إيران عند مفترق الطرق.. صراع الأجنحة يتحوّل إلى أزمة نظام!

كتب نظام مير محمدي/ إيران
خاص “المدارنت”
لم تعد الأزمة التي يواجهها النظام الإيراني؛ مجرد خلافات بين تيارات سياسية تتباين في تقدير المصالح والخيارات، بل باتت تعكس مأزقا أعمق يتصل بطبيعة السلطة وقدرتها على إدارة تناقضاتها الداخلية ومواجهة الضغوط الخارجية. فبين احتمالات الحرب وتعقيدات المفاوضات، تتسع الانقسامات داخل مراكز القرار، فيما تتزايد الأسئلة بشأن قدرة النظام على احتواء أزماته المتراكمة واستعادة الثقة الشعبية.
وتكشف الدعوات إلى محاكمة الرئيس الأسبق حسن روحاني، ووزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف، وفق ما أورده التقرير، عن تجاوز الصراع حدود الاختلاف في السياسات إلى تبادل الاتهامات وتحميل المسؤوليات. وفي ظل هذا التصعيد، يبدو أن الخلاف لم يعد مقتصرا على كيفية التعامل مع التحديات الخارجية، بل امتد إلى الصراع على تحديد الجهة التي تتحمل مسؤولية الإخفاقات، ومن يمتلك حق رسم الخيارات المقبلة.
الحرب والمفاوضات.. مأزق الخيارات الصعبة
يواجه النظام معادلة معقدة؛ فاستمرار المواجهة العسكرية قد يفاقم الاستنزاف الاقتصادي والأمني، ويزيد الأعباء على مجتمع يعاني أصلا من أزمات معيشية متراكمة. أما التفاوض، فقد يفرض تنازلات لا تنظر إليها جميع مراكز النفوذ بالقدر نفسه من القبول، خصوصا إذا مست مصالح القوى المستفيدة من استمرار النهج القائم.
ولا تكمن المشكلة في الحرب أو التفاوض وحدهما، بل في غياب توافق سياسي واضح على أهدافهما وتكاليفهما. فعندما تتحول السياسة الخارجية إلى ساحة للصراع الداخلي، تصبح القرارات الاستراتيجية رهينة التوازنات بين الأجنحة، وتتراجع قدرة الدولة على تبني رؤية متماسكة لمستقبلها.
الجمهورية الثالثة.. تغيير العنوان أم تغيير النظام؟
في هذا السياق، تبرز الدعوات إلى إقامة “الجمهورية الثالثة” وإجراء استفتاء لتعديل بنية السلطة. غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق بتغيير التسمية، بل بمدى الاستعداد لإعادة النظر في طبيعة النظام السياسي، وحدود صلاحيات المؤسسات، وحق المواطنين في اختيار حكامهم ومحاسبتهم.
فأي إصلاح لا يمس جوهر توزيع السلطة ولا يضمن التعددية السياسية وحرية الاختيار قد ينتهي إلى إعادة إنتاج الأزمة تحت عناوين جديدة. والاستفتاء، بدوره، لا يكتسب شرعيته بمجرد إجرائه، وإنما بحرية المشاركة، وتكافؤ الفرص، ووجود بدائل حقيقية وضمانات مستقلة لنزاهة النتائج.
أزمة الشرعية وحدود القمع
على الجبهة الداخلية، يشكل تزامن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية مع القيود السياسية وتصاعد الإجراءات القمعية تحديا متزايدا لاستقرار العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالإعدامات والتضييق قد يحققان أثرا ردعيا مؤقتا، لكنهما لا يعالجان جذور السخط، ولا يوفران بديلا عن الإصلاح السياسي والاقتصادي.
ومع ذلك، فإن تراجع الثقة بالسلطة لا يعني بالضرورة وجود توافق شعبي كامل على بديل محدد. فنجاح أي مشروع للتغيير يرتبط بقدرته على توحيد المطالب المشتركة، وتقديم برنامج واضح يضمن التعددية وحقوق المواطنين، ويحول دون إعادة إنتاج الاستبداد بصيغة أخرى.
ومن هنا تكتسب الدعوات الرافضة للعودة إلى نظام الشاه أو استمرار حكم ولاية الفقيه أهميتها؛ فهي تطرح، في جوهرها، سؤالا يتعلق بحق الإيرانيين في بناء نظام سياسي يستمد شرعيته من إرادتهم، لا من الامتيازات المغلقة لمراكز القوة.

المستقبل مفتوح على الاحتمالات
إن النظام الإيراني أمام اختبار يتجاوز احتواء أزمة عابرة. فالتسوية الخارجية قد تخفف الضغوط، وإعادة ترتيب مراكز النفوذ قد تؤجل الانفجار الداخلي، لكن أيا منهما لن يكون كافياً إذا استمرت الأسباب البنيوية للأزمة من دون معالجة.
والخلاصة أن أخطر ما يواجه طهران ليس تعدد التحديات وحده، بل تداخلها مع انقسامات داخلية تضعف القدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية متماسكة. وبين مطرقة الحرب وسندان المفاوضات، يبقى مستقبل إيران مرتبطاً بمدى استعداد سلطتها لمراجعة أسس الحكم، وبقدرة المجتمع وقواه السياسية على تحويل المطالبة بالتغيير إلى مشروع وطني تعددي واضح المعالم.
فالأزمات قد تمنح الأنظمة فرصة للمراجعة، وقد تدفعها إلى مزيد من الانغلاق. أما الاتجاه الذي ستسلكه إيران، فلن تحسمه الشعارات وحدها، بل القرارات التي ستتخذها السلطة، ومواقف المجتمع، وطبيعة البديل الذي يمكن أن يفتح الطريق أمام مستقبل أكثر حرية واستقرارًا.




