مقالات

الإنسان كما يريده القرآن!

الشيخ د. حسان مُحيي الدين/ لبنان

خاص “المدارنت”..

يضع القرآن الكريم مصطلح الإنسان موضعه الطبيعي من حركة الكون والحياة، فهو سيد الأشياء لأنه خليفة الله في الأرض وهو متمرد لأنه مناط المعرفة، وهو هش لأنه مخلوق ضعيف، وهو ملتزم لأنه حر ومسؤول.
وما دام هذا هو الإنسان في جوهره الحقيقي، متردداً بين السيادة والأهلّية والضعف والإلتزام، فإن القرآن لم يتركه نهباً لرياح التناقض، ولكنه ملأ وعيه الإنساني بوصايا الحب وحكمة التفكير.
فالحب يتنوع في القرآن، من حب الإنسان لنفسه، أو للدنيا، أو لزوجه وأولاده، أو لوالديه، وما هذا الحب إلا مجمل حالات ذكرها القرآن الكريم نزوعاً إلى دفع الإنسان في طريق الدماثة والإنتماء وفتح حوار مستمر مع الأفكار الصائبة أو الجانحة وخلق حس إيماني يترقرق في وجدانيات مغلقة تُفتَح حسب الأهواء.
أما حكمة التفكير التي ملأ القرآن بها وعي الإنسان فتتجلى في الآيات الكريمة التي تفسر له موقفه من قوى الشر في العالم وتهمس في وعيه بضرورة أن يتأمل القضية على ضوء من العقل الباصر والذكاء النبيل.
ولأمرٍ ما كان الشيطان هو رمز الشر والهبوط في هذا العالم المائر، فهو المال إذا انحرف، وهو الجاه إذا تجاوز، وهو الجنس إذا اعتدى، وهو القبح إذا ساد، وهو الغباء إذا تجسد، وهو الحقد إذا اشتعل، وهو الفتنة اذا استشرت، وهو التحلل إذا شاع، وهو الإلحاد إذا تبجح، وهو الكفر إذا استفاض، هو هذه الأشياء كلها.
ومن قدر الإنسان على الأرض أن يكون في حاجة إلى المال، وأن يستعصم ببعض الجاه، وأن يمارس قضية الجنس، وأن يرى الجمال والقبح، وأن يحس الفطانة والغباء، وأن يواجه الصفاء والحقد، وأن يعيش الإستقرار والفتنة، وأن يشهد التماسك والتحلل، وأن يقرأ الإيمان والإلحاد، وأن يعاصر اليقين والكفر.
ومتى تكاملت للإنسان دائرتاه المائلتان في وصايا الحب وحكمة التفكير، كان في مأمن من انحداره الفاجع نحو الكراهية و الغباء وهما ألد أعداء الإنسان والإنسانية على السواء!
ولكن.. لماذا كل هذا الحرص القرآني على تأصيل قضية الحب وقضية التفكير في تربة الوجود الإنساني؟
إن فلسفة الرؤية القرآنية في هذا الصدد تنهض على أن الحب كلٌّ لا يتجزأ وأن التفكير كذلك هو الآخر كلٌّ لا يتجزأ، فإذا أحب الإنسان فإن حبه يبدأ من نقطة الإلتزام بتجريد الذات من ظلام الكراهية والحقد والإلتواء، إنطلاقاً من وضعيته الرسالية على الأرض بما هو مأمول لتطويع كل القوى المعادية والمعارضة لرؤيته العقائدية.
وإذا فكر الإنسان فإن تفكيره يبدأ من نقطة الوعي بالمادي وينتهي إلى الوعي بالعقلي، وهكذا يدفع القرآن الكريم بالإنسان إلى قضية الحب والتفكير دفعاً مؤسساً على فلسفة راشدة، لأن الإنسان بالحب يستطيع أن يحرك كل الكون في اتجاه الله وبالتفكير يستطيع أن يجعل من المعادلة الوجودية لساناً لاهجاً بتقريظ السماء.
ونعتقد اعتقاداً راسخاً وجازماً معاً بأن هذه الفلسفة القرآنية المعجزة في تناولها لمصطلح الإنسان تشكل منهجاً عقائدياً وسلوكياً وإجتماعياً ونفسياً وتاريخياً يضع المناهج الأرضية في أزمة دائمة، فهي تستخلص الإنسان من قبضة ذاته ومجالاته، وتضفي عليه ألواناً من الكمالات ومتى استشعر الإنسان هذه القضية صار على الفور صديقاً للحياة والأحياء، يقيم من بنائها ما تهدم ويرفع من راياتها ما سقط، ويضيء من مصابيحها ما أطفأته رياح الاحباط وعشوائية التخليط، وهذه هي غاية الخلق في الوجود الإنساني، بكل ما تحمل هذه الغائية النبيلة في أطوائها من عظمة الخالق وروعة المخلوق.

 

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى