مقالات

“إبليس” ومستشاروه في اجتماع طارئ!.. (من أدب الأسطورة)

د. محمود المسلماني/ لبنان

خاص “المدارنت”..
في الإعداد لما نذر له نفسه لصدّ أبناء آدم عن طاعة الله وعبادته، وحرمانهم من السعادة الحقيقيّة، دعا إبليس نخبة من الشياطين لجلسة إستشارية. فلمّا اجتمعوا، وقف يخاطبهم بقوله: أيّها الشياطين الأجلّاء، يا أصحاب الشرّ والرذيلة،
أمر الله الملائكة بالسجود لآدم، لكنني لم أمتثل لأمره؛ فما كنت من الساجدين، لأنني من نار وهو من الطين، والنار كما تعرفون أسمى مرتبة من الطين. وكعقاب لي على ذلك طردني من جنّته، فخرجت منها مذمومًا مدحورًا.
لكنّني صمّمت أن أغوي (أضلّ) أبناء آدم، فأضلّهم عن سبيل الله، وأخفي عنهم أغلى ما يحلمون ويسعون إليه، وهأنذا أستشيركم في ذلك؛ فما قولكم في أغلى ما يحلم به الإنسان ويسعى في طلبه؟
وقف أحد الشياطين، وكأنّه قابض على الحقيقة اليقينية:
– لا شكّ في أنّ المال والثروة هما أغلى ما يحلم به الإنسان، وينفق حياته في طلبه: فلنخدعه ونسلبه ثروته.
ابتسم إبليس قائلًا:
– لا. بل نزيّن له السعي الى امتلاك الثروة واقتناء المال؛ ففي ذلك ما يفاقم مشكلاته ومشاغله، ويزيد همومه ومكدّرات نفسه.
وقال شيطان ثان:
– إنّ أهمّ ما يبحث عنه الانسان، هو إشباع غرائزه ورغباته وتحقيق ملذّات نفسه؛ فلنحتل عليه ونحرمه منها.
وردّ إبليس:
– … وهذا رأي غير سديد أيضًا؛ فهذه اللذات مؤقّتة، وسرعان ما تزول مفاعيلها في نفسه، ويعقبها ألم كبير. وهذا هو المطلوب. فلنزيّن له طريق الملذّات ونحثّه على الإقبال عليه.
ووقف شيطان ثالث، وقال:
– إذًا، نحاول تعطيل دماغه الذي هو أثمن شيء لديه، فقد ميّزه الله بميزة الدماغ والعقل المفكّر؛ فتعطيل هذا الدماغ هو أفضل ما نقوم به.
قال إبليس: ألا تعلم أنّ حِسّ الانسان مرتبط بدماغه؟ فإذا عطّلنا هذا الدماغ، فكيف سيحسّ بالألم الذي علينا ان نعمل لإنزاله به؟!
سكت الجميع، وقد أعيتهم الحيلة عن معرفة الجواب الصحيح. وبعد قليل من الصمت والتفكّر، ارتفعت إصبع شيطان هرم، أكسَبَته السنون خبرة ودراية، ونهض ليقول:
– أرى ما رآه رئيسنا الأعظم، بأن نزيّن للبشر طريق الإقبال على اللذّات، ونشجّعهم على اقتناء الثروات، وإشغال عقولهم في طلبها والحصول عليها، حتى ولو كانت الوسائل اليها على حساب المبادئ الأخلاقية والقيم الإنسانية الرفيعة.
كما أنّ علينا أن ننمّي فيهم فكرة التواكل، وعدم تحمّل المسؤوليّة، وإلقائها على الشيطان الرجيم؛ فهذا ما يضعف إرادتهم، وينعكس عليهم ضررًا كبيرًا.
باختصار، علينا أن نعمي بصيرتهم عن كلّ ما يقودهم إلى السعادة الحقيقيّة.
– أحسنت أيّها الشيطان الجليل!
هذه هي مهمتنا التي سنعمل لها بهمّة وإخلاص.
بعد هذا الإجتماع التشاوريّ، مضى إبليس وشياطينه في تنفيذ ما اتّفقوا عليه، وقد وفّقوا في تضليل الكثيرين من الناس خلال تاريخ طويل، وكان ضحاياهم ممّن استسلموا لنداء غرائزهم ورغباتهم، وممّن جعلوا من المال ربًّا يُعبد فاتّبعوه، وممّن عطّلوا لديهم منطق العقل والحكمة، وانحرفوا عن سراط المبادئ والقيم الإنسانية الفرديّة والإجتماعية.
لكنّ غير قليل من الناس، لم يقعوا في حبائلهم. هؤلاء قد جعلوا من العقل والحكمة إمامًا لهم، وأخذوا من مذاهبهم الدينيّة والفلسفيّة ما حملته وبشّرت به من قيم أخلاقية ومبادئ سلوكيّة رفيعة.
هؤلاء من يسيرون في درب السعادة الحقيقية والفلسفيّة (الواقعية النسبية).
لقد عثروا عليها في الصحّة بعد المرض والألم، بالرضى بعد الكدر والإنزعاج، بالضحكة النابعة من القلب بدل التجهّم والعبوس، بالحبّ الذي يأخذ بمجامع النفس، بالجمال الذي ترتاح له الحواس وتسعد الروح.
تلكم هي أبرز اوجه السعادة التي نرتجيها للجميع… صباحكم خير وسعادة.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى