مقالات

العرب في بوليفيا/ خوان لاشين (حنا شاهين) الجزيني..الحلقة “2”..

عبد الناصر طه/ فنزويلا

خاص “المدارنت”..

     الأسطورة

عام 1951، قاد “لاشين”، تحالفاً سياسيا ضمّ بعض ضباط الجيش الناقمين على السلطة، وحزب العمال الثوري (POR)، وحزب الحركة الوطنية الثورية (MNR)، مع الفدرالية العمالية التي يرأسها ويقودها، في انتخابات رئاسية فازوا فيها. ولكن فرحتهم بالفوز لم تكتمل، حيث انقلب عليهم الجيش بقيادة الجنرال “هوغو باييفيان”، الذي عينه المجلس العسكري رئيسا للبلاد.

آنذاك، اضطر التحالف الرباعي الذي قاده “لاشين”، إلى مواجهة الإنقلابيين بقوة السلاح في شتى المحافظات وهزمهم هزيمة نكراء، ثم أخذ قرارا بحل الجيش النظامي والميليشيات المتعاونة معه.

خوان لاشين

وتم الإتفاق بين القادة الأربعة لما سُمي آنذاك: الحركة القومية الثورية وثورة 1952، على تناوب رئاسة الدولة، أربع سنوات لكل منهم، بدءا من “فيكتور باز استنسورّو”، يليه “هرنان سيلس سوازو “، ويليه “خوان لاشين ” للفترة الرئاسية الثالثة، ويليه “والتر جيفارا آرسي”.

وخلال الفترة الرئاسية الأولى، شغل “لاشين”، وزارة المناجم والبترول، وأنشأ خلال توليها نقابة عمال بوليفيا (COB)، التي تعتبر حتى اليوم أهم نقابة مركزية في الدولة، ومن رَحِمِها ولدت “الحركة من أجل الاشتراكية ” (MAS)، التي تحكم البلاد منذ حوالي 20 عاما.

كما شغل سفير بلاده في ايطاليا ولبنان، في فترة رئاسة “هرنان سيلس”، بعد رفضه الإستمرار في منصب نائب رئيس البلاد.

وعندما حان موعد توليه رئاسة الدولة، في الفترة الرئاسية الثالثة (1960-1964)، تدخلت وزارة الخارجية الأميركية ضده، رافضة وصوله إلى سدة الحكم. وحسب رواية الكاتب الأميركي هربرت كلين: (إن سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في بوليفيا، كانت تعتقد أنه من الجائز عزل “لاشين” أو قتله، لأن واشنطن لا تستطيع أن تتحمل الجمع بين رئاسة إتحاد نقابات عمال بوليفيا ورئاسة الدولة في يد شخص، يعتبر العدو الأول لأميركا في بوليفيا”.

وهنا وقع الإنقسام بين حلفاء الأمس، بعدما استطاع الأمريكان استمالة بعضهم واستعداء آخرين، وفرط عقد الحركة الثورية، فأنشأ “لاشين”: (الحزب الثوري اليساري الوطني)، بعدما سيطر رفيقه الرئيس “فيكتور باز” على الثورة، وانقلب على حلفائه السابقين مدعوما من الولايات المتحدة الأمريكية، وفاز بدورة رئاسية جديدة.

طبقت الثورة في بدايتها إصلاحات عميقة، وأصدرت قانون انتخاب منح حق التصويت لكل مواطن بلغ 21 عاما، بعدما كان مقتصرا على المتعلمين الذكور، وأصدرت قانون الإصلاح الزراعي الذي ساهم في إنشاء التعاونيات الزراعية، وإلغاء نظام الإقطاع الموروث عن مرحلة الاستعمار، وأصدرت قانون تأميم المناجم، وذلك وفر للدولة الاستفادة والتحكم في 70 بالمئة من مصادر الثروة؛ ناهيك عن إلزامية التعليم الابتدائي، ووضع برنامج محو الأمية موضع التنفيذ.

وبعد ثلاثة شهور من بداية ولايته الثالثة (1964-1968)، تعرض “فكتور باز” لانقلاب عسكري قاده نائبه الجنرال “رينيه بارينتوس”، مدعوما من “لاشين” وبعض رفاقه القدامى، بعدما اتهموا الرئيس “باز” بالفساد والخروج على مبادىء الثورة.

وكانت مفاجأة الرئيس الجديد، أنه على علاقة وطيدة بالمخابرات الأميركية، وأظهر عداوة مبكرة لنقابات العمال، واغتال العديد من قادتها بأساليب متوحشة، حتى أنه شدد الحصار على “لاشين”، وأمر بنفيه إلى خارج البلاد.

تشي غيفارا

وتعرضت بوليفيا إلى هزات سياسية وأمنية في عهد الجنرال “بارينتوس”، شكلت دافعا قويا لسلسلة من الإنقلابات العسكرية، تميز معظمها بالعنف والقتل من دون رحمة، ولا شك أن أعنفها كان في دخول القائد الشيوعي الأممي “تشي غيفارا” إلى الاراضي البوليفية، بغية القضاء على الحكم العسكري الدكتاتوري، وفشل تلك المحاولة، ثم القضاء على قياداتها وإعدام “غيفارا”، الذي صار منذ ذلك الحين أيقونة الثورات الشعبية في العالم.

وكان النفي من البلاد من نصيب “لاشين” بعد كل انقلاب، ليعود بعد العفو الى سيرته السابقة في تنظيم القاعدة العمالية، وتجهيزها للمواجهة القادمة، داعيا إلى اعتماد الكفاح المسلح، وسيلة وحيدة لإسقاط النظام الدكتاتوري، وإزاحة الانقلابيين.

وبعد عودته من منفاه عام 1969، قاد المؤتمر الرابع للمركزية العمالية البوليفية، في مواجهة الحاكم العسكري الجديد، الجنرال “أوفندو”، عبر إضراب عام شلّ مرافق الدولة، واستطاع من خلاله الحصول على مطالب، كان من أهمها صدور عفو حكومي عن رفاقه السجناء، ومنهم رفاق “غيفارا”، وفي طليعتهم الفيلسوف الفرنسي المعروف “راغيس دبراي”.

الجنرال رينيه بارينتوس

ولعل أقسى وأخطر المراحل في مسيرة العمل النقابي، كانت في عهد الدكتاتورية العسكرية (1971/ 1978)، إبان حكم الجنرال “هوغو بانزر سواريس”.

وتتوالى الإنقلابات العسكرية، ويتعرض “لاشين” للنفي بعد كل انقلاب؛ ولا يلبث أن يعود إلى ساحات النضال في قيادة الحركة العمالية، ساعيا في محاولات يائسة للوصول إلى رئاسة بوليفيا، جراء رفض أميركي قاطع، وتحالف رفاق الأمس ضده، لتكون محاولته الأخيرة عام 1985، في مواجهة “فكتور باز”، الذي تقلد رئاسة الدولة لفترة رابعة، مدعوما من الولايات المتحدة الأمريكية والمؤسسة العسكرية وأحزاب اليمين!

آنذاك، اعتزل “خوان لاشين” العمل السياسي والعمل النقابي، مودعا نصف قرن من نضالات البروليتاريا، في مواجهة بارونات القصدير والمال والسلطة، بعدما استطاع (أن يحافظ على الإستقلال الطبقي لاتحاد عمال المناجم البوليفي وحمايته من أوزار السلطة)، حسب رأي الكاتبة البوليفية “ماريانا فاسكيس”.

توفي خوان لاشين عام 2001، عن عمر ناهز 87 عاما، في العاصمة البوليفية (لا باز )؛ تاركاً بصمات لا تمحى في تاريخ بوليفيا الحديث.

=========================
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى