إطلالة على “المفهوم الجديد للأمن القومي الإسرائيلي”!*

خاص “المدارنت”
قدم تامير هيمان، رئيس “معهد دراسات الأمن القومي” الإسرائيلي، وهو لواء احتياط، تقريرا عرض فيه رؤيته لمفهوم الأمن القومي الجديد، لدولة الكيان على أصداء التحولات التي فرضتها عملية “طوفان الأقصى” (في 7 أكتوبر 2023) وتداعياتها، وما أحدثته هذه العملية من تحول في أسس مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي، وتمثل هذه الرؤية تطورا مهما في الفكر الأمني والاستراتيجي للكيان، ليس لأنه يحمل جديدا في رؤية إسرائيل لأمنها القومي، وإنما لأنه من خلال إعادة تسليطه الضوء على ما اعتبره “مفهوما جديدا للأمن القومي الإسرائيلي” يدفعنا نحن ـ بعد أن تاهت نظرة الكثير منا إلى هذا الكيان ـ كي نعيد النظر فيه، في طبيعة وجوده، ووظيفته، في مسار الصراع الحقيقي مع هذا المشروع.
وإذ نؤكد أن هذا المشروع للأمن القومي الإسرائيلي لا يحمل في جوهره جديدا فإن رئيس معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، يقدمه من جديد واضحا، عاريا، ومتحررا، من التجميل، والتستر، الذي طبع كثيرا من السياسات الإسرائيلية منذ قيام هذا الكيان:
يعرض الرجل رؤيته لهذا المفهوم الأمني الذي يستعيد حضوره في الاستراتيجية الإسرائيلية من خلال نقاط محددة:
** أولوية الهوية اليهودية، على الهوية الديموقراطية. وعلى حساب ما دعاه “بتآكل القيم الديموقراطية”.
** السلام كوسيلة وليس غاية. أي أن الحرب وليس معاهدات السلام هي الأساس. الذي تقوم عليه الدولة وتبني عَبره تقدمها ونموها.
** إنكار الوجود المستقل للدول العربية واعتبارها مجموعة قبائل وجماعات تفتقر لما يجمعهم، وبالتالي فليس لمثل هذه الجماعات حقوق الدول.
** الحرب كحالة أساسية والسلام كحالة طارئة ومرحلية، وفي خضمها تبني الدولة تقدمها.
** الأولوية المطلقة للمبادرة والهجوم، وليس للدفاع، وهنا يبرز مفهوم الدفاع الأمامي والمناطق الآمنة.
** الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني هو دائما صراع إسرائيلي ـ عربي.
** الاستيطان والمواطنون هم العنصر الرئيس في نظرية الأمن. بما يبدو فيه المجتمع الإسرائيلي مجتمعا عسكريا.
** أولوية الاستقلال الصناعي والأمني” الصناعات العسكرية والامن السبراني والذكاء الاصطناعي” تخلصا من أخطار سلاسل التوريد البعيدة.
هذه عناصر الاستراتيجية الأمنية “الجديدة” التي يرى اللواء تامر هيمان، أنها بدأت تترسخ لدى قادة الكيان هي في حقيقتها ليست جديدة.
يجب أن نعترف أن قطاعا من العرب: قادة، ومفكرين، ومؤثرين، عملوا خلال المرحلة الماضية كلها، على الترويج لمفهوم مختلف للأمن والوجود الإسرائيلي، وكان هؤلاء يروجون لمفهوم أن هذا الكيان يمثل حاجة وجود لشعب يبحث عن الأمن والسلام والاطمئنان، وأن هذا الكيان يحتاج فقط لتوفير ظروف هذا الاطمئنان، حتى يعيش بسلام مع من حوله، وأن علاقته بالغرب جاءت من هذا المدخل، وأنه بات واحة للديموقراطية ولحقوق الإنسان في منطقة مضطربة لا تفقه شيئا عن هذه المفاهيم، وقد صيغت “معاهدات السلام”، و”الاتفاقات الإبراهيمية” متكئة على هذه الرؤية.
وأهمية ما يطرحه رئيس معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي أنه يستعيد عرض نظرية الأمن على قواعدها الأساسية بوضوح ودون أي تجميل، ودون الرتوش التي داخلتها بسبب مراحل الصراع والتطورات الإقليمية والدولية التي مرت على المنطقة منذ إقامة هذا الكيان.
ولعل من أهم ما يقدمه الرجل في هذا المقام الاعتراف بأن عملية “طوفان الأقصى” هو ما دفع لاستعادة هذه الاستراتيجية الأمنية، ونحن نرى أنها هي الاستراتيجية الأصلية لهذا الكيان.
لقد جردت هذه العملية الكيان الصهيوني من كل الزيف والتزويق التي تمكن الكيان من صنعها على مدى يقارب الثمانية عقود، وعاد ليظهر على حقيقته، لقد كانت عملية “طوفان الأقصى” عظيمة بكل مكوناتها وطبيعتها ونتائجها، وإذا لم يكن لها إلا أن أعادت الصراع إلى حقيقته وجوهره فقد كفاها هذا.
1 ـ دائما كان الكيان مشروعا غربيا عنصريا، ولم يكن يوما كيان لشعب يبحث عن الأمن والاستقرار، ولم يكن يوما واحة للديموقراطية، ولا يستطيع أن يكون، وكيف يكون والاستيطان جوهر وجوده، وجوهر الاستيطان القائم على قاعدة اغتصاب ما للآخرين من أرض وأملاك ومظاهر حياة وتاريخ، واغتصاب حياة الآخرين دون أي رادع هو “جوهر العنصرية”. وبالتالي ليس هناك هوية حقيقية للمجتمع الإسرائيلي خارج الهوية العنصرية، والعنصرية بذاتها ليست هوية موحدة لأنه داخل عنصرية هذا المجتمع هناك “عنصريات” حسب المجتمع الذي وفد منه المهاجر اليهودي، والمستوطن الإسرائيلي.
2 – دائما كان هذا المشروع الذي يستبطن كل قيم الغرب الاستعمارية ينظر إلينا كمجموع قبائل وعشائر وعائلات تتصارع، وليس كدول وكيانات لها وجود وحقوق ومكانة، فهو يرى أن هذه “الدول والكيانات مصطنعة”، لذلك هو يستبيح كل ما يمت لهذه القبائل من عناصر وجود وتمكن. وحين يصعب عليه تصنيفنا على هذا النحو ينظر إلينا كطوائف ومذاهب وعقائد متصارعة يقتل بعضنا بعضا، ويستبيح بعضنا بعضا. ثم يتقدم إلينا ليقود مراكب النجاة المزعومة.
إن توصيفها هذا لنا ليس من قبيل رؤيته لما نحن عليه، وإنما من قبيل رغبته ومخططه لما يجب أن نكون عليه، وبالتالي فهذا التوصيف محدد لسياساته تجاهنا.
هذه الحقيقة في موقف الحركة الصهيونية منا يجب إدراكها إدراكا حقيقيا، ووضعها في المكان الصحيح في استراتيجية كل عمل نقوم به. ولو أننا دققنا في وضع عالمنا العربي في هذه المرحلة، لوجدنا أن مجالات الصراع والاقتتال والدمار كلها تسير وفق هذا المنظور الإسرائيلي، ولوجدنا آثار موطئ القدم الإسرائيلية واضحة في هذه المجالات جميعا”.
3 – ليس السلام قاعدة وجود لهذا الكيان، لم يكن، ولن يكون، وليس التعاون قاعدة تعامله مع جواره. وهنا فإن القضية ليست أنك أنت من يعاديه لأنه اغتصب أرضا لك ولقومك، وإنما القضية هنا أنه يعاديك، لأنك موجود، ولأنه يعتبر وجودك مناف لوجوده، وحين يضطر إلى “السلام معك”، فهذا ما تفرضه مرحلة ما فقط. ومن مصائب ما نقع فيه حكاما ومثقفين وأصحاب رأي أن نعتقد أن ما يتحقق من اتفاقات هو سلام، وأن نركن الى هذا الاعتقاد، ونبني عليه سياساتنا ومواقفنا..
السلام عند هذا الكيان محطة في مسار التمكن وامتلاك أدوات القهر والسيطرة وظروفهما. لذلك فإن الحرب والصراع عنده هي القاعدة، والسلام والأمن مجرد محطة. لذلك لا يمكن ولا يجوز في عرف هذا الكيان احترام أي اتفاقيه سلام.
4 – ولطبيعة الكيان الصهيوني العدوانية العنصرية، ولكونه قاعدة متقدمة للعنصرية الغربية، فإن أعماله لا تخضع لقاعدة حساب تكاليف، أو النظر في تأثير ذلك على وجوده وأدائه. كما يجري الأمر في أي دولة أو مجتمع طبيعي، إن التكاليف هنا ليست ذات تأثير على برامجه وخططه، فدول الغرب الاستعماري تتكفل دائما بتغطية هذه التكاليف المادية والبشرية والتقنية على السواء، لذلك كان من الخطأ المتكرر أن يقف المحللون والباحثون أمام تكاليف الخطط والسياسات الإسرائيلية العسكرية والأمنية، باعتبارها تمثل “ثقلا”، وتفرض حدودا ومكابح تواجه أصحاب القرار. وأن يتم البحث المطول في مقدار الضغط الذي تشكله الحرب على الاقتصاد أو المجتمع الإسرائيلي. واعتبار ذلك عنصرا حاسما في مسار أي صراع، في حالة الكيان الصهيوني ليس لهذه المسألة قيمة حقيقية حاسمة، لأننا أمام كيان وظيفي.
لقد ولدت عن الفكرة غير الصائبة الخاصة بالضغوط التي تخلفها تكاليف الحرب على الكيان الإسرائيلي قناعة زائفة عندنا بأن الكيان / المجتمع الإسرائيلي لا يستطيع خوض حرب لمدة طويلة لتأثير ذلك على الإنتاج والعمل داخل المجتمع الإسرائيلي، باعتبار أن القوة الرئيسية في الجيش الإسرائيلي هي قوة الاحتياط، وهؤلاء عاملون في نشاطات رئيسية في المجتمع.
نحن هنا لا نشكك في أثر الحرب طويلة المدى على الكيان الإسرائيلي خصوصا على الجانب البشري منه، لكن هذا ـ وعلى عكس المجتمعات الطبيعية ـ ليس هو العنصر الحاسم، لذلك رأينا الكيان يدخل في حرب طويلة مع المقاومة عقب عملية طوفان الأقصى، واستطاع الدعم الغربي ـ الأمريكي أن يعوضه عن كل ما خسره وأن يقدم له كل ما مكنه من الاستمرار في حربه، وأن يزوده بما لم يكن يملكه من أسلحة وعتاد وتكنولوجيا.
5 ـ في النظرة الأمنية الجديدة حديث عن ضرورة تقليل الاعتماد على الغرب، لطول سلاسل التوريد، وبرزت الدعوة للاستقلال الصناعي والأمني، والحق أن هذه دعوة زائفة، وقد وضعت هذه الدعوة في سياق الاستراتيجية الأمنية تحسبا لخسارة قد يمنى بها اليمين الأمريكي العنصري في الانتخابات القادمة، وهذه الدعوة في جوهرها استجرار للدعم، وتحفيز للقوى الصهيونية في المجتمع الأمريكي والمجتمع الغربي، الذي هو ـ بطبيعته ـ مجتمع يحتوي على تيارات مختلفة، وتنمو فيه نزعات تحررية وإنسانية تتنافى مع الطبيعة العنصرية التاريخية للغرب الاستعماري، ومع الطبيعة التكوينية للحركة الصهيونية. هذه الدعوة للاستقلالية ليست دعوة حقيقية، وإنما هي بمثابة استنفار للقوى الصهيونية واليمينية في تلك المجتمعات حتى تتصدى للتحولات التي تشهدها مجتمعاتهم بفعل القوى الديموقراطية وقيم حقوق الإنسان، والتي لا تتلاءم وأهداف الحركة الصهيونية، ولم تعد تستطع فهم، ومن ثم قبول تقديم الدعم للكيان الإسرائيلي وهو يرتكب كل الإبادة والقتل بحق الفلسطينيين.
ليس في مقدور “دولة الكيان” أن تحقق استقلالية ولو بحد أدنى عن الغرب الاستعماري العنصري، وجودا وقيما وتوجها، وفي الوقت نفسه، فإن هذا الكيان غير مطمئن لاتجاهات التغيير في المجتمع الغربي، وهذا يولد حالة قلق مستمرة ومتصاعدة فيه، لذلك هو يلوح بهذا الهدف دون أن يملك أي قدرة على تحقيقه، لأن تبعيته للغرب تبعية تكوينية، وليست خيارا سياسيا أو ثقافيا أو مصلحيا.

6 ـ في مفهوم الأمن الإسرائيلي “الجديد” تتم استعادة مفهوم أن الصراع ليس إسرائيليا ـ فلسطينيا، وإنما هو صراع إسرائيلي ـ عربي، وتذكُر هذه النظرية أن الأمر كان كذلك دائما.
إن هذه “فكرة ومفهوم مركزي” في هذه الاستراتيجية التي تعتبر أن وجود النضال الوطني الفلسطيني، وتجدده الدوري، ليس إلا محاولة عربية أخرى لمحاربة إسرائيل وتدميرها عمليا.
وهذه الفكرة تعني إسرائيليا أن الطرف الآخر في الصراع هو الطرف العربي، والفلسطيني جزء منه، أو وجه من أوجهه، وفي سياق العقيدة الأمنية الإسرائيلية بأن “الحرب وليس السلام” هي قاعدة الوجود والتقدم والاستقرار، وأن العرب مجرد قبائل وعشائر، فإن تصور السلام معهم يصبح تصورا مخادعا لا يجوز الوقوع فيه.
هذه قضية شديدة الأهمية يجب على الجانب العربي إدراكها، وهي مسألة حاضرة اليوم، وليس مجرد احتمال مستقبلي، إن “إسرائيل” تطبق هذه النظرية الأمنية الآن في فلسطين ولبنان وسوريا، وتطبقها في أقطار بعيدة وقريبة على السواء، هي موجودة في المناطق الأمنية التي تفرضها في عمق أراضي هذه الدول، وفي العلاقات التي تقيمها مع القوى والمشاريع الانفصالية في سوريا في شمال سوريا وجنوبها، وفي دول المغرب العربي، وفي السودان والصومال، وأثيوبيا.
إن عدم إدراك هذا الدور للكيان الصهيوني، وتصور إمكانية التعايش الطبيعي معه، أو تحييده. يمثل خللا قاتلا لأي نظرية أمنية يمكن أن يبنيها أو يتبناها الجانب العربي.
7 ـ هذه قراءة لبعض تجليات مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي الذي دفعته عملية طوفان الأقصى إلى دائرة الاختبار، ومثلت التحدي الرئيس له. وإذ يشير رئيس معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي إلى أن هذه السياسة الأمنية باتت في أعقاب عملية طوفان الأقصى تسترشد بهذا المفهوم الأمني الجديد، فإن هذه السياسة أعادت طرح المسألة فلسطينيا وعربيا، بل وعالميا، وفق أبعادها الحقيقية الأصيلة باعتبارها صراعا في الجوهر، صراعا بين مشروعين، وطني تحرري إنساني، أي مشروع حضاري يحدث تغييرا حقيقيا على مختلف المستويات، ومشروع آخر استعماري عنصري ينتمي إلى عصر مضى، بل هو آخر مظاهر ذلك العصر.
إنه صراع الكل في مواجهة الكل، صراع على قيم، وحضارة، وتغيير حقيقي يشع على العالم بأسره، صراع يؤذن برسم أبعاد عالم جديد، ولعله لهذا السبب تداعت دول الغرب الاستعماري بقضها وقضيضها، بحاملات طائراتها وغواصاتها، وقادتها لدعم الكيان وحراسته حينما ظهر أن “طوفان الأقصى” بدأ يهز عمق هذا “الكيان / المشروع”. ولطبيعة هذا الصراع فليس هناك مساحة لموقف وسط، ولحل وسط. إنه صراع حضاري في أبعاده الجوهرية والعميقة، الحاسمة.
هذه الحقيقة الراسخة لا تعني أن القتال هو السمة المستمرة لهذا الصراع، وإنما تعني أن الوعي الحقيقي لهذه القضية هي المسألة التي لا يجوز أن تغيب، ولا يجوز أن يداخلها غبش من أي نوع، أما كيف تدار الأمور واقعيا، فهذا شأن آخر تتحكم فيه الظروف، الإقليمية والدولية.



