مقالات

“البريكست”.. زوبعة في فنجان!

فؤاد ضباغ/ تونس

تونس/ “المدارنت”..

منذ سنة 2016 إلي حدّ الآن، ما يزال مأزق “البريكست” الإقتصادي يشكل حدث الساعة، وما يزال أيضا مصيره مستقبليا علي حاله، و لا جديد يذكر في ذلك السياق، بحيث تبقي تلك المفاوضات الداخلية في البرلمان البريطاني، مجرد عمليات كرّ و فرّ، وتلاعب بالألفاظ لا أكثر و لا أقل.

من المعروف أنه من مجمل 28 دولة عضو بالإتحاد الأوروبي، كل دولة لها الحق الشرعي وفقا للمادة 50 من معاهدة لشبونة، بالإنسحاب الفوري من دون الإلتزام بشروط مسبقة تذكر، من ذلك الفضاء المتكتل في كتلة واحدة داخل القارة الأوروبية.

أما في المقابل فيعتبر إنضمام المملكة المتحدة البريطانية إلي الفضاء الأوروبي، هو عبارة عن مجرد تكتل في فضاء جمركي موحد، وفي سياسة مالية مشتركة، بحيث لا تعتمد عملة اليورو كعملة محلية، ولا تعتمد سياسة نقدية موحدة. فالدول التي تستعمل عملة اليورو كعملة موحدة عددها 19 دولة أوروبية، متكتلة في سياسة نقدية موحدة التي يسيرها البنك المركزي الأوروبي بفرنكفورت ألمانيا، بحيث تتدخل تلك السياسة مباشرة في الشؤون الإقتصادية الكلية والجزئيات البسيطة في المنظومة المالية والبنكية.

إجمالا، لا يشكل اليوم إنضمام بريطانيا للإتحاد الأوروبي إقتصاديا أهمية كبرى، نظرا لعدم إلزامه بتنفيذ تلك السياسات الإقتصادية، مما يجعل من ذلك الإتفاق المسمي “بالبريكست”، أو بالأحري “خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي” عقيما في محتواه، وفي أهدافه الإستراتيجية. إذ يعتبر ذلك التهويل الإعلامي والصحفي حدث سياسي مبالغ فيه، ووقع تضخيمه داخليا، مما سالت لتغطية حدثه كميات كبرى من الحبر، لا تستحق كثيرا من أجله، بحيث يعتبر في جوهره الإقتصادي مجرد زوبعة في فنجان فارغ.

وللتوضيح، تعتبر بريطانيا إقتصاديا ملزمة بتنفيذ السياسة المالية والجمركية الموحدة فقط، غير مجبرة علي تنفيذ السياسة النقدية بحيث لا تعتمد عملة اليورو، وغيرها من التفاصيل الدقيقة كالإحتياطي المركزي وتطبيق منظومة مالية ونقدية شاملة. فتغير الحكومة البريطانية من تيريزا ماي إلي بوريس جونسون، لم يغير من جوهر الموضوع كثيرا، وما يزال الإنسحاب قائما ومؤكدا مهما كان إختلاف عنوان الموضوع.

في هذا السياق، لم تختلف الأمور كثيرا في مداولات إتفاق “البريكست” سابقا، والعودة له مجددا داخل البرلمان البريطاني، حيث بقيت دار لقمان علي حالها.

أما بخصوص التلاعب بالمصطلحات السياسية، لا تشكل في حد ذاتها حدث سياسي أو إقتصادي، مما سرعت من عملية إسقاط حكومة تريزا ماي خلال منتصف سنة 2019، ثم إلى إسقاط الشرعية عن حكومة بوريس جونسون خلال هذا الشهر من سبتمبر 2019 و لبقاء في نفس دوامة الفنجان الفارغ، “الخروج عبر التصويت من قبول أو رفض إتفاق البريكست”.

في النتيجة، أصبحت تلوح في الأفق بوادر للإتجاه نحو إنتخابات عامة مبكرة، واللجوء إلى صوت المواطن البريطاني من اجل تقرير المصير “إما البقاء أو الخروج النهائي”. لكن تبقى أقرب “السيناريوهات” مهما كانت نتائج الإنتخابات المرتقبة في حالة تمسك البرلمان البريطاني بحجب الثقة عن حكومة جونسون، التي تعتبر “متوفية كلينكيا”، قبل بداية إشتغالها في مباشرة الخروج من الإتحاد الأوروبي عبر الطلاق بالتراضي.

في المقابل، فالتأثيرات المستقبلية علي الأوضاع الإقتصادية البريطانية لن تكون نتائجها ذات أضرار كبيرة، وفقا لرؤى خبراء الإقتصاد نظرا لقوة عملة “الجنيه الإسترليني”، مقابل سلة العملات الأجنبية بخاصة منها “اليورو و الدولار” في الأسواق المالية العالمية. فالإندماج في الفضاء الأوروبي لم يكن كليا منذ توقيع بريطانيا علي تلك إتفاقية الإنضمام، حيث إقتصرت فقط علي التمتع بإمتيازات المبادلات التجارية، وفقا للسياسة الجمركية الموحدة والمعاملات المالية المشتركة، عبر السياسة المالية الموحدة، حيث تم إستثناء أهم عنصر إقتصادي، وهي السياسة النقدية المشتركة.

الطلاق بالتراضي.. وعلي الرغم من تصويت مجلس اللوردات البريطاني علي قانون “يمنع الخروج بدون إتفاق”، و توقيع الملكة إليزابيث عليه، وتعليق عمل البرلمان لمدة خمسة أسابيع والتي لم تشهد أحداثه المملكة المتحدة، منذ قرابة أربعين سنة، والسعي إلى تأجيل “البريكست” من 31 أكتوبر 2019 إلى ما بعد ثلاثة أشهر إضافية. فإن بوادر عملية الطلاق بالتراضي أصبحت تلوح في الأفق، وهي تعتبر أقرب سيناريو للتنفيذ على أرض الميدان، نظرا لتشبث برلمان الإتحاد الأوروبي ببنود الإتفاق الذي أبرم في فترة حكومة تيريزا ماي، وأصبحت مبادرة رئيس الحكومة الجديد بوريس جونسون مجرد تجميل لذلك الإتفاق السابق، الذي لم يختلف محتواه مجددا، بل يعتبر هو نفسه بحيث وقع إعادة دعوة البرلمان مجددا من أجل التصويت عليه، وتمريره للدخول حيز التنفيذ عمليا.

كما أن تقديم رئيس البرلمان البريطاني جون بيركو إستقالته، لم يأتِ من فراغ، بل هو يؤكد مدي التخبط الداخلي التي تعاني منه الحكومة البريطانية الحالية، وذلك بين الرغبة في الخروج بإتفاق أفضل و العجز في الوصول للمبتغي، وعدم الرغبة في الخروج من دون إتفاق لا يحقق الطموحات الإقتصادية المستقبلية المرجوة. فتلك المماطلة من قبل أعضاء مجلس نواب الشعب البريطاني، من خلال رفض الإتفاق الحالي، والمطالبة بمزيد إبتزاز الإتحاد الأوروبي بتنازلات إضافية، والتي لا يرغب فيها هذا الأخير، يجعل من الثقة بين الطرفين هشة، و الإتفاق برمته علي حافة الهاوية.

بالتالي، يعني “شخص يريد الخروج بإتفاق أفضل، والشخص الآخر لا يرغب بالتنازل عن المزيد من الإمتيازات”، مما يجعل من ذلك الإتفاق أجوف و لا يمثل طموحات الطرفين فيما ترغب مستقبلا. أما بالنسبة للمشادة الكلامية بين حفيد تشرتشل عضو البرلمان البريطاني مع رئيس الحكومة، هو أيضا يعتبر مجرد زوبعة في فنجان فارغ، ومهما إختلفت الآراء فالتنفيذ سيكون واحد و المصير هو الخروج الحتمي و لو كان “بكف حنين فارغ”.

فحفيد رئيس حكومة بريطانيا السابق تشرتشل، لم يستوعب مقولة جده حينما قال يوما “لا يوجد عدو دائم أو صديق دائم – بل توجد مصالح دائمة”، وتلك المشادة الكلامية لم تكن في صالح الطرفين. فاليوم ذلك الإتفاق المصاغ بصيغته الحالية يعتبر الأفضل، والقابل للتصويت عليه ولتمريره نظرا لأهمية تلك التنازلات من طرف الجانب الأوروبي التي تحفظ تلك المصالح الدائمة، قبل الخروج المشرف أو إنحراف المسار التفاوضي وإنجرافه نحو الطلاق بالتراضي من دون الحصول على شئ يذكر والخروج المذل.

إن تعنت أعضاء البرلمان البريطاني بالرفض المستمر والمتواصل، للتصويت بنعم على إتفاق الخروج “البريكست”، لا يقدم و لا يؤخر من تلك الأحداث المعقدة والمتشعبة بطبعها بين مفوضية الإتحاد الأوروبي وبريطانيا بحيث ممكن أن يحول الأمور مستقبلا، نحو سحب الثقة عن حكومة بوريس جونسون، نظرا لتمسك حزب العمال و على رئسهم جريمي كوربن عبر تعطيل الشؤون الخارجية للحكومة البريطانية الحالية، والتوجه نحو إنتخابات مبكرة لعلها تحمل في جعبتها بعض الإمتيازات لحزب العمال، الذي سيكون هو بدوره طامع في الحكم، لكنه في المقابل سيكون حتميا في تلك الدوامة نفسها، وهي تقرير مصير الخروج من الفضاء الأوروبي المشترك ولو كان بالطلاق بالتراضي.

التأثيرات المستقبلية علي إقتصاد بريطانيا

يعتبر الإتحاد الأوروبي، ثاني قطب إقتصادي عالمي بعد الولايات المتحدة الأمريكية، نظرا لقوة السياسة النقدية و المالية الأوروبية، التي تعتمد علي عملة اليورو كعملة دولية قوية في المبادلات التجارية والمعاملات المالية. إذ يعتبر الإقتصاد الأوروبي قويا جدا في شتي المجالات، التي تعتبر في مجملها الشريان الحيوي لذلك الفضاء التجاري و المالي الحر.

أما في المقابل، فالإقتصاد البريطاني يعتبر بدوره جزءا قويا جدا في الإقتصاد العالمي، نظرا لأهمية المبادلات التجارية اليومية مع بقية دول العالم، أو أيضا نظرا لقوة العملة المحلية في الأسواق المالية العالمية، والتقارب في المصالح الدولية، مع أقوي قطب إقتصادي عالمي في الولايات المتحدة الأميركية، بحيث يدعم ذلك التحالف عبر قنوات الضغوطات العسكرية في الخارج بتقوية البنية التحتية للإقتصاد المحلي. إذ للتعريف بالمصطلحات الإقتصادية العميقة فالضغوطات العسكرية التي تقوم بها الولايات المتحدة الأميركية، بخاصة في منطقة الشرق الأوسط تعتبر جزءا لا يتجزأ من قوة الإقتصاد الأمريكي عالميا، بحيث يعتبر تقارب السياسات البريطانية مع الأميركية الدعامة الأساسية في تماسك ذلك الإقتصاد من أجل مجابهة أي أزمات.

أما بالعودة إلي تمرير إتفاق البريكست مجددا بعد إسقاط حكومة تيريزا ماي، فهي تعتبر مجرد مناورات سياسية للمطالبة بالمزيد من التنازلات من الطرف الأوروبي، تخص بعض الحوافز الجمركية وحركية الأشخاص خاصة في نطاق التوظيف، أو في بعض المعاملات المالية.

إجمالا، لن يتأثر الإقتصاد البريطاني كثيرا من الخروج المستقبلي من الإتحاد الأوروبي، الذي يعتبر في الأفق حتمي بالتصويت البرلماني أو الشعبي، نظرا لقوة البنية التحتية الإقتصادية البريطانية من تجارة مالية، والأهم من كل ذلك، هو الإستقلالية التامة للسياسة النقدية عن سياسة الإتحاد الأوروبي في فضائه الموحد الذي يعتمد علي آليات إستقرار الأسعار في الأسواق العالمية، وإعتماد نسبة تضخم مالي منخفضة لا تتجاوز 2% ومؤشر مركزي لا يتجاوز 4.25%.

في النتيجة، لا يعتبر الإقتصاد البريطاني ملزما بتنفيذ تلك القيود بحيث تعتبر سياساته النقدية، متحررة كليا من القيود الأوروبية، ولا تمثل له الخروج من الفضاء الجمركي والسياسة المالية، تغييرا كبيرا بحيث سيظل متماسكا وصامدا، وسيشكل قطبا إقتصاديا قوي جديد مستقبلا، متحالفا ماليا وتجاريا مع أقوى قطب إقتصادي عالمي، وهي الولايات المتحدة الأميركية، موازيا ومنافسا جديا للإقتصاد الأوروبي، بحيث تكون تلك التأثيرات على إقتصاده بعد “البريكست” محدودة جدا.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى