مقالات

إشكالية الميليشيات في ولادة نظام وطني عراقي!

“المدارنت”
من غريب المفاجآت أن تبدي الميليشيات العراقية قبولها رسميا بإلقاء السلاح، والالتزام ببنود الدستور العراقي، على الرغم من خطورة التصريحات المعلنة والتهديدات الحقيقية لإنهاء وجودها، ونزع أسلحتها، التي أثارها المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي، والتي كشفت في الوقت نفسه مخاوف الأوساط الرسمية العراقية الحاضنة لهذه التنظيمات المسلحة، من احتمالات إعادة نظر الإدارة الأمريكية في طبيعة علاقتها معها، إذا أخذنا بعين الاهتمام التزام وتمسك الأحزاب الحاكمة في الخفاء، وإصرارها على التشبث في حكم البلاد، من خلال نظام طائفي لا يتناسب مع التعددية البشرية، ولأسباب فئوية بعيدة كل البعد عن الموضوعية الوطنية، والحاجة للتغيير التي يطالب بها الشارع العراقي.

ولفهم الإشكالية السياسية، التي أدخلتها هذه المجاميع المسلحة في شكل وطبيعة النظام السياسي العراقي، وجب فهم أسباب ظهورها ومصادر ولادتها المتعددة على المشهد السياسي، الذي جعل منها إطارا متعدد الأبعاد والولاءات غير متجانس على الإطلاق. وما بين سطور مسميات الحشد الشعبي، تُرسم بوضوح صورة فسيفسائية لموزاييك من التنظيمات المسلحة، ذات الولاءات والأيديولوجيات والهياكل المتباينة، ما يجعل من هذا التنوع العقائدي، أحد مفاتيح فهم هذه الإشكالية وآثارها الخطيرة على وحدة المجتمع وسيادة العراق، التي باتت عرضة للاستغلال الفئوي لثروات العراق وساحة مفتوحة للنفوذ الإيراني.
أحد أسباب هذه الإشكالية تكمن في طبيعة الثقافة الطائفية، التي تحملها الأحزاب المتنفذة، التي تتخذ من أهمية المرجعية الدينية، التي يقدسها المكون الشيعي، غطاء لشرعنة المعيار الطائفي في حكم البلاد، وتجيير مؤسسات وثروات العراق لأهداف فئوية، من خلال التأكيد على حتمية القبول بما يسمى بالأغلبية الطائفية في الحكم، والسماح بنشر هذه المجاميع المسلحة في شتى بقاع العراق، ضاربة عرض الحائط حقيقة تعدد التنوع الديني والقومي للأمة العراقية.
في المقابل وبالإضافة إلى ذلك، أصبح من الصعوبة، فهم هذه الإشكالية دون دراسة العلاقة الوثيقة التي تربط زعماء هذه التنظيمات مع أهداف إيران التوسعية، التي بدأت منذ عام 2003، واستثمارها بشكل منهجي لتدريبها وتمويلها وإعادة هيكلتها، محولةً إياها إلى وكلاء فعليين يخدمون مصالحها الإقليمية، إلى درجة أصبحت تشكل الوسيلة في تنفيذ استراتيجية إيرانية مدروسة للهيمنة على ثروات العراق، ومن ثم تجنب المواجهة المباشرة مع الإدارات الأمريكية منذ غزوه. وهذا يقودنا إلى الوقوف أمام إشكالية مزدوجة تدفع العراق لأن يكون أسيرا بين ثقافة بدائية فئوية ساذجة، تتخذ من معيار الطائفية السياسية وسيلة للوصول إلى الحكم، وأخرى ماكرة مخادعة عابرة للحدود، تُدار وتُنظم من قم وطهران، إذا أخذنا بعين الاعتبار أيديولوجية هذه الميليشيات، ومهامها الدفاعية من خلال تمثيلها للجناح المسلح لكلا الطرفين. إن الخوض والتعمق في هذه الإشكالية، قد يحتاج إلى قراءة دقيقة لطبيعة الأهداف الرسمية للنظام العراقي، وفهم طبيعة العلاقة التي تربطه بالمجاميع المسلحة، ودورها في صياغة المشروع السياسي للدولة، للوصول إلى فهم، ومن ثم رسم حدود المسموح والممنوع في مواقف العراق العابر للطوائف والقوميات، في علاقته مع الآخرين، وبالتالي الفصل بين الانتماء للأمّة والانتماء الطائفي، الذي يتجاوز الانتماء للوطن.

