الإسلام والإرهاب..!

خاص “المدارنت”
في العقود الستّ الماضية، وتحديدًا منذ بدايات المقاومة الفلسطينيّة والعربيّة ضدّ الاغتصاب الصهيونيٌ لأرض فلسطين، تمّ ربط الإسلام والعروبة بالارهاب؛ نتيجة العمليّات المتنوِّعة التي قامت بها المقاومة على مرّ هذه العقود.
في هذه الفترة الطويلة نشطت، خاصّة بعد غياب جمال عبد الناصر عن المشهد الاقليميّ والعالميّ، حركات ما سُمِّيَ “الإسلام السياسيّ” في بعض البلدان العربيّة، ثمّ تمّ تدريبها على الأعمال القتاليّة، وتمّ تجهيزها بالأسلحة والذخائر ودعمها بالمال الكافي، لأن تشكِّل حالة جدِّيّة ومستمرّة لتحقيق أهداف المُمَوِّلين والمُشَغِّلين.
كان أوّ ظهور عُنفِيّ لهذه الجماعات في مصر، أثناء حكم أنور السادات وحسني مبارك، ثمّ ظهر – في ما بعد – في العديد من الدول العربيّة التي كانت ترفع راية فلسطين والوحدة العربيّة، فتحوّلت إلى ساحات حرب وصراعات أدّت إلى تدمير هذه الدول وتفكُّكِها وتهديد وحدة أراضيها ووُجودها، ناهيك عن أنّها جعلت من أفغانستان معقِلًا لها للتدرُّب والتحَصُّن ثمّ الانتشار.
هذه التنظيمات والحركات والأحزاب، جعلت من “الإسلام هو الحلّ” شعارًا، أسهم بشكل كبير في تشويه صورة الدين الحنيف حول العالم، لأنّ النهج الذي اتّبعَتهُ، خاصّة في اختطاف وتفجير الطائرات المدنيّة، التصق بالشعار – عن قصد أو غير قصد – فاختلط الأمر على البشر إلى أن اقترَن الإسلام بذاته كدين، بالارهاب في معظم أنحاء العالم.
هذه المشهديّة عانينا، نحن كمسلمين، وما نزال نعاني من انعكاساتها السلبيّة على كلّ ما هو مسلم حيثما اتّجهنا وانوجدنا..
لكن، هل حاول هؤلاء الفصل بين الإسلام، كدين عالميّ يدعو إلى الرحمة ومكارم الأخلاق والعدالة والعمران، أو قدروا على المحاولة؟!
لنعُد إلى القرآن والسنّة الشريفة، لِنَرَى ما إذا كان هناك جذور لنهج هذه الاحزاب والتنظيمات والجماعات والحركات في الدين الحنيف. لنستعرض ما جاء في القرآن الكريم ، أوّلًا:
1- آية الحرابة (سورة المائدة – آية 33): “إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم”.
تحدِّد هذه الآية العقوبات المُغلظة لكلّ من يُشهِر السلاح في وجوه الناس، أو يروّع الآمنين، أو يقطع الطرق ويسعى بالفساد في المجتمع.
2- آية التحذير من القتل والفساد بغَير حقّ (سورة المائدة – آية 32): “مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا”. تؤكد هذه الآية على حُرمة الدم الإنسانيّ، وأنّ الاعتداء على فرد واحد بِغَير حقّ يُعَدّ عدوانًا على البشرية جمعاء.
3- آيات النهي عن الإفساد في الأرض (سورة البقرة – الآيتان 11 و12): “وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ* أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُون”. تصف هذه الآيات فئة تدّعي الإصلاح، بينما هي تمارس الفساد والتخريب في الواقع.
4- آية الدفاع ورد العدوان (سورة البقرة – آية 190): “وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِين”. “تضع إطارًا شرعيًّا واضحًا بأنّ القتال في الإسلام محصور حصرًا في رَدّ العدوان، وتنهى عن تجاوز الحدود أو الاعتداء على المدنيين.
أما السنّة النبويّة الشريفة فقد أسّست أيضًا، لمسار يُحَرّم فيه الاعتداء والترهيب بكافّة أشكاله، وجعلت دماء الناس وأموالهم وأعراضهم مقدّسة لا يجوز المساس بها. أبرز الأحاديث النبويّة الشريفة التي تنبذ الاعتداء والإرهاب وتدعو إلى حفظ الأمن والسلام هي:

1- تحريم ترويع الآمنين وإخافتهم والنهي عن ترويع المسلم: “لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا”(رواه أبو داود).
2- النهي عن الإشارة بالسلاح: “مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى يَدَعَهُ، وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ “(رواه مسلم).
3- حرمة دماء الناس وأموالهم حيث أعلن النبيّ، عليه الصلاة والسلام، في خطبة الوداع التي أرسى فيها القواعد العامّة للأمن، فقال: “إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» (متفق عليه).
4- عقوبة قتل المُعاهد والآمنين: “مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا” (رواه البخاري).
5- صفات المسلم الحق ونبذ العنف: “المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ» (رواه الترمذي والنسائي).
6- لنهي عن حمل السلاح وإشهاره: “مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاحَ فَلَيْسَ مِنَّا” (متفق عليه).
7- حماية الضعفاء في الحروب (قواعد الاشتباك):
كان النبيّ، عليه الصلاة والسلام، يوصي جيوشَه بعدم الاعتداء على المدنيّين وغير المقاتلين، ومن وصاياه: “انْطَلِقُوا بِاسْمِ اللهِ.. لَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا، وَلَا طِفْلًا، وَلَا صَغِيرًا، وَلَا امْرَأَة” (رواه أبو داوود).
إذن، لا يوجد في منابع الإسلام أيّ إشارة إلى سلوك طريق الارهاب بأيّ شكل أو مضمون وإنّما الأمر الواضح بعدم الاعتداء والترهيب والقتل بغير الحق. أمّا الآية الكريمة التي يستدِل البعض بها، للصيد في الماء العَكِر، والتي هي الآية 60 من سورة الانفال التي تقول:
“وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُون”، فهي لا تفيد المعنى المُتداوَل بين هؤلاء وإنّما تعني أن الاستعداد الدائم لصدٌ أيّ عدوان يأتي من أيّة جهة بأن يمتلك المسلمون أسباب القوّة لاحداث الرهبة، وليس الإرهاب، في قلوب الأعداء فيمتنعون عن المهاجمة والاعتداء.
إذن، القوّة والسلاح في الإسلام؛ للردع وليس للاعتداء، وليس للاستخدام في غير وجه.



