خمسون عاماً على الغياب.. “الجزء 3/1″…

“المدارنت”..
في راهن حالنا
قبل خمسين عاما من الآن في 28 سبتمبر 1970 غاب جمال عبد الناصر، انتقل من عالمنا هذا إلى جوار ربه، انتقل فيما كنا جميعا ننتظر أن يستكمل المشوار، ويطوي صفحة نكسة حزيران، ويستعيد الحركة، حركة الثورة وحركة الأمة في اتجاه بناء مشروعه ومشروع أمته في النهوض والوحدة والتقدم.
لم يخطر على بال أحد في ذلك اليوم أو في أجواء ذلك اليوم، أن غياب الرجل يعني غياب مشروعه، وأن نهضة الأمة وحضورها وألقها قد توقف مع توقف حياته، وأن الهزيمة الحقيقية للأمة بدأت من ذلك اليوم، رغم أنها لم تكشف عن وجهها إلا تباعا.
كانت حركة الردة بحاجة ألى أحداث كبيرة حتى تستطيع أن تحقق ما تريد وأن تغير اتجاه الحركة والفعل، وجاءت الأحداث تباعا:
كان الحدث الأول تفرد أنور السادات بالسلطة عقب انقلاب 14 / 15 مايو 1971، وكان الحدث الثاني حرب أكتوبر 1973، وكان الحدث الثالث تسليم الراية وأوراق القضية كلها إلى الولايات المتحدة، وصولا إلى كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية الاسرائيلية، وترافق مع هذه المحطات وتبعها الكثير.
انقلاب حقيقي على ثورة 23 يوليو 1952، هو أطول انقلاب يحدث في تاريخ أي ثورة، احتاج إلى نحو سبع سنوات حتى يفصح عن كامل وجهه، لكنه اتجاهه ومنذ اللحظة الأولى كان محددا، وللبصير كان واضحا.
مصر درة الوطن العربي، وقاطرته الرئيسية، البلد الأكبر والأعرق، والمجتمع الأكثر تماسكا وحيوية، والدولة الأكثر رسوخا، والأغنى تنوعا وعطاء وثراء، والساحة الرئيسية للتجربة الناصرية، كانت هي المستهدف الأول والأهم في حركة الردة، لأنها كانت هي المستهدف الرئيسي في تجربة الثورة والنهوض الناصرية، كان لا بد من تفريغ مصر من كل خصائص القوة فيها، وكان تقدير من خطط وعمل لهذه الردة أنه بعد مصر ستتهاوى الحصون تباعا، وسيخسر العرب وطنا وشعبا وتجارب كل ما حققوه في عصرهم الحديث.
كان لا بد من تفكيك القطاع العام الذي كان عنوان الثورة وأحد أهم مظاهرها، وكان لا بد من تفكيك القوى الاجتماعية، أو التحالف الاجتماعي الذي أقامته الثورة والذي بُني حول مفهوم “العمل وقيمة العمل” ومثله اجتماعيا “تحالف قوى الشعب العامل”، ومثلته حركيا تنظيمات هذا التحالف السياسية والشعبية والشبابية، وكان هذا كله المجسد لمعنى “الوحدة الوطنية” القادرة على تحمل أعباء ومسؤولية النهضة، والقادرة على صوغ “مواطنة حقيقية”، وقد استخدمت لتحقيق هذا الغرض قوى من اليمين واليسار ومما يسمى بالتيار السياسي الاسلامي، واعتبر هؤلاء جميعا أن ما يقومون به مهمة مقدسة، استبسلوا في انجازها، وأن نتاجها نصرا لهم ولتياراتهم، وتوجهاتهم وأهدافهم.
كان لا بد من التخلص من الجيش المصري المحتشد في ساحة المعركة خلف شعار إزالة آثار العدوان، والذي اجتمع الشعب المصري والأمة العربية كلها معه وفيه وخلفه. كان المطلوب التخلص من هذا الاحتشاد، وأيضا التخلص من عقيدة هذا الجيش التي بنيت على أساس أن العدو الرئيسي المهدد للأمن الوطني والقومي هو الكيان الصهيوني بقضه وقضيضه، وقوى الاستعمار الغربية وسياساتها وتتقدمهم الولايات المتحدة، وجاءت حرب اكتوبر ـ التي كان من المفترض أن تكون مدخلا للتحريرـ لتصبح المدخل لهذا التحول النقيض.
كان لابد من التخلص من مفهوم استقلالية الإرادة الوطنية، واستقلالية القرار الوطني، واستقلالية الخيار السياسي، وكما احتاج هذا إلى إفراغ الداخل الوطني من القوى المعبرة عن هذا التوجه، احتاج أيضا إلى تغيير السياسات الدولية لتنتقل مصر من قيادة حركة عدم الانحياز، وحركة التحرر الوطني، لتصبح تابعة لمجموعة التحالف الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة، ولتنفذ سياساته من إفريقيا إلى أفغانستان.
وقد حققت الردة التي انطلقت من مصر كل مفاعليها وألقت بظلالها على الوطن العربي كله، وعلى المجتمعات العربية كلها، وبات كل شيء في وطننا مهدد، وحدته الجغرافية، ووحدة كل قطر من أقطاره، تماسكه الوطني مهدد، بنيته الاجتماعية مهددة، وبات العداء بين مكوناته يكاد يفوق كل عداء آخر.
لم يعد الانتماء الوطني، أو القومي، أو الديني، أو الانساني، جامعا للنظم العربية. صار التحالف مع العدو عند بعضها أسهل وأيسر وأقوى وأدعى من التحالف فيما بينها.
كانت فلسطين والقضية الفلسطينية تجمع المنظومة العربية، فصارت الدعوة للاجتماع حول “اسرائيل” هي الدعوة الجامعة باعتبارها أحسن الخيارات وأكثرها جدوى.
تم تدمير العراق واحتلاله، وتدمير سوريا ووضعت على حافة التقسيم، وتدمير ليبيا، واليمن، وتجزئة السودان، والعمل جار بجد وتصميم من أجل تجزئة دول المغرب العربي، وصولا إلى تجزئة وتقسيم مصر نفسها.
وعين اسرائيل التي كانت تتطلع إلى أجزاء من الضفة التي احتلها بالعدوان، وقد ضمت إليها الجولان السورية المحتلة، كما ضمت القدس المحتلة، باتت تتطلع إلى المساحة من الفرات الى النيل ، وتتطلع إلى أجزاء من الجزيرة العربية، وليس غريبا أن يصل طموحها إلى المدينة المنورة مدينة رسول الله، وهي تتطلع الآن إلى انجاز مهمة إقامة كيان كردي في سوريا مشابهة وظيفيا للكيان الصهيوني، ويكون مدخلا لتفكيك تركيا والعراق، وتلقى في هذا المسعى دعما من نظم عربية عدة. وهي تتحول الآن وبفعل اتفاقات التطبيع الجديدة إلى ضامن أمني لعدد من النظم العربية، ضامن يحل تدريجيا محل الولايات المتحدة. في نطاق حلف أمني يجري تصنيعه، ويلعب فيه هذا الكيان وبتفويض مباشر من الولايات المتحدة الدور الرئيس القائد.
ولأن الردة شاملة فقد كان طبيعيا أن لا تقتصر على الوضع الجيوسياسي، أو على البنية واللحمة الوطنية، وكان طبيعيا أن تمتد إلى البناء الروحي والقيمي والفكري لهذه الأمة، وهنا برزت جليا الدعوات الطائفية التي تحولت إلى سياسات معتمدة، في الكثير من الأقطار والمجتمعات العربية، واستخدمت لتمريرها سياسات من الاستبداد والقتل والاستهتار بالدم الوطني قد لا يكون لها مثيل في هذا العصر، ومعها برزت عمليات الهدم والتشكيك بثوابت الأمة العقدية والحضارية، بدءا من التشكيك في كتاب الله وسنة نبيه، وصولا إلى القدح والتشكيك بأعلام الأمة وقادتها من عصر صحابة رسول الله إلى عصرنا الحديث.
وبات يطل علينا ما يمكن اعتباره دينا جديدا، أو تفسيرا جديدا لدين الله، يُخرَج منه، ويحيد عنه، كل مفاهيم الجهاد والقتال في سبيل الله والحق والوطن، وكل آيات القوة والمنعة والدفاع، وتُنحى عنه كل آيات العزة والكرامة والعدل، ويُجرد من كل الشرائع التي تصون شرف الإنسان وعرضه، وتحفظ الأسرة المجتمع، وتأمر بالأخوة الإسلامية وموجباتها.
ويعرض هذا الدين أمامنا باعتباره “دين السلام والمحبة والتسامح”، وهو هكذا حقا حين نحفظ له جناحه الآخر بكونه دين الجهاد والعزة والقوة ومكافحة الظلم والذود عن الوطن والحق، وهو بدون هذا الجناح لا يعود دين الله، ولا يعود الإسلام الذي أرسله الله إلى الناس كافة.
هذا هو خط الردة الآن، الردة التي بدأت برحيل جمال عبد الناصر قبل خمسين عاما، وما زالت مستمرة، وإذا نظرنا إلى المنحنى العام لها، فلنا أن نتوقع أن القادم سيكون أفدح واقسى على المستويات كلها: الأرض، والناس، والثقافة، والعقيدة.
وما يمكن أن نعتبره الآن مجرد إشارات توفرت على هذا التحول ـ وقد يجادلنا البعض في تفسيرها ـ ، سنجدها لاحقا واضحة وضوحا لا يقبل أي جدال.
قبل خمسين عاما كنا نظن أننا سنطاول النجوم، وأن يوم وحدتنا قريب، حتى أن رجال فكر ونظر ـ من غير العرب ـ وضعوا لتحقق هذه الوحدة زمنا لا تتجاوز السنوات، كنا نسابق كوريا الجنوبية كثيرا، ونسابق مسيرة الهند، ومسيرة الصين. وكنا نشارك في قيادة العالم، ونقدم نموذجا في السياسة الدولية يقوم على العدل والتقدم ومقاومة الظلم والعنصرية.
والآن وبعد خمسين سنة قادتنا فيها القوى نفسها التي كانت تقاوم وتحارب وتواجه تجربة النهوض والتقدم تلك التي قادها ودعا إليها جمال عبد الناصر، أصبحنا على ما نحن عليه، تخلفا، وتفرقا، وضعة، ومستقبلا لا يكاد يرى.
لا أدري إذا كان هناك من يقول أننا الآن نحن في حال أفضل مما كنا عليه قبل خمسين عاما، أو في حال يدانيه، أو ينتمي إلى المنحى الذي كنا عليه.
“ونحن” ـ ضمير الرفع المنفصل هذا ـ يشمل الأمة كلها، على اختلاف انتماءاتها الطبقية أو الفكرية أو العقدية، وعلى اختلاف أقاليمها وهموم هذه الأقاليم. وأستثني من هذه الأمة أولئك الذين يعيشون فيها وهم ليسوا منها، لأنهم لا يرون أنها أمة، ولا يرون أنهم ينتمون إليها.
راهننا جد محبط، لكن هل نستطيع أن نبني تصورأ ومخرجا مما نحن فيه؟.



