مقالات

هل يستطيع لولا دا سيلفا إنقاذ اليسار في أميركا اللاتينية؟

كتب عبد الناصر طه/ لبنان

خاص “المدارنت”
بين صعود اليمين الشعبوي، وتراجع “الأيديولوجيات”، وأزمة الحكم في القارة، لم يكن فوز الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا بولاية رئاسية رابعة حدثًا انتخابيًا عاديًا؛ بل شكّل محطة سياسية بارزة في أميركا اللاتينية، في مرحلة تشهد تحولات متسارعة في موازين القوى، وصعودًا للتيارات اليمينية المحافظة، وتراجعًا لنفوذ الحكومات اليسارية.

لقد أعادت هذه النتيجة دولة البرازيل إلى واجهة الصراع السياسي في القارة، وطرحت سؤالًا يتجاوز حدودها: هل يستطيع (لولا) أن يقود عملية استنهاض لليسار اللاتيني، أم أن انتصاره سيبقى استثناءً في مشهد إقليمي يميل، في أجزاء واسعة منه، إلى اليمين؟
إن أهمية الانتخابات البرازيلية لا تنبع من شخصية لولا وحدها، بل من مكانة بلاده بوصفها أكبر اقتصادات أميركا اللاتينية، ومن ثقلها الديموغرافي والسياسي، ودورها في مجموعة بريكس، وقدرتها على التأثير في مسارات التكامل الإقليمي والعلاقات الدولية.

لولا في مواجهة ترامب.. معركة النفوذ والسيادة
يصرّ لولا على أن البرازيل لن تكون حديقة خلفية لأي دولة. ويكتسب هذا الموقف أهمية في ظل توجهات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي تسعى إلى تعزيز النفوذ الأميركي في نصف الكرة الغربي، وإلى بناء تحالفات سياسية وأمنية واقتصادية تخدم المصالح الاستراتيجية لواشنطن.
ويستحضر هذا الصراع مبدأ مونرو، الذي أُعلن عام 1823، ثم تطورت استخداماته التاريخية ليصبح أحد المراجع التي استندت إليها الولايات المتحدة في تبرير نفوذها في القارة الأميركية.
في المقابل، سعى فلافيو بولسونارو، مرشح التيار اليميني، إلى تعزيز علاقته بترامب، وتقديم نفسه شريكًا لواشنطن في ملفات الأمن ومكافحة الجريمة المنظمة.

وهكذا، حملت الانتخابات البرازيلية دلالات تتجاوز الخلافات الداخلية؛ إذ عكست أيضًا تنافسًا على موقع البرازيل في النظام الدولي، وعلى حدود استقلال قرارها السياسي والاقتصادي.
لكن اختزال المشهد في مواجهة بين لولا وترامب لا يكفي لفهم الأزمة. فاليمين البرازيلي يمتلك قاعدة شعبية ومؤسساتية واسعة، كما أن صعود اليمين في دول القارة لا يعود إلى التدخلات الخارجية وحدها، بل يرتبط أيضًا بأداء الحكومات اليسارية، وإخفاقاتها، وقدرتها المحدودة أحيانًا على الاستجابة لتطلعات المواطنين.

هل بقي اليسار محصورًا في البرازيل والمكسيك؟
شهدت أميركا اللاتينية، منذ مطلع القرن الحالي، موجات متعاقبة من صعود اليسار وتراجعه، عُرفت إحداها باسم «الموجة الوردية». وقد ارتبطت هذه الموجة بوعود العدالة الاجتماعية، وتوسيع دور الدولة، ومكافحة الفقر، وتعزيز الاستقلال السياسي عن الولايات المتحدة.لكن التجارب لم تكن متطابقة، كما لم تكن نتائجها واحدة. فبعض الحكومات حقق تقدمًا اجتماعيًا واقتصاديًا في مراحل معينة، فيما عانت تجارب أخرى من الأزمات الاقتصادية والفساد والاستقطاب السياسي وتراجع المؤسسات.
ولا يصح القول إن اليسار لم يبقَ له حضور إلا في البرازيل والمكسيك؛ فالخريطة السياسية في القارة أكثر تنوعًا، وتتبدل بتبدل الانتخابات والتحالفات. لكن يمكن القول إن اليسار يواجه أزمة استراتيجية تتمثل في صعوبة تحويل حضوره الانتخابي إلى مشروع تنموي مستدام يحافظ على ثقة المواطنين؛ فالمشكلة ليست في عدد الحكومات التي تحمل صفة اليسار، بل في قدرتها على إثبات أن برامجها أفضل من البدائل المطروحة.

لولا دا سيلفا لحظة إعلان فوزه برئاسة البرازيل للمرة الرابعة

عناصر القوة.. لماذا يستطيع لولا أن يقود؟
يمتلك لولا مجموعة من المقومات التي تمنحه فرصة لعب دور محوري في مستقبل اليسار اللاتيني.

أولًا: الثقل الإقليمي والدولي
إن قيادة البرازيل تمنحه قدرة على التأثير لا تتوافر لمعظم زعماء القارة؛ فالبرازيل قادرة على الدفع باتجاه اتفاقات تجارية وتعاون اقتصادي ومبادرات دبلوماسية تعزز استقلال القرار الإقليمي،كما أن دورها في مجموعة بريكس يتيح لها توسيع علاقاتها مع قوى دولية خارج المحور الغربي التقليدي.
غير أن تعددية الأقطاب لا تعني استبدال تبعية بأخرى؛ بل يفترض أن تتيح للدول خيارات أوسع، وأن تخدم مصالح مواطنيها واستقلال قرارها.

ثانيًا: رصيد اجتماعي وسياسي متراكم
يستند لولا إلى تاريخ طويل من العمل النقابي والسياسي، وإلى قاعدة شعبية واسعة بين قطاعات من الطبقات العاملة والفئات الأقل دخلًا. وقد ارتبطت تجربته ببرامج اجتماعية هدفت إلى مكافحة الفقر وتحسين فرص الوصول إلى التعليم والخدمات الأساسية.
وهذا الرصيد يمنحه فرصة لتقديم نموذج يساري يجمع بين العدالة الاجتماعية والإدارة الاقتصادية المسؤولة، شرط أن يستطيع تجديد أدواته ومواجهة المشكلات التي تغيرت طبيعتها منذ سنوات حكمه الأولى.

ثالثًا: القدرة على بناء تحالفات إقليمية
يمكن للبرازيل أن تعزز التعاون بين دول القارة في مجالات الطاقة والزراعة والصناعة والتكنولوجيا وحماية البيئة ومكافحة الجريمة المنظمة.
لكن نجاح هذا التعاون يتطلب احترام اختلاف التجارب الوطنية، وعدم تحويل التنسيق الإقليمي إلى جبهة أيديولوجية مغلقة؛ فالدول لا تتطابق مصالحها دائمًا لمجرد أن حكوماتها تنتمي إلى الاتجاه السياسي نفسه.

العقبات: لماذا لا يستطيع لولا إنقاذ اليسار وحده؟
على الرغم من عناصر القوة، فإن الطريق أمام لولا ليس سهلًا، وهناك تحديات قد تحدّ من قدرته على قيادة تحول إقليمي واسع.

أولًا: تغير الظروف الاقتصادية العالمية
شهدت ولايتا لولا الأوليان، بين عامي 2003 و2010، ظروفًا اقتصادية دولية استفادت منها البرازيل، ولا سيما الطلب القوي على المواد الأولية والسلع الأساسية في الأسواق العالمية.
أما اليوم، فإن هامش المناورة الاقتصادية يرتبط بعوامل مختلفة، من بينها أعباء الدين العام، وكلفة التمويل، والتضخم، ومتطلبات الاستثمار والإنتاجية، والتقلبات في التجارة العالمية.

ولا يعني ذلك أن نجاح التجربة السابقة كان نتيجة الظروف الخارجية وحدها؛ فقد كانت للسياسات الحكومية والظروف الداخلية أهميتها أيضًا. لكنه يعني أن استنساخ النموذج القديم من دون تعديلات لن يكون كافيًا.
فالعدالة الاجتماعية تحتاج إلى موارد مستدامة، والموارد تحتاج إلى اقتصاد منتج، والاقتصاد المنتج يحتاج إلى مؤسسات فعالة واستثمارات وتعليم جيد وإدارة تحارب الهدر والفساد.

ثانيًا: الانقسام المؤسسي داخل البرازيل
لا تمنح الرئاسة صاحبها سلطة مطلقة؛ فالتوازنات البرلمانية، ونفوذ القوى المحافظة، وتعدد المصالح الاقتصادية والسياسية، تفرض على الحكومة التفاوض المستمر لبناء أكثرية مؤيدة لبرامجها؛ وقد يضطر لولا إلى تقديم تنازلات تحدّ من طموحاته الاجتماعية أو الاقتصادية. كما أن الانقسام المجتمعي لا يختفي بانتهاء الانتخابات، بل يمكن أن يتحول إلى عائق دائم أمام الإصلاح.
ومن هنا، فإن نجاحه يتوقف على قدرته على بناء توافقات عملية، من دون التفريط بأهدافه الأساسية أو الوقوع في فخ المحاصصة السياسية.

ثالثًا: أزمة الخطاب “الأيديولوجي” التقليدي
لم يعد الانتماء إلى اليسار أو اليمين كافيًا لكسب ثقة الناخبين. فالمواطن يريد حلولًا ملموسة لمشكلات العمل والسكن والتعليم والصحة والأمن، ويريد دولة قادرة على تقديم الخدمات وحماية الحقوق.
كما أن قضايا العصر، من التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي إلى التغير المناخي والجريمة المنظمة، تحتاج إلى برامج متخصصة وكفاءات إدارية، لا إلى شعارات موروثة من صراعات القرن الماضي.
وهنا يواجه اليسار تحديًا مزدوجًا: الحفاظ على جوهر مشروعه الاجتماعي، وتطوير أدواته الفكرية والتنظيمية بما يتلاءم مع واقع جديد.

رابعًا: الأمن العام والجريمة المنظمة
لا يمكن لأي مشروع يساري أن يتجاهل المخاوف الأمنية للمواطنين، أو أن يتعامل مع الجريمة المنظمة باعتبارها قضية ثانوية أمام المطالب الاجتماعية؛ فالدولة العاجزة عن حماية المواطنين تفقد جزءًا من شرعيتها، وتمنح خصومها فرصة لتقديم أنفسهم بوصفهم البديل القادر على فرض النظام.
لكن معالجة هذه المشكلة لا ينبغي أن تكون على حساب سيادة القانون وحقوق الإنسان؛ إذ إن المطلوب هو بناء أجهزة أمنية ومؤسسات قضائية فعالة، ومكافحة شبكات الجريمة والفساد، بالتوازي مع معالجة الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تستغلها تلك الشبكات.

خامسًا: حدود النفوذ الدبلوماسي في الأزمات الإقليمية
أظهرت الأزمة الفنزويلية مدى صعوبة توحيد المواقف اللاتينية، حتى بين حكومات تتقاطع في توجهاتها اليسارية. فقد اصطدمت المساعي الدبلوماسية البرازيلية لحل الخلافات الإقليمية بتباينات سياسية ومؤسسية عميقة.
وهذا يكشف أن الانتماء “الأيديولوجي” المشترك لا يضمن الاتفاق على الديموقراطية أو إدارة السلطة أو العلاقات الخارجية.
فإذا أراد لولا أن يقود تعاونًا إقليميًا فعالًا، فعليه أن يتعامل مع اختلاف الأنظمة والمصالح بواقعية، وأن يجعل احترام المؤسسات والحوار والتسويات السياسية أساسًا للعلاقات، بدل الاكتفاء بالتضامن بين الحكومات المتقاربة فكريًا.

ما الذي ينبغي أن يفعله لولا؟
إن تثبيت اليسار لا يتحقق بمجرد منع اليمين من الوصول إلى السلطة، بل بتقديم نموذج حكم يصعب على الخصوم الطعن في نتائجه.

وهذا يتطلب من لولا العمل على خمسة مسارات مترابطة:
1/ اقتصاد منتج وعدالة اجتماعية: توسيع فرص العمل وتحسين التعليم والصحة، مع إدارة مالية مسؤولة وتشجيع الإنتاج والاستثمار.
2/ مؤسسات قوية ومكافحة جدية للفساد: إخضاع المسؤولين للمحاسبة، وتطبيق القانون على الحلفاء والخصوم على السواء.
3/ تجديد القيادة والكفاءات: فتح المجال أمام جيل جديد من السياسيين والإداريين والخبراء، بدل ربط مستقبل التيار بشخصية الزعيم وحدها.
4/ خطاب وطني جامع: الابتعاد عن الاستقطاب الحاد، واحترام التعددية، وإقناع المترددين والمعارضين بأن الدولة تتسع للجميع.
5/ تعاون إقليمي قائم على المصالح المشتركة: بناء مشاريع اقتصادية وتنموية قابلة للتنفيذ، لا الاكتفاء بالبيانات السياسية واللقاءات الدبلوماسية.

والأهم من ذلك كله أن يثبت لولا أن اليسار قادر على الجمع بين الكفاءة والعدالة، وبين الاستقلال الوطني والانفتاح الدولي، وبين حماية الفئات الضعيفة وتحفيز الاقتصاد.

الخلاصة: هل ينقذ لولا اليسار أم ينقذ تجربته الخاصة؟
يمنح فوز لولا فرصة جديدة للتيارات اليسارية في أميركا اللاتينية، ويؤكد أن صعود اليمين ليس مسارًا حتميًا لا يمكن وقفه. لكنه لا يضمن وحده نشوء موجة يسارية جديدة، ولا يعالج تلقائيًا الأزمات التي تواجهها الحكومات المتقاربة معه فكريًا.
فقد يستطيع لولا أن يكون عامل توازن استراتيجي في القارة، وأن يحدّ من التراجع السريع لليسار، وأن يعزز التعاون بين دولها. لكن إنقاذ اليسار بالكامل ليس مهمة زعيم واحد، مهما امتلك من خبرة أو شعبية أو حضور دولي.

إن مستقبل هذه التيارات يتوقف على قدرتها على تجديد برامجها، وتطوير مؤسساتها، وإنتاج قيادات جديدة، والتعامل مع قضايا الأمن والاقتصاد والفساد بكفاءة وواقعية.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: قد يصل حزب إلى السلطة باسم الفقراء، ثم يخسرها إذا عجز عن تحسين ظروفهم؛ وقد يصعد خصمه باسم التغيير، ثم يفقد ثقة الناس إذا لم يحقق وعوده.؛فالناخب لا يمنح الأيديولوجيا تفويضًا أبديًا، بل يمنحها فرصة مشروطة بالإنجاز.
وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن يتعلمه اليسار في أميركا اللاتينية، كما ينبغي أن تتعلمه الأحزاب العقائدية في العالم كله: لم يعد التاريخ النضالي، ولا الشعارات الكبرى، ولا الولاء للزعيم كافيًا لحماية أي مشروع سياسي.

إن ما يحميه حقًا هو بناء دولة فعالة، ومؤسسات عادلة، واقتصاد منتج، ومجتمع يشعر بأن السياسة وُجدت لخدمته، لا لتحويله إلى جمهور دائم التصفيق لزعمائه.
ولذلك، فإن السؤال النهائي ليس فقط: هل يستطيع لولا إنقاذ اليسار في أميركا اللاتينية؟
بل: هل يستطيع اليسار أن ينقذ نفسه من أخطائه، قبل أن يطلب من لولا إنقاذه؟

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى