مقالات

نـحــن وتــركـيــا.. “3/2″…

د. عبد الناصر سكرية/ لبنان

خاص “المدارنت”..

بين المذهبية والصوفية

لعله من المفيد في هذا السياق الإستعراضي لسياسة تركيا الخارجية تجاة المنطقة العربية، وقبل الدخول في عرض ملامح تلك السياسة “العربية” لتركية؛ ملاحظة عدة أمور ذات صلة ودلالة، من شأنها المساعدة في فهم الدور التركي وتطلعاته في بلاد العرب:

1 – إن الغالبية الساحقة من شعب تركيا مسلم على المذهب السني الحنفي، وقد كانت السلطنة العثمانية قد إختارته ليكون المذهب الرسمي للدولة، ولسوف تستخدم السلطة التركية الجديدة هذا الإنتماء المذهبي لاحقا، ليكون جسر عبور إلى توسع في النفوذ والدور إقليميا في عموم المنطقة العربية ذات الغالبية السنية أيضا.

2 – ثورة إيران

كانت إنتفاضة الشعوب الإيرانية ضد نظام الشاه قد بلغت ذروتها في أواخر السبعينات، وشاركت فيها كل التيارات والإتجاهات والقوى الشعبية، إلا أن الإتجاه الديني إستطاع أن يستأثر بالسلطة، ويتخلص بسرعة من القوى الأخرى المشاركة، وكان أول رئيس جديد أبو الحسن بني صدر، أبرز وأول ضحايا الإستبداد الديني، فيما بدا أنه تسهيل واضح من الغرب عموما لسيطرة الإتجاه الديني وتفرده بالسلطة، وصل الأمر الى حدّ رفض أمريكا إستقبال الشاه السابق، كمريض يريد العلاج فيها من مرض السرطان، الذي أصابه حتى لا تفضب الخميني، الذي عاد إلى طهران من باريس بحماية الأمن الفرنسي، وسرعان ما نصّ الدستور الجديد على سلطة دينية تتبنى المذهب “الجعفري” (الشيعي) مذهبا رسميا للدولة.

3 – مشروع امريكا لتقسيم المنطقة

في تلك الأثناء، ما بين أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، راحت تتكشف بنود إستراتيجية أمريكية – صهيونية لمستقبل البلاد العربية، إلى أن كشف الصحافي “إسرائيل شاحاك” سنة 1982؛ وثيقة رسمية بإسم “إستراتيجية إسرائيل في الثمانينات”، ثم تبعها تبني الإدارة الأمريكية للوثيقة التي أعدها المستشرق الصهيوني برناد لويس، وتنظر للعرب كمجموعة من القبائل والجماعات العرقية المتناحرة، والتي لم تشكل أمة واحدة بيوم ما.

وكانت سبقتها تصورات وخطط سياسية لكل من هنري كيسنجر وبريجنسكي، وكلها تتمحور على تقسيم البلاد العربية جميعا، إلى دويلات طائفية عرقية متناحرة، تدمر بعضها وبلادها، حتى تستقر الهيمنة الامريكية الصهيونية على الأمة كلها ومواردها.

كان بند اطلاق واستثمار عصبية مذهبية عدائية بين السنة والشيعة العرب تحديدا؛ محورا أساسيا في تلك الإستراتيجية التقسيمية العدوانية.

وكان السؤال المنطقي العملاني: كيف ترجم الغرب الإستعماري هذه الإستراتيجيات إلى خطط تنفيذية، وإستراتيجيات عملية واقعية ثم إلى تكتيكات يومية تفصيلية؟ إذ ليس طبيعيا أن يضع نظام عالمي جبار أهدافا له تخدم مصالحه، ويتركها معلقة في الهواء تنتظر إحسان المحسنين، أو أدعية المصلين كما يفعل بعض ساستنا.

4 – تركيا عضو فاعل في حلف شمال الأطلسي الذي تقوده وترعاه أمريكا، وفي تركيا قواعد عسكرية أمريكية مهمة، تستخدمها أمريكا في أعمال عسكرية تخص المنطقة العربية، كما حصل حينما انطلقت طائرتها من قواعدها في تركيا للعدوان على بغداد والعراق سنة 2003.

5 – تركيا تقيم علاقات ديبلوماسية كاملة مع “إسرائيل”، ومعها علاقات مودة وصداقة وتبادلات إقتصادية وتعاون أمني وسياسي،وقد استمر أردوغان في هذه العلاقة مع الكيان الصهيوني بإيجابية واضحة، وما زيارته الى القدس المحتلة وزيارة ما يسمى “حائط المبكى” وهو يرتدي القلنسوة اليهودية، إلا حرصا منه على الرضى وإستمرار الصداقة والمودة.

– تعاطي تركيا مع الشؤون العربية

بالعودة إلى سياسة تركيا الخارجية الجديدة، فقد شهدت اهتماما خاصا بالبلاد العربية، وتعاطيا فريدا مع الشؤون العربية؛ تميذز بنهجين متكاملين:

الأول: ألاحتفاظ بعلاقات رسمية طيبة مع جميع أنظمة الدول العربية، وتجنب إثارة أيّ مشكلات خلافية معها، إلا حينما يتعلق الأمر بالوضع الكردي الداخلي، كما حصل حينما هددت النظام السوري لتسليمها المعارض الكردي عبد الله أوجلان، وهو ما حصل، فكان لها ما أرادت، ولا يزال أوجلان سجينا لديها.

الثاني: مد جسور التواصل والتعاطي المباشر مع أبناء المجتمعات العربية، لا سيما دول المشرق العربي، وهذا هو البند الأهم والأخطر.

بدأ هذا بالاهتمام بما يُسمى التركمان كأقليات أصولها تركية، تعيش في بلاد المشرق العربي، وتحديدا في سوريا ولبنان، وعلى الرغم من أن هؤلاء أصبحوا مواطنين عربا وإستقروا وتجنسوا وتملكوا في بلادنا، إلا أن النظام التركي أقام – ولا يزال – علاقات معهم من خلال المساعدة الإجتماعية والتعليمية، فأنشأ لهم مراكز صحية ومدارس باللغة التركية، وصار يتعامل معهم كجالية تركية تابعة له، وهو مسؤول عنها وعن مصالحها كافة.

ثم تعدّى هذا الاهتمام، إلى إقامة علاقات إجتماعية وثقافية ودينية – مذهبية أيضا – مع الوسط السني من أبناء المشرق العربي تحديدا.

فمنذ مطلع الثمانينات من القرن العشرين، كانت تركيا قد أقامت مؤسسات خدماتية إجتماعية مع أوساط التركمان، وكثير من أوساط السنة العرب، كان ذلك طبعا بمعرفة وموافقة السلطات الرسمية والأمنية الحاكمة في سوريا ولبنان تحديدا، إنطلقت وبتمويل ورعاية تركية مؤسسات تساعد فقط من ينتمي إلى المذهب السني، مساعدات مالية وعينية إغاثية تموينية، ثم تركيز خاص على الشباب والمنح الطلابية، ثم تأسيس مدارس ومعاهد دينية؛ يقتصر وجودها ودورها على الأوساط الشعبية السنية.

مع تركيز مقولة “السنة المستهدفون”، والغطاء الإنساني الإجتماعي لسياسة تركية، تهدف إلى خروقات مذهبية – سياسية، ورعاية إنطلاق مشاعر مذهبية سنية خالية من العروبة والولاء الوطني، ذات ارتباط مذهبي بتركيا السنية، ثم مصلحي من واقع الخدمات التي تقدمها لهم السلطات التركية، “في لبنان مثلا أسست جمعية الإرشاد والإصلاح التي بدورها راحت تتوسع إلى أن صار لها تواجد وفروع وأعضاء في كل قرية سنية ومدينة، ومقرها الرئيسي في بيروت في مركز محمد الفاتح، وهو مركز اجتماعي ثقافي ديني متكامل، كذلك تنشط هذه الجمعية الممولة تركيا في الأردن، وبطريقة مشابهة وركيزتها الجماعات الإخوانية الإسلامية ذات الطابع المذهبي السني..”.

أضيف إلى تلك المؤسسات الخدمية التعليمية والإجتماعية، ما يسمى بالطرق الصوفية التي تشتهر بها تركيا ويكثر وجودها فيها، فراحت تعمل على إستقطاب جماعات لتشكيل مجموعات صوفية من تلك التي تحتضنها تركيا، وتضمن ولاءها لها، فأصبحت ظاهرة دينية واضحة أسهمت في تصريف طاقة الإيمان الديني، وصرفها عن التفكير في شؤون الحياة والمجتمع والإهتمام بها؛ إلى حلقات الذكر الصوفية، وخلاصتها العملية إقالة أعداد المشتركين في تلك الحلقات من أي إهتمام سياسي أو وطني، بشؤون بلادهم وناسها، والإكتفاء بموالد الذكر وحلقات التحفيظ والترديد والنسيان، حتى صار الانتماء إليها وكأنه هوية لأعضائها، يتعرفون بها فتغنيهم عن هويتهم الوطنية والعربية.
وهكذا تميزت تدخلات تركيا بهاتين السمتين:

 المذهبية والسلبية

– مذهبية السُنة المُستقطَبين وسلبية المتصوفة الذاكرين.

