين النهج الفئوي الإستلحاقي الذي إتبعته تركيا في تشكيل كل هذه الأطر السياسية “للمعارضة” ابتداء من المجلس الوطني إلى الإئتلاف والحكومات المؤقتة ووفود التفاوض ؛ فكان الإختيار فقط على من يرتضون التبعية لتركيا؛ ويتم إستبعاد كل صوت حر أو رأي شجاع.. وهكذا حتى باتت كل مؤسسات “المعارضة” السياسية والتنظيمية والإغاثية بيد من تختارهم تركيا.. فكانوا بالتالي ممن يؤيدون توجهاتها التوسعية بإسم الخلافة الإسلامية ..وهكذا فرض “الأخوان المسلمون” طرفا وحيدا مهيمنا على إمكانيات تلك الأطر وأموالها .وبعضهم إغتنى بها شخصيا وفاحت روائح الفساد والسرقات ، إضافة إلى سيطرة العقلية الحزبية الفئوية المذهبية الضيقة المؤذية المنفرة..
وهكذا تم إفراغ كل تلك الأطر من أي مضمون وطني ثوري حقيقي وصارت غطاء لأهداف ومكاسب خاصة وفئوية لا تمت للشعب السوري بصلة..
وهكذا أيضا إكتملت هيمنة تركيا على ما كان يفترض أن يكون فصائل الثورة وقياداتها السياسية التمثيلية ..وتكامل دور الفصائل المسلحة مع دور الأطر التنظيمية السياسية لتتم سرقة ثورة الشعب السوري وحرفها عن مسارها وإفراغها من أي مضمون وطني تحرري ؛ لتترك القوى الشعبية الحرة مشتتة مستهدفة يتيمة بعد أن حرمت من كل دعم وتأييد وغطاء من أي نوع ومن أي كان لتصبح الثورة اليتيمة الأعظم في العالم كله..
6 – المقايضات السياسية والأمنية:
على مدار السنوات الأخيرة راحت تركيا تتفاوض مع كل من روسيا وإيران لتقاسم أراض سورية معينة بناء على تسويات غير معلنة .. أكدت هذا كل مفاوضات جرت بين هذه الدول في سوتشي أو آستانة أو أي مكان آخر ..في المعلن منها والمخفي أخطر وأعظم.. وما كان كثير من المعارك إلا غطاء لتنفيذ تلك التقاسمات وتوزيعات النفوذ تحت الغطاء الأمريكي الإستراتيجي العام المرسوم..وما كان تغاضي تركيا عن قصف الطيران الروسي وقوات النظام لكثير من المناطق إلا تأكيدا على هذا التوزيع..فكثير من القرى والمناطق تم تدمير وتهجير أهلها تحت مرأى ومسمع وسكوت تركيا..
7 – تركيا والأكراد:
لم تتحرك قوات تركية إلا عندما توسعت القوات الإنفصالية الكردية المدعومة أمريكيا ، وصارت على تماس عسكري مباشر مع الحدود التركية..فكان أن إقتحم الجيش التركي مناطق واسعة من شمال سورية المحاذي لحدودها وساهمت في وقف لإطلاق النيران الذي كان مطلبا شعبيا وإنسانيا ملحا جدا..ولا تزال متواجدة بقواتها العسكرية في هذا الشريط العريض الطويل من الأرض العربية في شمال سورية..وقد رحب السوريون بدخول القوات التركية آنذاك لأنها أوقفت حمامات الدم التي كانت تريقها القوات الروسية المعتدية بطائراتها المجرمة التي لم تكن ترحم ولا تستثني أحدا أو مؤسسة مدنية أو سكنا أو مدرسة أو مستشفى..كان العدوان الروسي من الإجرام والهمجية بما لا يترك أي مجال لأي تفكير سوى الترحيب بالدخول التركي ووقف نيران العدوان..
8 – تركيا في سوريا:
تتحدث الوقائع أن تركيا تتصرف وكأنها باقية في هذا الشريط من الأرض السورية العربية..فبدأت تفرض اللغة التركية للتعليم في المدارس وكذلك الليرة التركية في التعامل اليومي وإقامة الحواجز والمراكز العسكرية والأمنية وغير ذلك من مظاهر سعي نحو “تتريك” يبدو معدا له بعناية…فيما يستمر تسهيل تواجد وممارسات جبهة النصرة وفصائل ميليشيوية أخرى لا تزال تمارس دورها التخريبي في إغتيال الشرفاء وترويع الناس وفرض التسلط والقهر عليهم..
9 – وسط كل هذه الأحداث الدموية المأساوية يستمر النهج التركي في التعاطي الميداني على أساس الإنتماء المذهبي السني في إطار تطلعات توسعية واضحة أشارت إليها تصريحات رسمية كثيرة نظر بعضها إلى مدينة حلب وكأنها جزء من الدولة التركية.. فيما يتم تجنيس أعداد متزايدة من السوريين المقيمين في تركيا والضغط ومضايقة الناشطين الذين لا يبدون تجاوبا مع الرغبات التركية بالوصاية عليهم..وتقدم كل التسهيلات والرعاية لمن يقبل بها وتحديدا من “الإسلاميين” أصحاب نظرية الخلافة الموهومة وما هي إلا غطاء لإقتسام الأرض العربية وإعادة إحتلالها.
10 – خلاصة:
على أساس من تطلعاتها التوسعية العثمانية الإمبراطورية ؛ وعلى أساس إنتماء شعبها إلى المذهب السني ؛ تعمل تركيا على إستقطاب أكبر عدد من المسلمين السنة لتبني مطلب إقامة خلافة إسلامية عاصمتها إسطنبول ؛ تكون مركزا مسؤولا عن رعاية شؤون السنة في العالم في مقابل إيران مركز رعاية شؤون الشيعة في العالم فيما تشكل دولة الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة ؛ مركزا لرعاية شؤون يهود العالم ..وهكذا يتم إخلاء الأمة العربية من هويتها التاريخية القومية ليتم إقتسامها بين إمبراطوريات إقليمية ثلاثة : صهيونية ؛ تركية وفارسية..
وإنطلاقا من هذا النهج التركي يمكن فهم التعاطي التركي مع الثورة السورية إذ يسقط هذا التفكير العثماني فيما لو إنتصر الشعب السوري وأقام دولته الوطنية السيادية الحرة..
ولهذا كانت تركيا طرفا أساسيا في حرف الثورة وإستيعابها للقضاء عليها وتحقيق المكاسب الفئوية بالنيابة عنها وإستثمار ما قدمه الشعب السوري من تضحيات عظيمة لمكاسب إقليمية لها..
لا يعني هذا أبدا أن الدور التركي يتساوى مع ادوار أمريكا وروسيا وإيران التي مارست إعتداءات وحشية على الشعب السوري لم تقم بمثلها تركيا أبدا..
وختاما :
– هل كان توجه تركيا إسلاميا بتسهيل من الغرب الإستعماري لخدمة مشروعه التقسيمي للمنطقة العربية؟
– ألا يحرص أردوغان على علاقات ودية طيبة مع كل من أمريكا وروسيا والكيان الصهيوني وحتى مع إيران؟
– أليس ما تقوم به تركيا من أعمال ذات طابع مذهبي بحت في الأوساط السنية العربية ، ومن تأسيس لتكينات مذهبية إنغلاقية بعيدة عن أي مضمون عروبي ، يتكامل مع ما تقوم به إيران في الوسط الشيعي ؛ وهو ما يصب في مصلحة الرؤية الأمريكية – الصهيونية للبلاد العربية؟
– أليس تخلي الجماعات الموالية لتركيا عن هويتها العربية وولائها الوطني وتخصيص ولائها لتركيا قاعدة للخلافة الإسلامية ؛ إنما يتكامل مع أهداف الحروب التدميرية المعلنة والقائمة على الأمة العربية بأسرها؟
– أليس إمتداد الدور التركي إلى ليبيا ومناطق عربية أخرى – وبصرف النظر عن طبيعة القوى التي يواجهها فيها – إلا تأكيدا على هذا النزوع الإقليمي الإمبراطوري برعاية غربية وتشجيع أمريكي؟..
– أليس سلوك تركيا في سوريا يبين أنها تنوي ضم الأراضي السورية التي دخلتها مؤخرا لتضيفها إلى الأراضي الأخرى التي إقتطعتها في ١1923 ولواء الإسكندرون؟..
## إن السنة العرب بصفتهم الأغلبية التاريخية يشكلون لحمة الهوية العربية وأي سعي لتحويلهم إلى أقلية دينية منغلقة على ذاتها مذهبيا؛ إنما هو إستهداف للعروبة أولا وللهوية التاريخية الحضارية للأمة العربية، مقدمة لتقسيمها والإستيلاء عليها وإنهاء وجودها..وهو ما لن ينجح مهما كانت التضحيات وخيم عتم الظلام.العروبة توحيدية وحدوية موحدة.
======================



