الاستنزاف ينهك طهران!

خاص “المدارنت”
الحرب التي لا تنتهي قد تكون أخطر على إيران؛ من الحرب التي تنفجر دفعة واحدة.
بعد شهور من المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، لم يعد المشهد محكوماً بمنطق الحرب الشاملة أو التسوية السياسية، بل دخل الطرفان في منطقة رمادية تقوم على الضغط والاستنزاف وإدارة التصعيد.
ضربات عسكرية محدودة، وعقوبات اقتصادية، وتضييق على صادرات النفط، وتوتر في الملاحة ومضيق هرمز، واتصالات دبلوماسية متقطعة؛ كلها أدوات تشكل حرباً مختلفة، لا تبحث بالضرورة عن إسقاط الخصم سريعاً، بل عن إنهاكه تدريجياً ودفعه إلى تغيير حساباته.
وهنا تحديداً تكمن المعضلة الإيرانية. فطهران لا تستطيع الذهاب بسهولة نحو تسوية تعتبرها تنازلاً، ولا تستطيع في الوقت نفسه تحمّل مواجهة مفتوحة طويلة الأمد. وكلما اتسعت دائرة التصعيد، ارتفعت كلفة الحرب على اقتصاد يعاني أصلاً من التضخم، وتراجع قيمة العملة، وضعف القوة الشرائية، وتآكل الموارد.

المشكلة أن إيران لا تواجه أزمة خارجية منفصلة عن الداخل، بل أزمة خارجية تتقاطع مع هشاشة اقتصادية واجتماعية متراكمة.
قد تستطيع السلطة الإيرانية امتصاص ضربة عسكرية محدودة، وقد تتمكن من توظيف التصعيد في تعبئة المجتمع حول فكرة مواجهة العدو الخارجي. لكن الاستنزاف الطويل يعمل بطريقة مختلفة تماماً؛ لأنه ينتقل من ساحات القتال إلى حياة المواطن اليومية.
عندما ترتفع أسعار الغذاء والدواء والوقود، وتتراجع قيمة العملة، وتتقلص فرص العمل والدخل، تصبح الحرب جزءاً من الحياة اليومية، لا مجرد حدث عسكري بعيد.
وهنا يتحول الزمن إلى عنصر ضغط استراتيجي، فالولايات المتحدة قد لا تحتاج إلى خوض حرب شاملة إذا استطاعت الحفاظ على مستوى ضغط يجعل كلفة استمرار المواجهة ترتفع تدريجياً داخل إيران. وفي المقابل، فإن طهران تحتاج إلى إقناع الداخل بأنها قادرة على إدارة الأزمة دون تقديم تنازلات تُفسَّر باعتبارها هزيمة.
وهذا يضع القيادة الإيرانية أمام معادلة صعبة: التصعيد مكلف، والتراجع مكلف، والاستمرار مكلف.
أما مضيق هرمز، الذي يمثل إحدى أهم أوراق الضغط الإيرانية، فإن فعاليته تبقى مرتبطة بقدرة طهران على استخدامه دون تحويله إلى ذريعة لتصعيد أكبر أو تسريع البحث الدولي عن بدائل لمسارات الطاقة.
لذلك فإن المعركة المقبلة لن تُحسم بالضرورة في البحر أو الجو، وإنما في قدرة كل طرف على تحمّل الكلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للحرب.
إذا استطاعت طهران الحفاظ على تماسك اقتصادها ومؤسساتها ومجتمعها، فقد تتمكن من تحويل الاستنزاف إلى ورقة صمود تفاوضية. أما إذا تزامن الضغط الخارجي مع تراجع اقتصادي وتوتر اجتماعي وانقسامات داخل مراكز القرار، فإن الزمن قد يتحول من حليف إلى خصم.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي: من يملك القدرة على الانتظار أكثر؟

فالولايات المتحدة تراهن على أن الضغط المتراكم سيدفع إيران في النهاية إلى إعادة حساباتها، بينما تراهن طهران على أن كلفة التصعيد ستدفع واشنطن إلى التراجع قبل أن تصل الأزمة إلى نقطة الانهيار.
وبين الرهانين تستمر الحرب بلا نهاية واضحة. لكن التاريخ الاستراتيجي يقول إن الدول لا تُختبر فقط عندما تتعرض لضربة قوية، بل عندما تُجبر على تحمل ضغط طويل لا يمنحها فرصة لالتقاط الأنفاس.
ولهذا قد يكون الخطر الأكبر على طهران اليوم ليس أن تخسر معركة واحدة، وإنما أن تدخل حرباً طويلة لا تستطيع الانتصار فيها ولا تستطيع الخروج منها.
في هذه المعادلة، لا يكون الزمن مجرد عامل محايد، بل يصبح سلاحاً.



