مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام” للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. “الحلقة 4”.

خاص “المدارنت”..
يتابع موقع “المدارنت” اليوم، نشر محتويات فصول المحور الأول، من كتاب: “صرخة الإسلام” للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.
3-3 – شيوع ثقافة القدر: تأطّرًا أو تأطيرًا: إن ثقافة القدر التي تتجذّر وتتأصّل في الإسلام، في كنف القرآن أساسًا، وفي حضن السّنة استتباعًا، تتأطّر فيهما تأطّرًا كاملاً حيث تجد فيهما كل مادتها، وتستمدّ منهما بنيتها التنظيمية، وما به تتحصّن وتنتشر وتشيع، كما أنها تؤطر أهل الإيمان بالإسلام حيث تنشط فاعلة فيهم وطابعة إياهم بطابعها الثقافي. فماذا عن تأطّرها وتأطيرها هذين؟
3-3- أ– في تأطّر ثقافة القدر: انطلاقًا من اعتبار الإسلام آخر وخاتم الرسالات السماوية التي أوحى بها رب العالمين في كتبه وعبر رسله إلى الناس، ومن أنه دين ودنيا ودولة، وبالنظر إلى تقديمه على أنه المنظور الأسلم والأمثل والأكمل الذي أراده الله لحياة خليفته في الأرض، وإلى أنه يتمتع بصلاحية تتجاوز الزمان والمكان؛ وبما أن الإيمان بالإسلام لا يكتمل إلاّ بالإيمان بقدر الله خيره وشرّه، فإن الثقافة المثلى والفضلى والمرجعية للحياة البشرية، وضمنها وفي جنباتها ثقافة القدر، أخذت، منذ ظهوره، تتشكل وتتنظّم وتتزيّن وتتأطر في كنف كتابه المبين، وحضن سنّته السّنيّة، في كل صورها وميادينها وأبعادها معرفيًا وأخلاقيًا ومعياريًّا:
3-3- أ- (1) – في تأطّر ثقافة القدر معرفيًّا: في الإطار المعرفي، يضع الإسلام أمام الإنسان الوحي السماوي الذي حمله الأمين جبريل إلى النبي الأمين ومنه إلى الناس، حيث الاعتقادات الصادقة، والحقائق الخالصة والمعارف الكاملة التي لا يرقى الشك إليها لأن مصدرها هو الموحي بها، رب العالمين. من أبرز هذه وتلك، الإيمان بوحدانية الله الواحد الأحد الصمد الذي لا شريك له ولا نظير، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله ويوم البعث، والإيمان بقدره خيره وشرّه؛ ومنها أيضًا الاعتقاد بأن عالمي الغيب والشهادة هما مخلوقان لله تعالى بما ومن فيهما، والإيمان بالحساب والجزاء العادل، والحياة الباقية الخالدة بعد الموت، للناس أجمعين: الجنة ونعيمها لعباده الصالحين الطائعين العاملين بكتابه تعالى وسنّة نبيّه المصطفى؛ والنار وجحيمها للمشركين الطالحين العاصين المخالفين لكتابه وسنّة نبيه… أضف إلى ذلك، التصديق بعلم الله المطلق الذي أحاط به كل شيء، وبكتابته ذلك في اللوح المحفوظ؛ وبإرادته المطلقة التي إذا أراد شيئًا يكفي أن يقول له: كن، فيكون، وباقتداره المطلق الذي لا يعجزه شيء ولا يخرج عن وكالته شيء؛ وبأنه تعالى خالق كل شيء وفقًا لعلمه به ولما كتبه بشأنه…
وفي الإطار المعرفي نفسه، يعرّف الإسلام الإنسان ببعض علم الغيب الذي لا يعلمه إلاّ الله، ولكل ما ينبغي أن يعرفه في عالم الشهادة، ويزوّده بما يميّزه من كل المخلوقات الأخرى: بالعقل والإرادة والعلم والقدرة والسيادة والرزق وما يسخّره له وما إلى ذلك، بيد أن هذا كلّه لا يعدو كونه شيئًا ضئيلاً من فضل الله عليه، وبعض فيض مما لديه عزّ وجلّ؛ لقد “علّمه ما لم يعلم وعلّمه الأسماء كلّها”، وحضّه على إعمال العقل في كتابه المبين، وأنعم عليه بتشريع إلهي يسدّ به حاجاته وبه يعالج مشكلاته، ويدبّر شؤونه ويصرّف أموره، وينظّم له العلاقة بينه وبين خالقه، وبينه وبين الكون، ويعيّن له حقوقه وواجباته، ويحدّد له كلاًّ من الحلال والحرام، ويأمره بالإيمان والخير والطاعة والحق والعدل، وينهاه عن الكفر والشر والمعصية والباطل والظلم… فإن ائتمر بالأوامر وانتهى بالنواهي وعمل بالأحكام والتزم بالحلال والحرام، فاز في الدنيا والآخرة، وإن خالف وعصى، خسر فيهما، حتى لو زيّن له الغنى والنفوذ والجاه في الدنيا غير ذلك.
3-3- أ-(2) في تأطّر ثقافة القدر أخلاقيًا: لقد اهتم الإسلام بالأخلاق والقيم العليا اهتمامًا كبيرًا لعظم شأنها في حياة الإنسان الذي يعتبر الكائن الأخلاقي الوحيد، والذي لا يعلو شأنه ولا يسمو عن توحّش الكائنات الحيّة الأخرى، ولا يترقى في سلّم التمدّن بغيرها، فضلاً عن إيمانه بالوحي الإلهي. لقد وصف الله نبيّه بالخلق العظيم، وفي السياق نفسه، قال الرسول: “إني بعثت لأتممّ مكارم الأخلاق”.
وفي مكارم الأخلاق والقيم التي يحثّ الإسلام أهله على تبنّيها، وجعلها ضوابط لسلوكهم، ومنارات لحياتهم الراقية والكريمة تهديهم إلى الخير وفعله، وتبعدهم عن الشرّ وفعله، نذكر “الصدق والأمانة والحلم والأناة والشجاعة والمروءة والمودة والتسامح والصبر والإحسان والتروّي والاعتدال والكرم والإيثار والرفق والحق والعدل والحياء والشكر وحفظ اللسان والعفّة والوفاء والشورى والتواضع والتعاون والعزّة والسّتر والعفو والرحمة والبرّ والقناعة والرضا والإيمان…”. ومما يميّز هذه الفضائل دينيًا هو أن مصدرها هو الوحي الإلهي، والملزم بها وفيها هو الله؛ لذا فهي ثابتة لا تتغيّر في الزمان والمكان، ويمكن اعتبارها مثلاً عليا لكل إنسان، والمعيار الأسلم والأمثل للخير الذي يراه فيها الإسلام. أما النقائض من مساوئ الأخلاق والرذائل والقيم الدنيا والدنيئة، فينهى عنها الإسلام ويرى فيها المصدر للشر ينزلق بالإنسان إلى الإثم والضلال والشقاء؛ نذكر بعضًا منها على سبيل المثال: “الكذب والخيانة والتهوّر والتسرّع والجبن… والتطرّف والبخل والأنانية والقساوة والبطل والظلم.. والانفراد بالرأي والتجبّر والتنازع والتنافر والذّل… والغضب والكفر…”.
فالهامّ في التأطّر الأخلاقي لثقافة القدر هو اعتبار الإسلام المعيار الوحيد للخير والشرّ ولا شيء غيره، بفضل مصدره السماوي.
