حكاية لا تسأل عن خاتمة.. (وشوشات).. الحلقة “3”

خاص “المدارنت”..
يتابع موقع “المدارنت”، نشر رواية الزميلة الكاتبة الروائية رولا عبد الله: “حكاية لا تسأل عن خاتمة.. (وشوشات).. واليوم ننشر الحلقة “2”.
في سباق الغيمة هذا الصباح، لا أنا فزت، ولا هي أمطرت
… كلانا خذلنا الوقت، صفرا بالتساوي. وكمن يحاذر، أو يهادن، رجوت الغيمة أن اصمدي في آخر الأفق، ما زلت أبحث عنها بين ظلالك والصخور، أتقنها غواية أرسم ملامحها في مقلة الأرض وفي حدقة الحكاية، كصنّارة خارج العُرف الشتوي تقضم سمكة شاردة وطعماً اسبانيوليا، كخيط يغمز وصوت يعلو: لربما هي هناك عالقة في الضوء الغريق، يمناها في وجه السماء ووجهها عكس الريح مأسورا بصنارة وبغمازتين وبعقدة بين الحاجبين، لكنّها لم تكن هناك.
وأجول في انعكاس الظلال على الرمال، وفي وشوشة تطفو على صفحة الماء، وفي طالع قوافل العابرين، وفي وصايا الطير، وفي هدير الأعماق، وفي انكسار الصوت على قارعة الصخر، وفي انتظار الموج، وفي هديل حياة ينسحب من شاهق العمر إلى رمال الشاطئ إلى امرأة تشبهها، قد تكون هي، لكن ما من مؤكد.
وأبحث عنها في عرض البحر الملوّن، تبتسم للسفن المقبلة من البعيد. تغرف كومة شوق تنثرها فوق الأزرق المسحور بفعل جنيّة الماء. تحرك خيوط الشمس، تشقلبها، تجدلها ومثل طائرة من ورق تتعقب انسحابها من خط الرؤية رويدا رويدا إلى حيث الريح والسفن تأخذها، وتحط بها في غير ميناء وفي غير أرض .
وبقلب مشتاق أسرح على الرمال الحافية بحثا عن خطى، قد تكون خطاها، وعن جزء من عمر خبّأناه عن عيون البحر ومرآة اليابسة، وكحّلناه بمناطق موسومة بعبارة: “سري للغاية”. و”كانتونات” محسوبة علينا مدموغة بـ”قلب أحمر ” وبحر مالح، ويابسة ليست أقل ملوحة، وظلال بقينا نلاحقها كأنها قدرنا المحتوم، والسمكة ما زالت تخفق بالفرصة الأخيرة، وظلها ما زال بعيدا، وظل الغيمة يبهت، وظلي يلحق بي وبها، ويلهث.
12-
أسمّيك الغريب، ولست بغريب. أقابلك بكثيرين أعرفهم، ولا أعرفهم. أتحدث إليهم، ولا أفهمهم. أعيش بينهم، وأزداد جهلا بهم. أقابلهم بك، فإذا بي أسمع كلماتك قبل أن تنطق بها. أضحك لمزاحك قبل أن تتفوه به. أقتنع برأيك قبل أن تشرحه، ولا أصدق بأن وجهك غريب عني، مزاجك، عفويتك، صوتك، أسلوب عيشك، ضحكاتك، روحاتك، جيئاتك، اهتماماتك، تدرج ألوان اللوحات، موضوعاتك المختارة، الريشة في يدك، قلم الفحم، لفافة السجائر، عطرك، حتى طريقة جلوسك على الكرسي الخشبي الصغير… كلها أعرفها، فأي غريب تكون في حياتي أنت المسكون بي منذ أيام ثلاثةٍ وآلافِ السنين.
وأنت الغامض، وأوافقني الرأي. تتحكم بي بالطريقة التي تشاء. تأخذني إلى أماكنك. تحط بي في شارع، على قافية لوحة، على ناصية شارع. تناور بين الجسور، تنزل بي في الدهاليز، ومعا نتسلق المرتفعات، نجول في ثنايا القلاع، في المحطات الهاربة، في أزمنة غابرة، في مدن مندثرة، في بلدان عامرة. تهديني وردة، وترشقني بالحصى الملون، بالياقوت، بالعنبر، بالمسك وبحبوب القهوة والمطيبات. وبين المشوار والمشوار، بين اليقظة والحلم، يفوتني السؤال: ما اسمك يا أنت؟
ولا تهم الأسماء، نحن اللذان تعارفنا بروحينا، بالأفكار، والأحاسيس، والمشاعر. لا تهم الحواس، نحن اللذان نتواصل بالروح، بشحنات تأخذنا وتردنا وتحكي وتثرثر وتفرح وتحزن وتزرع المودة بيننا.
متآلفان، وما تهم الأسماء، في رحلة البحث عن توأم ويقظة، عن ذلك الشعور العارم بالانسجام من أول طرفة عين، إلى أول رفة قلب، إلى لمسة اليد وتلك الذبذبات التي تترك خدرا في الجسد كلما تخطر في البال، تدنو أو تباعد في المسير. فأن يكون اسمك، غريب، قريب، بعيد، أو حبيب … ليس في الأمر غرابة أو عدم مطابقة.
13-
خذيني إلى بحر أفكارك أغرف كومة موج أعبئها لأوقات سلوتي، و بين الموجة والموجة أبحث عن همس باسمي، ضوضاء في سهل، جملة ناقصة بانتظار أن نملأها معا، أبواب نفتحها لتأتي الريح وتدحرجنا في جدول، وإلى شوارع مهجورة وطأناها معا لأول مرة…
وأفتش من ضفة لأخرى عن شمس اقترضها وأتسلل مثل الضوء يدخل من العيون ومن الشفاه ومن رؤوس الأصابع إليك، أسأل: يا حب، يا حب، يا حب كم موجة تسلقت من حيث بدأ طرقك على باب القلب موعدا بعد الموعد، كم أثقال رميت في الموج فاستحى البحر وخفر، كم لهثت خلفك وما نلت أكثر من غرف الموج أواسيه ويلاطمني، كم غنيت في الريح لك وله ولثقاب الليل أشعله ويضيئك .
… ويا حب كيف الموج يكون صاخبا، مفترسا، ثم إنه من فورانه ينزل بلا أضداد، يردنا للشاطئ في صفعة منه ويكمل ومن حيث لا ندري يغرفنا، بين البحارة يرمينا و يذر ملحه في العين مرة وعلى ألواح الموج المتكسر مرات. وبنا يغتبط عيش المغامرة، أعمى يمرح في مرج البحر ويشق مروجنا ويعبر على صراخنا: مجنون أنت يا حب يا بحر يا موج يا نداء يا هتاف يا نشيد البجع المهاجر الممتد إلى آخر خيط في الأفق، مجنون أنت يا صوتي السارح على رصيف السفن في عبور الفصول، حيّنا بورقة خضراء وحيّنا بورقة صفراء وحيّنا بلا ورقة وبلا حفيف عاريا مثل الأشجار في احتضارها حياة ثانية، حياة أحلى، أشهى، وأصفى … وأصافح الحياة.
والحياة أنت في الليالي الباردة، في طلوع فجر ينتظر أصابع تدندن على أصابع وتسأل عن أصابع وتعض على الوقت وتعد …
صباح النداء إليك أسمعه شقياً يغرد مثل بلبل، حسون، كناري، أبو الليل، ومن ريشه يصنع مروحة بألوان طاووس مختال يشبهك، حين تستيقظين، حين تتمطين، حين تحدّقين النظر في أصابعك، حين تختالين بصباحك وتلتفين حوله وتسرقينه من المرآة إليك، ويطلع أحلى لأنك الأحلى.
14-
بين خطوط كفك وعروقي حكاية فضول تتشابك فيها النظرات بالأنفاس المحبوسة، كأنها في عناق، منداة بفيض الأمس، مجبولة بارتباك الذاكرة وبوح جسدين يدندنان للقمر الذي تخفى خلف غيمة، ثم إنه تكوّر من البعيد مسترقا السمع لأنشودة:”أنا الكاهنة، حاملة سلة البخور أنشد ترنيمتك السعيدة، لكنني الآن لم أعد أسكن المعبد المقدس الذي شيدته يداك، أتى النهار وجلدتني الشمس، وأتى ظل الليل وأغرقتني الليل الجنوبية، صوتي الرخيم الحلو كالعسل صار نشازا، وكل ما أعطاني المتعة تحول إلى غبار، آه، أيتها الملكة التي ابتكرت النواح، مركب النواح سيرسو في أرض معادية، وهناك سأموت، أنشد الأغنية المقدسة*.
كانت تلك أنشودتي المفضلة، الأنشودة نفسها التي شدتك إلى أوتار قيثارتي، في ذلك الكرنفال الذي أنبت براعم بيننا، معقودا بوتر اللعبة التي كان عليها أن تبدأ من جديد، تدون في حاضرنا منمنمات وقارات ومحيطات وطرقات برية تتبع أنهارا وطرقات حادة وصعبة تتبع صحارى، ومن التاريخ نعيد تشكيل احتفالية مفقودة بقرابين وبخور ومراسم نصوغها في لقاء، لا وداع.
أعجبتك الأنشودة، فانشغلت بالرسم. رويدا، رويدا، تظهرت ملامح الأنثى في اللوحة. ملامحي، قيثارتي، شعري المعقوص بقلم، وأصابعي التي تجمدت على خامة القماش الأبيض. واستأذنتك، أن حرر أصابعي. وافقت، واشترطت أن أكمل العزف، وأن يفرج القمر عما تبقى من الأنشودة: “أنا في البرية وقد انتهيت من اقتلاع الأشواك، والآن سأزرع كرمة عنب. وقد غمرت النار المستعرة في داخلي بالماء. فأحبني كما تحب حملانك الصغيرة، واعتن بي كما تعتني بقطيع ماشيتك، وابحث عني إلى أن تجدني”*.
ثم إن اللوحة تظهّرت أكثر، دخلت في مراحل الولادة الأخيرة. وكنت أنتظرُ البصمةَ، إمضاءَك. الإمضاء الذي اخترت أن تغيبه، أن يبقى مجهولا كالخاتم الذي في يدي. خاتم نحاسي أسقطته هو الآخر من لوحتك، ومن وزر السؤال: ما الرابط بين مفقودين؟
* أنخيدوانا هي أول شاعرة وكاتبة في التاريخ، ولدت في بلاد الرافدين، واشتهرت بالعديد من الأشعار الأدبية التي كتبتها عن الإلهة إنانا والآلهة السومرية. شغلت منصب كبيرة الكهنة أثناء حكم أبيها الملك السومري سرجون الأول، وقد عرف عنها الذكاء الشديد وكان لها دور سياسي كبير.
15-
أغمض عيني لأبصرك، وأشبك أصابعي بالأخرى لأتحسس أصابعك، وأمرّغ أنفي بقلب الوردة لأتبين عبيرك، وأعانق قيثارتك لتعانقني الأنغام وتلتف حول خصرك مثل شال بلون حياة وردية، مثل قصيدة تطوقني من الألف إلى الياء بشطريك وتضمني، مثل وجهك المحتفي بحيائه وفرحي، مثل القدر يدخل من الفجوات السرية في الليل إلينا، مثلك أنت طالعة من صرة التاريخ إلى اتحادي بك حاسة بعد حاسة ونفساً يدوزنه النفس وأقول أعشق انتظاراتي دقائق دقائق، وحيناً تأتين وحيناً لا أثر ولا غبار .
وإذ تحضرين أقص عليك تاريخا مشدوها بك، من حافة قميصك إلى حافة العين في استراقها رموشك وأهدابك وجبينك وذلك الجزء العلوي الذي لا ينافسه من الوجه إلا نصفه الآخر، وأعاتب ممالك الذاكرة المعلقة كقنديل على جدران القلب كيف أنها تأخذني إليك ولا تردني، وكيف تسلك قوافل العمر مثل الريح وتتركني خلف السياج، وكيف تنساني في انتظارك أصنع من وحدتي خربشاتِ العمر ورسوما تشبهك، وكيف تجردني من قبضتك ولا أعود أعرف أي الطرقات تقودني اليك، وأيها الأقرب، وأيّها التي تعصف بي مثل نوبة جنون، نوبة عشق، نوبة اشتياق، وأكون سعيدا لأنك في المشهد الآتي.
وفيما أصغي لأمسياتنا التي تلمع في السماء، أرفع يدك وأستمهل ذلك الانحدار القاسي من أعلى السفح إلى وادي أعماقك مثل صبي تتدحرج شقاوته يمينا ويسارا. أركض خلف ضحكاتك وأنت تتغاوين وتجثمين في آخر اللعبة مقطوعة الأنفاس. وأشتاق للعب على قدم واحدة وتأتين لنكمل الهمس خلف الجدار، وأشتاق لعينيك تترصدانني أعدو في البساتين، وأعرف كيف أخرق قوانين اللعب لأجلك، بأعراف لا تعنيني إلا في شكلك ومضمونك، بصوتك يختبر متعة الصراخ في الصخور، بالصدى يرجع منهك الأنفاس متقطعا مثل جيش مدحور، باعتراف في ممر في غابة أحمله على كتفي كيسا، زوادة، إكسيراً وأسير أمسح آثارنا وأغمض عيني وأسأل :هل كنا معاً؟ هل كنتَ معي؟ أفي الفصل الخامس أم السادس أم السابع أم ما قبل الأخير من الذاكرة؟ وأي ذاكرة؟ لأغمض عيني مجددا وأعيد التذكّر …
“يُتبع”
======================



