مقالات

مــواطـنـــــة الــنــبـيــــــــذ..!

ناجي سعيد/ لبنان

خاص “المدارنت”..

 

“اللي تحت باطه مسلّة بتنعره”، ماذا لو كانت “المسلّة” قنينة نبيذ؟ هذا ليس مزاحًا ولا دعابةً، ولست أكتب لأسخر أو أستخفّ من أي أحد. وأقصد تمامًا بالـ”أي أحد”، طرفًا من مكوّنات وطني، الذي حين فتحت عيني وجدته بيئة حاضنة للتنوّع. ولكي يستمرّ هذا التنوّع ويعود بالنفع على الشعب والوطن، لا بُدّ أن  يتحصّن بقيمة أساسية لا مفرّ منها، وهي قيمة قبول الإختلاف، التي تُعتبر هي المُكمّل لمفهوم التنوّع، فيُحقّق إيجابيّة هذا التنوّع.

وهذه القيمة، تُشكّل رُكنًا من أركان النظام الديموقراطي، والذي فعلاً فاجأني في بداية تشكيل ثقافتي السياسية، حين قرأت عن ماهيّة الديموقراطية، وقارنتها بممارسة الديموقراطية، في وطن يعتمد النظام البرلماني الحرّ في دولة علمانية لا دينية. وبغضّ النظر عن الإيمان بالديموقراطيّة أو عدمه، وحتّى لو لم أتلقّى علومي الجامعيّة في قسم الفلسفة من كليّة الآداب في الجامعة اللبنانية، لو فكّرت ورغبت أن أكون (بعيد الشرّ عن قلبي) نائبًا في البرلمان، وتحت قيدٍ طائفيّ، لما تصرّفتُ إلاّ بما يعكس إيماني وانتمائي لوطني على الأقلّ بالظاهر.

أمّا بشكل مخفي وغير مُعلن، فأمارس سلوكيًّا وغير سلوكيًّا ما يُثبّت إنتمائي الخاص. فالدين مثلاً، مساحة خاصة، ومن الصعب جدًّا نشرها في خضمّ المساحة االعامة. ومُصطلح خضمّ  استخدمته هنا بشكل مقصود، فمن المتعارف عليه أنه ملصق بمصطلح معركة، “في خضمّ المعركة”.

نعم فإن أي موقف أو سلوك، أو رأي يُنشر في العالم الإفتراضي (وسائل التواصل الإجتماعي)، له تبعات وارتدادات إجتماعية بالشكل وغير اجتماعية بالمعنى. فمصطلح اجتماعي يحمل أبعادًا نوعيّة غير كمّية. لكن في لبنان من يجمع عدد أصدقاء كبير على الفايسبوك، يحصل على صفة إجتماعي للأسف، لكنه لا يحاول الخروج من القوقعة الفردية التي يسجن نفسه فيها ليأنس بها منطقة أمان (comfort zone). وهذا ما يجبرني أن أشير إلى أن عدد أصدقائي الذي جاور الـ4000 صديق، قبلت صداقتهم بعد معرفة حقيقية بهم.

في عودة لمسار المقال، فالحدث هو زيارة مُغلّفة بالدعم لدولة لبنان، من قبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، دعاه الرئيس اللبناني المدعوم بشكل جزئي في لبنان، وحتى لو يفرض بروتوكول الزيارات الرسمية ألّا تُقدّم المشروبات الكحوليّة، فقد اعنقد الرئيس اللبناني أن النبيذ وهو مشروب تقليدي في فرنسا، (حيث تعتبر فرنسا من أولى الدول المُصنّعة للنبيذ)، بأن تقديم النبيذ هو نوعٌ من التكريم للرئيس الفرنسي، ولم ينتبه إلى أن النبيذ “مُحرّم” دينيًّا لدى بعض مكوّنات الوطن اللبناني “الطائفي”! فهل يعقُل أن يكون رئيس دولة تأسّست على التنوّع الطائفي، ألّا يُدرك بأن أي طائفة ليس بمقدورها تقبّل الإختلاف من طائفة شريكة في الوطن؟ وهل التنوع الذي أتحدّث عنه ينزع عنّي صفة التقوقع في طائفتي؟ (هذا لو كنت طائفيًا لا سمحَ الله)، أوليس من أسس الإلتزام بالطائفة أن اتبع تعاليم مراجعها الشرعية؟.

وقد قال الشيخ محمّد مهدي شمس الدين في إحدى وصاياه للطائفة الشيعيّة: “أوصي أبنائي إخواني الشيعة الإمامية في كل وطن من أوطانهم، وفي كل مجتمع من مجتمعاتهم، أن يدمجوا أنفسهم في أقوامهم وفي مجتمعاتهم وفي أوطانهم، وأن لا يميزوا أنفسهم بأي تميز خاص، وان لا يخترعوا لأنفسهم مشروعاً خاصاً يميزهم عن غيرهم، لأن المبدأ الأساس في الإسلام ـ وهو المبدأ الذي أقره أهل البيت المعصومون عليهم السلام ـ هو وحدة الأمة، التي تلازم وحدة المصلحة، ووحدة الأمة تقتضي الاندماج وعدم التمايز”.

وقد أكّد السيد موسى الصدر من قَبل على نبذ لغة الحقد وتعزيز التعايش والحوار داخل الإسلام؟ ومن الواضح بأن المرجعين الكبيرين الذين ذكرتهما، قدّما مفهوم المواطنة للعيش والإندماج في الوطن على مفهوم الطائفة، لحمايتها من أن تكون عامل تقسيمي في وطن التنوّع. ليس الموضوع تقديم تضحية، فأنا أكره التضحية، لأنها تمنعني عن التفكير بعقلانيّة وترتيب الأولويات. والترتيب لا يعني إلغاء قضيّة أو موضوع قد يعنيني طبعًا.

إن تنوّع مواضيع الإهتمام يُفضي قطعًا إلى تنوّع أجزاء مكوّنة للهويّة الفردية، وبالتالي، تكتسب مرونة إندماجها مع الهويّة الجماعية، فتظهر صورة جليّة لوطن النجوم أو التنوّع – “أنا هنا” – من دون أن أنسحب بحجّج مغلّفة بانشغالات أخرى. فأخفي حرجي من شراكتي مع “مختلف” في وطن واحد. أتمنّى من أي مختلف أن يبرع في تقديم إختلافه على طبقٍ من إنسانية لاعنفيّة، لنضمن أن لا “تنعر المسلّة” أي أحد.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى