أين تعطلت «عربات جدعون»؟ ومتى ستتحرك مجدداً؟
“المدارنت”
في 17 أيار/ مايو الماضي أطلق جيش الاحتلال الإسرائيلي عملية برية واسعة في قطاع غزة تحت مسمى «عربات جدعون»، وحدد وزير حرب الاحتلال أهدافها المعلنة في الضغط العسكري لإطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين، وإضعاف «حماس»، ومنع الحركة من السيطرة على المساعدات الإنسانية. وأما الأهداف الفعلية الأبرز فقد كانت تنفيذ جولة تهجير قسرية جديدة للفلسطينيين من الشمال إلى الجنوب، وتمركز وحدات من الفرقة 98 في الأراضي التي سيجري احتلالها، والتمهيد لاجتياح كامل القطاع.
ومؤخراً أعلن جيش الاحتلال، ولكن على منصة X هذه المرة، أنه «اليوم، وطبقاً للخطة العملياتية وجدول القتال، أنهت الفرقة 98 نشاطها في شمال قطاع غزة»، أي في مناطق الشجاعية والزيتون شمالاً وخان يونس جنوباً، والفرقة بالتالي «تستعد لمهامّ إضافية». وكان هذا بمثابة إعلان فشل ذريع لم تغفل عنه استنتاجات الغالبية الساحقة من المعلقين والصحافيين الإسرائيليين، ممن لم يكونوا بحاجة للبحث والاستقصاء كي يتأكدوا أن أياً من أهداف «عربات جدعون» لم يتحقق، ما خلا المضيّ أبعد وأشد وحشية في الإبادة الجماعية وحروب التجويع والتعطيش، وتحويل مراكز ما يسمى بـ»مؤسسة غزة الإنسانية» إلى مصائد موت لعشرات الفلسطينيين من طالبي المساعدات.
وهذه النتيجة لعملية «عربات جدعون» تعدّ فشلاً صريحاً لمجموعة الساسة الإسرائيليين الذين دفعوا إليها وأمروا بتنفيذها، وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو شخصياً وزمرة وزراء اليمين الديني والعنصري المتطرف أمثال إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموترتش، أصحاب هستيريا الدعوات إلى إعادة احتلال القطاع بأكمله واستئناف الاستيطان فيه، الأمر الذي يتجدد حالياً مع مسلسل التسريبات المتعاقبة حول هذا المخطط كما باتت الحكومة تنوي اعتماده.
هي كذلك هزيمة عسكرية فاضحة للفرقة 98 النخبوية، التي تُلقب بـ»فرقة النار» وتضم ألوية مظليين وفصائل كوماندوز، وسبق لها أن خاضت أكثر المعارك وحشية، وارتكبت أبشع جرائم الحرب في القطاع منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، كما شاركت في العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان، وفي احتلال محيط جبل الشيخ والمنطقة العازلة في الجولان السوري المحتل. ولكن «منجزات» الفرقة خلال العملية لم تتجاوز تهديم المباني المدنية والمساكن وبعض الأنفاق وتعطيل المشافي، وتشديد شروط التجويع الهمجية، ومقتل 40 جندياً إسرائيلياً، بكلفة مالية تقدر حتى الساعة بـ 25 مليار شيكل.

وبصرف النظر عن التباينات التي يتردد أنها تتبلور اليوم بين نتنياهو وحكومته وخاصة وزراء التطرف والعنصرية من جهة، ورئاسة أركان جيش الاحتلال وعدد من الجنرالات العاملين والمتقاعدين من جهة ثانية، فإن من باب تحصيل الحاصل ألا تأخذ دولة الاحتلال عبرة من فشل عملية «عربات جدعون»، وأن تعاود الكرة فتستوحي تسميات توراتية جديدة لا يُعرف أين ستكون وجهة عرباتها، وأين سوف تتعطل، وما إذا كانت سوف تتحرك أصلاً إلى أهداف أخرى غير خدمة أجندات نتنياهو في إطالة حرب الإبادة والتجويع والتهجير، والتهرب من استحقاقات اليوم التالي حتى على حساب أرواح الرهائن الإسرائيليين أنفسهم.