3-3-أ-(3) في تأطّر ثقافة القدر معياريًّا: إن الفكرة التي تهيمن وتسود في التأطّر المعياري لثقافة القدر تكمن في وجوب ما يقوم به أهل الإيمان به وفقًا لأحكام شريعة الإسلام ومفهومه للكون والحياة، وما لا يقومون به بالرجوع إليهما نفسيهما. فما كان قد أنجز من الأعمال والأفعال، يحكم بخيره وشرّه بالرجوع إلى مدى تطابق تنفيذه مع العمل والالتزام بالأوامر والنواهي والأحكام والحلال والحرام: فمن اهتدى والتزم وأطاع الله في الإسلام، فاز بنعيم الدنيا والآخرة، ومن ضلّ وتفلّت وعصى فيه، شقي في الأرض والسماء، فالمعيار الذي يرجع إليه في الإيمان والخير والعمل الصالح، والسيرة الحميدة والنزاهة والاستقامة والهدى، هو تصديق شريعة الإسلام وممارستها بصدق وإخلاص وطاعة وشكر لله؛ أما المعيار الذي يحكم بموجبه بالكفر والشر والعمل الطالح والسيرة السيئة والغش والإعوجاج والضلالة، فهو تكذيب الشريعة نفسها ومخالفتها وعصيان أوامرها ونواهيها، وعدم الالتزام بأحكامها وحلالها وحرامها.
وليس من معيار آخر يمكن أن يكون بديلاً من هذا المعيار الإسلامي، لأن مصدره والموحي به هو الله رب العالمين الذي لا يضاهى ولا يقارن بأي أحد أو أي شيء مهما علا شأنه وعظم… ولعلّه من الوضوح بمكان أن ثقافة القدر تستند في معياريّتها إلى المصدر نفسه في الأخلاق والقيم العليا، وفي الإطار المعرفي… إن القدر بمعانيه وأبعاده التي يؤطّرها الإسلام فيه من علم الله المحيط بكل شيء، وكتابته في اللوح المحفوظ وإرادته وقدرته المطلقتين، وخلقه كل شيء، والقيم والأخلاق العليا التي يغنيه بها الإسلام، إن هذا كلّه يحكم ويضبط ويبين سلوكيّة أهل الإيمان به حيث تصبح ثقافته معيارًا دينيًا واجتماعيًا وثقافيًا يرجع إليه أهل الإسلام أفرادًا وجماعات.
وبعد، فإن عملية التأطر لثقافة القدر معرفيًا وأخلاقيًا ومعياريًا، تفضي كما هو سائد وشائع إلى محاصرة الإنسان في كلّه وبعضه بحيث يكاد لا يجد منفذًا إلى شيء من سيادته، وهو خليفة الله في الأرض.
3-3-ب- في تأطير ثقافة القدر أهل الإسلام: إن ثقافة القدر، بتجذّرها في الإسلام، وتأطّرها فيه، وتثقفّها الحصريّ بثقافته، لتتمكّن من الانتشار والشيوع، ومن تأطير أهل الإيمان بثقافتها حيث يكونون، يساعدها في ذلك الإسلام نفسه عبر مؤسساته من تشريع وإفتاء وقضاء وتعليم وتبشير ودعوة، وخلال مناسبات تقتضيها الحياة من الأفراح والأتراح والأعياد والموالد والمجالس والخلوات وما إلى هذا. أضف إلى ذلك، ما انتشر وشاع من مفاهيم ومقولات مسلّم بها، تعبّر عنها خير تعبير وأصدقه، وترسّخها، وتسهم الإسهام الكبير في انتشارها وشيوعها. ففيم يتم الشيوع والتأطير المتلازمان هذان؟ .
3-3-ب-(1) ثقافة القدر تؤطّر حياة أهل الإسلام بالإسلام نفسه: لقد أصبح من الوضوح التام أن الإسلام، قرآنا وسنّة، يجذّر ويؤطّر حياة أهله بثقافته التي تحضن وتحفظ ثقافة القدر، وتضمن لها الانتشار والشيوع، وتمدّها بمادتها وبأسباب بقائها واستمرارها وفعاليًتها، وترسم لها أطرها ومعاييرها(2).
3-3-ب-(2) في دور ما ارتبط بالقدر من مفاهيم في عملية التأطير: من المفاهيم المرتبطة بالقدر والشائعة والسائدة في ثقافته، والتي تدور في فلك معناه وأبعاده من علم الله وكتابته وإرادته وقدرته وخلقه، وفي حصرية الملكية والمرجعية له، وفي الإنعام والرزق والتغيير وكل ما يجري في السماء والأرض، نذكر ما يلي:
- التضرّع والدّعاء والافتقار والاحتياج والإنابة إلى الله كلما لزم الأمر؛
- التسليم والقبول والقناعة والرضا والتعوّذ والاستعانة والاهتداء بالله في قضائه وقدره؛
- التوكّل والاعتماد على الله في الأعمال والأفعال، والصبر على الشدائد والاستكانة في البلاء السيئ؛
- الخضوع والإذعان والامتثال والانصياع والامتنان لله في أمره ونهيه وحكمه؛
- طاعة الله واستغفاره واسترحامه وشكره وحمده وعبادته في كل الأحوال…
ويمكننا أن نلاحظ أثر دور هذه المفاهيم في تأطير ثلاث مسائل محورية في حياة الإسلام، هي:
– أولاً، في تأطير سلوكيتهم: في إطار هذه المفاهيم، يمكننا وصف هذه السلوكية بأنها عالية المفعولية جدًّا، ومتدنّية الفاعلية جدًّا، حتى لا نقول إن هذه في المستوى الأدنى، وتلك في المستوى الأعلى. فالله يهب عباده في هذا التأطير قدرًا من العلم والإرادة، وشيئًا من القدرة والاختيار، ما يتيح لهم بشيء من الحريّة القيام بكثير من الأمور، منها: القيام بالعمل والسعي للرزق، وإن كان مقسومًا، فهو لا يزيد ولا ينقص، وهو بالتالي موضوع قناعة عند العاملين الساعين، ولكن السعي مطلوب منهم ليسعى الله معهم؛ والله يرزقهم بمشيئته… ويمكن للعباد الاختيار بين الطاعة والمعصية، والإيمان والكفر، والخير والشرّ، والحلال والحرام، وبين الائتمار بالأوامر والانتهاء بالنواهي من جهة ومخالفة هذا وذاك من الجهة الأخرى، وبين الهداية والضلالة…. بهذا، يحق عليهم التكليف، كما يحق لهم وعليهم الجزاء يوم الحساب.
أضف إلى ذلك، أن هذا التأطير يتيح للعباد أن يتعرّفوا حدود أنفسهم لعجزهم عن معرفة المقدور الذي يتوقّف وقوعه على قضاء الله وحده، الأمر الذي جعلهم يقفون عند ما لديهم وهو قليل ضئيل بما لا يقاس إزاء عظمة ربوبيّة الخالق، وكما له في علمه وقدرته وإرادته وخلقه وحكمته، وفي أسمائه الحسنى كلّها، الأمر الذي يفضي بهم إلى مشاعر العجز أو شبهه حيث يعرّفهم الإيمان بالقضاء والقدر بحقائق الإيمان التي تصبّ وتنتهي كلّها في الشعور بالافتقار والاحتياج دائمًا إلى الله، فيستعينون به ويستغفرونه، ويتوكّلون عليه، ويسألونه السلامة والتوفيق، ويدعونه إلى اللطف والرحمة بهم، وإلى أن يمنّ عليهم بالعفو والعافية، مطمئنين إلى أنه سميع مجيب لا يخيّب ظن عباده الصالحين فيه، مع العلم بأن هؤلاء العباد يقرّون في عمق إيمانهم بأن الأمور كلّها لا تجري ولا تقع إلاّ بما علم الله وكتب وقدّر وقضى، وأنهم هم وأعمالهم وأفعالهم مخلوقون له.
– ثانيًا، في تأطير مواجهتهم في الحياة: إن أهل الإيمان يواجهون ما يتعرّضون له من سلبيات الحياة، وما يغدق عليهم من إيجابياتها بالتسليم بأن هذه من نِعم الله، وتلك من نقمه، ابتلاء، منه لحكمة شاءها: ففي ما ييسّر لهم من الغنائم والنعم والأموال والغنى والتوفيق والخير والسعادة ومحاسن الحياة وجمالاتها، فإنهم يتلقونه على وجه العموم، ويتصرفون به في ما عرفوه من الطرق الشرعيّة، بشعور من الرضا مفعم بالغبطة، ومليء بالشكر والحمد والامتنان لله، ربّ العالمين الذي منه الخير كله ومنه النعيم، وهو الرزاق يغدق من فضله ما شاء على من يشاء، داعين متضرّعين: “اللهم أدمها علينا نعمة. إنك مجيب الدعاء. وإنك على كل شيء قدير. سبحانك، أنت مقسّم الأرزاق، وأنت الرزّاق ونحن إليك مفتقرون. وأنت الوهاب، ونحن إليك محتاجون، وبحكمك وقدرك راضون، وإليك راجعون”.
أمّا في ما يشتد على العباد من المصائب والنوائب والكوارث والمحن والعسر والفقر والعوز والشرّ ومقابح الحياة وعذاباتها، فإنهم يواجهونه بما يسّر الله لهم للتخفيف من أذاه وضرره، وبشعور من الرضا مشوب بالأسى والضيق، وبالخضوع والإذعان والتسليم بقضاء رب العالمين ومشيئته، وبالصبر على ابتلائه وامتحانه إياهم، لعلمهم أنه حكمه سبحانه، وأنهم لا يملكون إزاءه سوى سؤاله تعالى اللطف فيه، مطمئنين متطلعين إلى فرج منه قريب، وأنّها “شدّة وتزول”، و”الله وما يريد”، مع الدعاء والتضرّع إلى الله ألاّ يأخذهم بتقصيرهم وضعفهم في مرضاته، وأن يشملهم برأفته ورحمته، إنّه رؤوف رحيم.
– ثالثًا، في تأطير تبعيّتهم إلى عالم الغيب: إنّها تبعية تسليم وخضوع وإذعان لرب العالمين تشمل عالم الشهادة كله، بما ومن فيه، وتنسحب بذلك على الإنسان في حياته ونشاطه ومصيره الذي لا يملك منه شيئًا. وإذا انطلقنا من صدق إيمان العباد وعمقه بالله، فإنهم يشعرون ويسلّمون بأن وحدانيّة الخالقية والفاعلية هي حصرًا لله ربّ العالمين في عالم الشهادة هذا. فكل ما فيه مخلوق له، جمادًا ومواد وعناصر، وأشكالاً وصورًا، وحياة ومواتا، وسننًا وقوانين وأسبابًا ومسببات وما إلى هذا وذاك. كما ينسحب خلقه تعالى على كل ما يجري في الكون، وما يحدث، وما يتغيّر من حال إلى حال، وما يرى فيه وما لا يرى، بتدبيره سبحانه وتقديره وقضائه.
أما ما يحدث في عالم الشهادة من ظواهر تقلق البشر، وتخيفهم لما تجرّه معها وتسبّبه من أذى وضرر وشرّ وسوء، يصيبهم في حياتهم وأموالهم وأنفسهم، كالرياح العاتية، والعواصف الهوجاء، والصواعق الحارقة، والأعاصير المدمرة، والفيضانات المخرّبة، والبراكين المرهبة، والزلازل المرعبة، ومع أن هؤلاء البشر لا يملكون إزاءه شيئًا، فقد يذهبون بإيمانهم أحيانًا لضعفهم وعجزهم أمام هول مثل هذه الظواهر، إلى وصفها بأنها نتيجة لغضب الله على الكفرة أو الضالين أو المقصرين بواجباتهم الدينية، أو التاركين لها، كما أنهم يصفونها في أحيان كثيرة بأنها من مقادير الله التي لا يعلمها ولا يعرف الحكمة منها إلاّ الله عزّ وجلّ… ومن مقاديره أيضًا مصير العالم ومصير الإنسان وساعة القيامة…
في ظلّ هذه التبعية، تبدو الحياة الدنيا في نظر جماعة الإيمان زائلة فانية مفتقرة إلى القيمة والمكانة والأهمية إزاء الحياة الأخرى حيث البقاء والخلود في جنّات النعيم للعباد الصالحين الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وائتمروا بالأوامر، وانتهوا بالنواهي، وأطاعوا الله ورسوله. أما الذين كفروا، وحبطت أعمالهم وعصوا الأوامر والنواهي، فسيأخذهم الله إلى جحيم الآخرة… فالحياة الدنيا كما تبدو في ثقافة القدر عند صادقي الإيمان وصادقاته ما هي إلاّ جسر عبور إلى الحياة الأخرى. وإن مادة هذا الجسر وركائزه ودعائمه وقوامه هي الرضا وعبادة الخالق والطاعة والقناعة والاستعانة بالله والاعتماد والتوكّل عليه، والتسليم بقضائه وقدره في خيره وشرّه، والصبر على الشدائد وما إلى ذلك… فقيمة الحياة الدنيا ليست سوى ما به يتمّ العبور إلى عالم الغيب.
3-3-ب-(3) في دور ما ارتبط بالقدر من مقولات في عملية التأطير: لقد جمعنا بحدود المائة والثماني والعشرين منها، وجعلناها في خمسة عشر موضوعًا أو موقفًا يتداولها أهل الإيمان في حياتهم الاجتماعية. ومما يلفت النظر في معانيها وما ترمي إليه، هو أنها تعبّر عن ثقافة القدر، وتفشيها وتشيعها وكأنها مسلّمات لا يرقى الشك إليها، ويغيب عنها حتى الهامش الضيّق من الاختيار والإرادة والقدرة والحرية والمسؤولية لأهل الإيمان بشأن أعمالهم وأفعالهم في ما عرضنا له في المواقف الخمسة من القضاء والقدر الآنفة الذكر؛ إنها تذهب بالأمور كلها إلى الله في عمله وإرادته وقدرته وخلقه وحكمته؛ وفي الوقت نفسه، يبدو العباد مسلّمين راضين مستكينين راضخين ممتنين… ولقد جعلنا في كل موضوع أو موقف مجموعة المقولات التي تيّسر لنا جمعها والتي تعبّر عنه في سياق ثقافة القدر، على النحو التالي:
– في علم الله: “كل شيء بعلمه؛ علمه وسع كل شيء؛ الله علاّم الغيوب؛ هو العالم العليم؛ يعلم بكل كبيرة وصغيرة؛ لا يخفى عليه شيء؛ يخشاه من عباده العلماء؛ علّم الإنسان ما لم يعلم؛ علّم آدم الأسماء كلها…”
– في إرادته ومشيئته: “ما شاء الله؛ إنّها إرادة الله؛ إذا أراد الله شيئًا قال له: كن فيكون؛ إن شاء الله؛ الله يرزق من يشاء؛ الله يهدي من يشاء؛ الله يعزّ من يشاء؛ الله يذلّ من يشاء؛ لا رادّ لإرادة الله…”
– في قدرته: “ما شاء الله؛ إنه على كل شيء قدير؛ القدر يعمي البصر؛ الحذر لا يمنع القدر؛ هو القادر المقتدر؛ لا راد لقدرته؛ إنّه فعّال لما يريد…”
– في خلقه: “كل شيء مخلوق لله؛ كل من خلق علق؛ إنه خلق الإنس والجن ليعبدوه؛ الله واضع سرّه في أصغر خلقه؛ خلق الله الموت كما خلق الحياة؛ الله خالق كل شيء؛ لم يخلق الله شيئًا عبثًا؛ لله في خلقه شؤون…”
– في تمجيده: “سبحان الله؛ خير الله لا ينفد؛ سبحان مقسّم الأرزاق؛ الله سريع العقاب؛ الله غفور رحيم؛ الله قدّر ولطف؛ ما عند الله ليس عند العبد؛ رحمة الله وسعت كل شيء…”
– في الرزق من الله: “الله يرزق من يشاء؛ الله مقسّم الأرزاق؛ الله هو الرزّاق؛ هذا نصيبي؛ هذه قسمتي؛ الله أعطاك؛ الله أنعم عليه؛ رزقكم في السماء وما توعدون…”
– في الهداية من الله: “الهدى من الله؛ الله هو الهادي؛ الله هداه؛ الله نوّر طريقك؛ الله يهدي من يشاء؛ الله لا يهدي الفاسق؛ الله لا يهدي الظالمين؛ من هداه الله اهتدى؛ لا تهدِ من أحببت، فإن الله يهدي من يشاء…”.
– في المرجعيّة لله حصريًّا: “الله هو الموفق؛ التوفيق من الله؛ الله هو الوهّاب؛ لا إله إلاّ الله؛ الله مقدّر كل شيء وقاضيه؛ كل شيء بقضائه؛ كل شيء بقدره؛ الله هو المعزّ، الله هو المذلّ؛ لا حول ولا قوة إلاّ بالله؛ بيده الملك وإليه ترجع الأمور؛ البقاء لله وحده؛ كل شيء بقدره…”
– في الاحتياج إليه: “على الله الاتّكال؛ الله هو المستعان؛ الله هو المعين؛ يا ميّسر كل أمر عسير؛ الله هو الغني وهو المغني؛ توكّل على الله ولا تبالِ؛ أعوذ بالله من شر الشيطان الرجيم؛ بسم الله الرحمن الرحيم؛ الله هو الشافي؛ الله هو الحنّان المنّان؛ رضاك يا الله؛ عفوك يا الله..”.
– في رضا العباد وتسليمهم: “القناعة كنز لا يفنى؛ هذا حظّي، هذا قدري، السلامة غنيمة؛ اللهم لا نسألك ردّ القضاء بل اللطف به؛ الصبر مفتاح الفرج؛ كل شيء من الله مليح؛ من لا يرضى بالقليل لا يرضى بالكثير؛ الله يبتلي عباده الصالحين؛…”
– في التهوين من وطأة المحن والشدائد: “إنّ مع العسر يسرا؛ ما بعد الضيق إلاّ الفرج؛ استفقاد الله رحمة؛ الله أعطى والله أخذ؛ لا تيأس من رحمة الله؛ مصيبتك هيّنة عند مصيبة غيرك؛ شدّة وتزول؛ فرج الله قريب؛ ورقته سقطت؛ الله يبتلي عبده في صبره وإيمانه؛ سبحان الله الذي لا يحمد على مكروه سواه؛…”
– في الدّعاء والتضرّع إلى الله: “اللهم استرنا من الأعظم؛ اللهم قِنا عذاب النار؛ يا الله ارحمنا برحمتك؛ اللهم أطعمنا الجنّة؛ يا الله انصرنا على أعدائنا؛ اللهم ثبتّنا على الإيمان؛ اللهم إهدنا الصراط المستقيم؛ يا الله يسّر ولا تعسّر؛ عظّم الله أجوركم؛ شكر الله سعيكم؛ اللهم إهدنا سواء السبيل؛ اللهم لطفك؛…”
– في الاستكانة والانتظار: “وبشّر الصابرين ؛ النصر مع الصبر؛ دوام الحال من المحال؛ إن شاء الله خير؛ تجمّلوا بالصبر؛ الصبر نصف الإيمان؛ الله يمهل ولا يهمل؛ النصر من عند الله؛ إن ينصركم الله فلا غالب لكم؛…”
– في الامتنان لله: “الحمد لله، الحمد لله على كل شيء؛ الحمد والشكر لله؛ الحمد لله على كل الأحوال؛ بالشكر تدوم النِعَم؛ إن شكرتني لأزيدنّك؛ الفضل لله أولاً وأخيرًا؛ رضا الله ورضا الوالدين؛…”
– في كتابة الله: “كل شيء مكتوب؛ كله مكتوب؛ لا يصير إلاّ المكتوب؛ لا يصيبكم إلاّ ما كتب الله لكم؛ المكتوب ليس منه مهرب؛….”
لعلّنا لاحظنا أن هذه “المقولات” ليست مختصة حصرًا بالمواضيع حيث ذكرت؛ إنما فيها من المعاني والدلالات ما يتيح لنا تحريكها في أكثر من موضوع، كما أنها ليست كل ما يتداوله أهل الإيمان في ثقافة القدر. أضف إلى ذلك، أن المواضيع المذكورة فيها ليست كل ما تشمله في معانيها ودلالاتها، بل يمكن زيادة المواضيع بها وبما لم يرد في ما جمعناه؛ لكننا نعتقد أن ما ذكرناه يفي بغرض ما ذهبنا إليه من تبيين وإيضاح ما تقوم به وفيه ثقافة القدر لدى الجمهور المؤمن بها…
وبعد، فماذا عن مدى شيوع هذه الثقافة بين الناس؟