نهاية المشروع الإيراني سيضع
الأحزاب الحاكمة على حافة الطريق

ومن هذا السياق، أصبح من الواضح أن غياب السيطرة على هذه الفصائل، تكمن أسبابه في الإشكالية والازدواجية في صياغة القرار الرسمي العراقي، والتخطيط لتنفيذه، وفشل النخبة الطائفية الحاكمة في السيطرة على مقدرات البلاد، نتيجة غياب المشروع الوطني، الذي يؤطر السلوك السياسي السيادي للدولة، سواء كان على مستوى علاقة النظام السياسي بالمجتمع من جهة، أو علاقة الدولة العراقية مع جيرانها والعالم، والقابلية لضمان قدر من التوازن والمسؤولية في مواجهة التحديات التي يواجها العراق مع محيطه القريب والبعيد، والتداعيات الخطيرة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط في الوقت الحاضر، ناهيك من مدى تأثيرها على استقلالية العراق في علاقاته مع المحيط العربي والدولي، وبمعنى آخر، تأثير هذه الفصائل المسلحة، من خلال المشاركة في اتخاذ مواقف لا تخدم أهداف البلد، وتتناقض مع موقف العراق التاريخي، الرامي إلى تجنب التصعيد، وإبعاد العراق والعراقيين من دائرة الصراع الإقليمي، والعمل على إحلال السلام في المنطقة.
لا شك أن قرب نهاية المشروع الإيراني سيضع الأحزاب الحاكمة على حافة الطريق، ما قد يوقع هذه الأحزاب في مأزق أصبح من الصعب معالجته، نتيجة اعتماده إلى حد كبير على الدعم الإيراني، الأمر الذي سيدفع لا محالة بالبلد، للابتعاد من دائرة التأثير المذهبي الخارجي، إذا أخدنا بعين الاعتبار الاختلاف والتناقض الواضح في الرؤى والمواقف الأمريكية والإيرانية في ما يتعلق بالشروط القاسية لاستقرار العراق، التي حملها مارك سافيا، وتقوم بتنفيذها الكولونيل ستيفانا باغلي، لكبح الجماعات الولائية المسلحة، ومن ثم تعزيز سلطة القائد العام للقوات المسلحة في العراق، للوصول إلى إنهاء الدور الإيراني الذي تمثله هذه التنظيمات الولائية، ومن ثم التفرغ لإنهاء عمل ميليشيات الحشد الشعبي وطبيعة العلاقة التي تربطها مع النظام السياسي الحاكم، ودورها في صياغة المشروع السياسي الطائفي للدولة، التي تمثل الإشكالية الأخرى التي تعيق المسيرة الوطنية لجميع العراقيين.

ونتيجة لذلك، أصبح من الصعوبة إن لم يكن من المستحيل أن يتجاهل المرء قراءة موضوعية للمستقبل، وفق معطيات المنطق والواقع، الذي فرضته الأحداث في العراق، من دون الرجوع إلى الواقع التاريخي العراقي، الذي يضمن سيادته ويؤمن مصالحه. فلا يمكن إلا لجاهل في السياسة، أن يتجاهل شدة المتغيرات السياسية، التي تشهدها دول المنطقة في السنوات الأخيرة، من دون أن يتم ربطها بالوضع السياسي لهذا البلد المتأثر بالطائفية الرثة، التي فرضها الفاسدون وأسندتها أجندات الدول الإقليمية المارقة، من خلال التنظيمات المذهبية والأذرع الولائية. يبدو أن استراتيجية إدارة الرئيس الأمريكي الجديد، فضلت إنهاء دور الحشد الشعبي، والعمل على قطع الدعم اللوجستي المحلي والإيراني له، والاعتماد على قدرة وكفاءة الجيش العراقي الرسمي للقيام بالمهمة بمفرده، ومن ثم البدء بإعادة بناء الدولة العراقية الجديدة، من خلال إنهاء إشكالية استمرار علاقة الحشد الشعبي والولائي مع النظام السياسي القائم منذ 2003، والتي تكمن أسبابه في طبيعة هذه العلاقة ودورها في صياغة المشروع الطائفي للأحزاب الحاكمة، من خلال دور هذه المجاميع المسلحة، في دعم تركيبة النظام السياسي وأسسه الطائفية، التي بُنيت من خلالها ركائزه الأيديولوجية، وهذا ما قد يزيد من صعوبة بقائه وهي التي ولدت من رحمه.
من هنا تأتي ضرورة وأهمية بروز نخبة وطنية شيعية، والرجوع للعقلانية في حكم البلاد، من خلال المشاركة مع القوى الوطنية في بناء العراق المدني العابر للطوائف والقوميات، للوصول إلى إفشال مخطط إعادة رسم الخريطة السياسية والاجتماعية للعراق وجيرانه، وعدم القبول بالأمر الواقع الذي يفرضه الآخرون والتعامل بذكاء مع المبعوث الأمريكي حفاظاً على العراق ووحدة شعبه وترابه.

أمير المفرجي/ “القدس العربي”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى