رسالة من قلب المعارضة الإيرانية!

“المدارنت”
لا يمكن النظر إلى انتخاب “مهناز ميمنت” أمينة عامة جديدة لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية، باعتباره مجرد تطور تنظيمي داخلي. ففي لحظة يواجه فيها نظام ولاية الفقيه واحدة من أعمق أزماته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، يحمل هذا الانتخاب دلالات تتجاوز حدود المنظمة نفسها، لأنه يعكس استمرار المعارضة المنظمة في تجديد قيادتها، وإبراز دور المرأة في الصف الأول، وتأكيد حضورها في معادلة الصراع السياسي داخل إيران.
في 6 سبتمبر/أيلول 2026، وبمناسبة بداية العام الثاني والستين لتأسيس منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، جرى انتخاب مهناز ميمنت أمينة عامة جديدة للمنظمة، في تجمع شارك فيه أعضاء من سبع دول هي فرنسا وألمانيا وبريطانيا والسويد وسويسرا وهولندا وألبانيا. وتمت عملية الانتخاب عبر ثلاث مراحل من النقاش والتصويت، شملت أعضاء المجلس المركزي، ثم المسؤولين والكوادر، ثم أعضاء المنظمة القادرين على المشاركة.

أهمية هذه الآلية لا تكمن في تفاصيلها الداخلية فحسب، بل في رسالتها السياسية أيضاً. ففي مواجهة نظام يقوم على احتكار السلطة والولاء للمرشد وإقصاء المجتمع، تحاول منظمة مجاهدي خلق تقديم صورة مختلفة تقوم على تداول المسؤولية، والمشاركة الداخلية، واستمرار البناء التنظيمي رغم عقود من القمع والملاحقة.
وفي الجولة الأولى من التصويت، حصلت مهناز ميمنت على 56 في المئة من الأصوات، مقابل 24 في المئة لبدري بورطباخ، و20 في المئة لنرجس عضدانلو. وهذه النتيجة أظهرت أن انتخابها لم يكن خطوة رمزية، بل جاء في إطار عملية منظمة تعكس موقعها وتجربتها داخل الحركة.
ولدت مهناز ميمنت عام 1959 في طهران، وتعرفت إلى أفكار مجاهدي خلق خلال دراستها الجامعية. شاركت في التظاهرات ضد ديكتاتورية الشاه، ثم التحقت بالمنظمة بعد انتصار الثورة ضد الشاه. وواصلت دراستها في كلية الزراعة بجامعة طهران، قبل أن يؤدي إغلاق الجامعات في ما عُرف بـ«الثورة الثقافية» إلى قطع المسار الأكاديمي لجيل واسع من الطلاب الإيرانيين.
وعلى مدى العقود التالية، تدرجت ميمنت في مواقع تنظيمية متعددة. فقد أصبحت عضوة في الهيئة التنفيذية عام 1989، وتولت مسؤولية المكتب المركزي عام 1991، ثم أصبحت عضوة في مجلس القيادة منذ عام 1993، وعضوة في المجلس المركزي منذ عام 2014، ورديفة للأمينة العامة منذ عام 2021. ومن هنا يأتي انتخابها بوصفه ثمرة تجربة طويلة في العمل السياسي والتنظيمي، لا مجرد اختيار قائم على الرمزية النسائية.
غير أن دلالة هذا الانتخاب تصبح أوضح عند قراءته في سياق الأزمة الإيرانية الراهنة. فالنظام الإيراني يواجه تآكلاً متزايداً في شرعيته، وانهياراً اقتصادياً ينعكس على حياة المواطنين، وغضباً شعبياً واسعاً، وخوفاً واضحاً من دور المقاومة المنظمة ووحدات المقاومة داخل البلاد. وفي مثل هذا السياق، لا يبدو تجديد القيادة داخل المعارضة مجرد شأن داخلي، بل مؤشراً على استمرار الصراع بين سلطة تحاول إغلاق المجال السياسي، وقوة معارضة تعمل على الحفاظ على تماسكها وتنظيمها.
وتحمل سيرة مهناز ميمنت بعداً إنسانياً وسياسياً في آن واحد. فقد قُتلت والدتها أختر مولوي، وهي معلمة انضمت مع أبنائها إلى صفوف مجاهدي خلق، عام 1988 على يد قوات الحرس. كما أُعدم شقيقها مسعود ميمنت رمياً بالرصاص في سجن إيفين عام 1983 بعد أشهر من التعذيب، وأُعدم شقيقها الآخر محمود ميمنت خلال مجزرة عام 1988 في سجن جوهردشت. أما والدها عبد الله ميمنت، وهو قاضٍ سابق، فقد استقال من القضاء بعدما تحوّل، في عهد خميني، إلى أداة تابعة للسلطة، وقضى سنوات طويلة يبحث عن مصير أبنائه وقبورهم.
هذه الخلفية لا تُستخدم هنا لإضفاء بعد عاطفي على الحدث فقط، بل تساعد على فهم طبيعة المواجهة التي عاشتها هذه الحركة مع النظام الإيراني. فالقمع لم يستهدف أفراداً معزولين فحسب، بل حاول قطع الذاكرة التنظيمية والسياسية للمعارضة. ومع ذلك، فإن وصول شخصية تحمل هذه التجربة إلى موقع القيادة يعكس استمرار تلك الذاكرة، وتحولها إلى عنصر من عناصر الصمود السياسي.
وقد وصفت السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، مهناز ميمنت بعد انتخابها بأنها امرأة جمعت بين الديناميكية والروح الثورية والالتزام والمسؤولية المضاعفة من أجل حرية الشعب والوطن. وبصرف النظر عن اللغة التنظيمية لهذا التوصيف، فإن الرسالة السياسية الأوسع تكمن في إبراز دور المرأة داخل حركة معارضة تواجه نظاماً يقوم في بنيته القانونية والسياسية والاجتماعية على تهميش النساء وإخضاعهن.
ومن هذه الزاوية، لا يمثل انتخاب مهناز ميمنت مجرد انتقال في موقع قيادي. إنه مؤشر على معادلة أوسع داخل المشهد الإيراني: نظام يزداد اعتماداً على القمع كلما تعمقت أزمته، ومعارضة منظمة تواصل إعادة إنتاج قيادتها وخطابها رغم الضغوط الأمنية والسياسية المستمرة.

كما أن هذا الانتخاب يوجه رسالة إلى الخارج أيضاً. ففي وقت تُطرح فيه أسئلة كثيرة حول مستقبل إيران، ومخاطر الفراغ، وطبيعة البديل الممكن، تحاول المقاومة الإيرانية القول إن لديها بنية تنظيمية مستمرة، وآلية داخلية لتداول المسؤولية، وتجربة طويلة في العمل السياسي، وحضوراً نسائياً بارزاً في موقع القيادة.
في النهاية، تكمن رمزية انتخاب مهناز ميمنت في أنه يضع المرأة والتنظيم والاستمرارية في مواجهة نظام يقوم على الإقصاء والقمع. ولذلك، فإن هذا الحدث لا يخص منظمة مجاهدي خلق وحدها، بل يدخل في سياق أوسع يتعلق بسؤال المستقبل الإيراني: هل يبقى البلد رهينة سلطة دينية مغلقة، أم يتقدم نحو بديل ديمقراطي تكون فيه السيادة للشعب، وتكون فيه المرأة جزءاً أساسياً من صناعة القرار؟