فتح هذا النهج التركي بإتجاه السُنة العرب الباب واسعا، لتحالف عميق مع الجماعات الإسلامية ذات النهج المذهبي السني، فراحت ترعاها وتدعمها وتغطيها وتتبناها سياسيا في كل أمر؛ مقابل تبني تلك الجماعات للسياسة التركية وتحديدا:

المطالبة بدولة “للخلافة الإسلامية” تكون عاصمتها إسطنبول، وهذا ما يتماهى تماما مع التوجهات العامة الجدية للنظام التركي، وسعيه الى استعادة أمجاد إمبراطورية غابرة، وسيكون لهذا التوافق والتبنّي تأثيره العميق في مجريات الأحداث اللاحقة في المنطقة، وأبرزها إطلاقا ثورة الشعب السوري.

 تركيا وسوريا

كانت علاقات الرئيس أردوغان بالنظام السوري طيبة تماما، منذ وصوله إلى السلطة، وقد قدم النظام لتركيا تسهيلات متنوعة في سوريا، كان بينها امتيازات تجارية وإعفاءات جمركية ضريبية، مما حدا بالغرفة التجارية – الصناعية في حلب بمطالبة الحكومة السورية – سنة 2009 – بوقف تلك الإعفاءات، لأن البضائع التركية أصبحت منافسا قويا لمثيلتها السورية في عقر دارها.

بلغت العلاقة الودية ذروتها في سنوات ما قبل الثورة، حتى أن أردوغان صار يصطحب زوجته في زياراته المتكررة إلى دمشق، وكان رئيس النظام يستضيفه وزوجته في بيته، وليس في السكن الرسمي، وصارت الزوجتان صديقتين أيضا، وكان التنسيق بين النظامين يبدو تاما والمودة بين الرئيسين عالية.

في هذه الأثناء، كان النشاط الدعوي التركي بطابعه المذهبي السني والتصوفي على أشده، في الأوساط السنية السورية، بمعرفة وموافقة وحماية النظام ذاته، وأنشأت تركيا لذلك جمعيات ومعاهد وتكايا وزوايا، تصب في الغرض المذهبي ذاته، وكما كان مثل هذا النشاط يحظى بموافقة ورعاية النظام منذ أوائل الثمانينات، في كل من لبنان وسوريا إبان حكم الأب المؤسس، فإنه استمر وتطور إبان حكم الإبن الوريث المالك.

كان النهج التركي المذهبي واضحا بينا للجميع، ولم يكن هناك إعتراضاً من أحد، فهل كان يحظى بالرضى، لأنه يتكامل مع النهج المذهبي للنظام في سوريا؟

ألم تكن أجهزة النظام السوري هي التي أطلقت ورعت ودعمت في لبنان، تشكيلات مذهبية إنغلاقية إنعزالية شعوبية رافضة للعروبة؛ كـ”الأحباش” مثلا؛ في الأوساط السنية تحديدا منذ أوائل السبعينات، ثم رعت ودعمت مثيلات لها في الوسط الشيعي؛ وراحت تدعم الفئتين، وتمهد لها طريق السيطرة والتفرد؟

ألا يتوافق هذا مع سياسة السماح لتركيا بالعبث بالوسط السني – في لبنان وسوريا معا، لتتكامل السياستان، فتؤديان إلى أهداف متقاربة متشابهة متكاملة، بإلغاء هوية المنطقة العربية وتقسيمها؟ ولمصلحة من مثل هذا النهج المذهبي التقسيمي؟

أليس اقتلاع سُنة المشرق العربي ودول طوق فلسطين المحتلة، من انتمائهم العربي لصالح كيان افتراضي مزعوم في دولة للخلافة وهمية؛ هو خدمة للمشروع الصهيوني في بناء دولة “إسرائيل الكبرى”؟! وتأسيساً لتكيّات مذهبية إنفصالية تقسيمية؟

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

تعليق واحد

  1. نعم ان تركيا وايران وإسرائيل والنظام السوري وعموم الانظمة العربية كلها تساهم في التفتيت العربي ونسف الانتماء القومي ، كل من وجهة نظره ومصلحته القومية او السلطوية . وللأسف يتم كل ذلك في غياب مشروع نهضوي عربي او حتى توعوي واعد ، وتعمل كل تلك القوى معتمدة على الجهل والتجهيل الذي تحول الى سياسة لتزوير الحقائق التاريخية والسياسية والثقافية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى