البلدان العربية المستباحة.. “الطغاة سبب الغزاة”

خاص “المدارنت”.. كتب د. أحمد حمّود
منذ أن كسر ترامب الإتفاق الأميركي/ الإيراني، بهدف إعادة النظر في حدود تقاسم النفوذ والمصالح، تتواصل بينهما الضربات التي يمكن تسميتها “رسائل متبادلة”، على الرغم من تميزها بالعنف والدموية، لأنها تجري ضمن إطار جولات التفاوض السرِّي بينهما، مباشرة وغير مباشرة.
وبعد كل جولة متعثرة من المفاوضات، يتم تبادل “الرسائل الدموية” بينهما، على حساب بلدان وشعوب المشرق العربي. وفي هذا السياق، تأتي عملية تصفية (قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني) قاسم سليماني، القائد العملياتي للمشروع التوسعي الإيراني، الذي كان يصول ويجول في بلداننا منذ زمن طويل، تحت سمع وبصر أميركا، بل، وبالتنسيق مع قواتها في أحيان كثيرة، تحت شعار محاربة الإرهاب.
وقبل تصفية سليماني، كانت “رسالةً” أميركيةً دمويةً أخرى سبقت ذلك، حيث قصفت القوات الأميركية عدة مواقع لميليشيات “حزب الله العراقي” التابعة لإيران، ردّاً على “رسائل” إيرانيةٍ عنيفةٍ، نفّذتها هذه الميليشيات ضد مواقع ومصالح أميركية، ودائماً على الأرض العربية. وضمن نفس إطار الصراع على حجم وحدود المصالح، كان (الولي الفقيه السيد) خامنئي والتابعين له، قد شيطنوا الثوار في لبنان والعراق، واتهموهم بالعمالة لأميركا، وكان سليماني بنفسه يشرف على قمع وقتل الثوار في العراق، ويتمنى لو كان يستطيع أن يفعل ذلك في لبنان.
وتأتي هذه التطورات، بعد تغلغل القوات التركية “وقوات سورية” تابعة لها في شمال سوريا، أيضاً تحت شعار مكافحة الإرهاب، بحيث ضاعفت تركيا مساحة نفوذها بالتنسيق الكامل مع ترامب وبوتين. وكان قد سبق ذلك قرارات أردوغان بفتح قواعد في قطر والصومال، ثم تبعه إرسال مئات المرتزقة التركمان والسوريين الى ليبيا.
ويجدر بالذكر أيضاً، دور تركيا مع غيرها من الدول والأجهزة الأمنية، في عسكرة وشرذمة قوى الثورة السورية، ضمن حدودٍ صارمة لنوعية التسليح، بحيث بقيت هذه القوى مرتهنة للقرارات الخارجية، وغير قادرة على تحقيق أيّ إنجازات نوعية في الميدان. وما كان التغلغل التركي حمايةً لشمال سوريا، كما يتوهم البعض، وإنما، تحقيقاً لمصالح تركيا، أقلّها بإبعاد خطر الأكراد، ومنها وضعُ يدها على مناطقٍ تطمعُ بضمّها الى لواء إسكندرون، الذي تخلى عنه المستعمر الفرنسي لصالحها عام 1939/1938م.
وفي كلا المشروعين، الإيراني والتركي، يُسجَّلُ استغلال الدين، بل المذهب، من اجل استقطاب العرب، وتمويه حقيقة أن لكلٍّ منهما مصالحه التي لا علاقة لها بالدِّين، إذ كلٌّ منهما يستهدف إحياء إمبراطوريته، الفارسية لإيران، والعثمانية لتركيا!
أما ما حصل في سوريا من تحوّلٍ في طبيعة الصراع – من انتفاضة شعبية ثورية ضد نظام استبدادي فاسد الى احتلالات أجنبية متعددة – لم يكن ليحصل لولا أن تقاطعت مصالح أميركا وروسيا وفرنسا والصين وإيران وتركيا والعدو الإسرائيلي و… والمرتزقة والميليشيات التابعة لإيران. فنتج عن هذا التقاطع إجهاض الثورة، وإبقاء عصابة الأسد في السُلطة، على الرغم من أن روسيا هي الفاعل الأساسي، الذي لم يتورع عن احتلال سوريا تعويضاً لخسارة نفوذه في ليبيا والعراق.
والأسوأ والأخطر من كل ذلك، أن كل الأطراف الخارجية، سعت وتسعى الى تنفيذ مآربها، عبر استغلال دماء الكثير من شبابنا وأهالينا! لماذا؟ لأن “الطغاة سبب الغزاة”، أي لأن بلداننا ابْتُليَت منذ عقود طويلة بأنظمة استبدادية فاسدة مفسدة، وبأحزابٍ ونخبٍ أقلّها فاشلة، إن لم تكن متواطئة أو تابعة، بل عميلة لهذه أو لتلك من القوى الخارجية!
وهكذا، فكلٌّ من أميركا وروسيا وإيران وتركيا، لا يخفي افتخاره “بنفوذه ومكاسبه وانجازاته”، على حساب بلداننا ودمائنا وثرواتنا. هذا، في حين أن الطغم العربية المستبدة الفاسدة تفخر ببقائها أو بعودتها الى سدّة الحكم، على الرغم من موجتي “الربيع العربي”، وباستمرار نهبها لثروات بلداننا، وتبعيتها للقوى الخارجية، وسدّها لأي أفق تغييري، ومواصلة إهمالها لقضايا وحقوق ومطالب الانسان العربي. أما الأحزاب والقوى والنخب التابعة للخارج وبخاصة لإيران، فإنها تفخر بتبعيتها وبتنفيذها للأجندات الخارجية، ضد وجود ومصالح وثروات أوطانها، بما في ذلك، زَعْمُ أدوات إيران أن ما يفعلونه هو ضمن إطار “المقاومة”، ومن أجل “تحرير القدس”!
والآن، بعد تصفية قائد ما يُسمى “بفيلق القدس”، الذراع الضاربة لمشروع الهيمنة الإيرانية، يتساءل الكثيرون عن ردّة فعل إيران وأدواتها، بخاصةً وأن هذه العمليات، على الرغم من عنفها ودمويتها، تأتي في سياق مفاوضاتٍ بين طرفين يشتركان بصفة “البراغماتية” في سياساتهما الخارجية. وعليه، بعد تصريح (الرئيس الأاميركي دونالد) ترامب البراغماتي عن ضرورة التفاوض، هل البراغماتية الإيرانية ستجعلها تنحني أمام العاصفة، فيعود الطرفان لاستئناف المفاوضات؟ وإذا ما عاد الطرفان الى التفاوض، هل سيكون الاتفاق المحتمل تقاسماً جديداً للنفوذ والمصالح، ودائماً على حساب بلداننا وشعوبنا؟
وبعد، لا شك أن من الأسباب التي تدفع الى الغضب، وتحرّض على الثورة، بقاء أوطاننا “مكسر عصا” للقاصي والداني، وبقاء بلداننا مستباحة والكثير من شعوبنا حطباً لنار ومآرب المشاريع الخارجية! ولا شك، أنه يؤلمنا بل يمزّقنا، إزهاق دماء آلاف مؤلفة من الشباب من لبنان وسوريا والعراق واليمن وغيرها، دفاعاً عن الاستبداد والفساد، وخدمةً لأجندات أميركا وروسيا وإيران وتركيا وغيرها. فهل ستبقى القوى الخارجية تستبيح بلداننا، بتواطوء أو مشاركة أو صمت الطغم العربية الحاكمة ؟!
ان الجواب يرتبط بالضرورة بفاعل أساسي، عاد الى ميدان صناعة التاريخ منذ 2010\2011، ألا وهو الشعوب، حيث دشّنت نارُ محمد البوعزيزي مرحلةً تاريخية جديدة واعدة، مهما تعقدت العراقيل، وتعَدَّدَ الأعداء، وتكاثرت حملات التشكيك والتيئيس والشيطنة والإرعاب والحروب المدمّرة. فها هي القوى الشعبية، من السودان الى الجزائر الى العراق الى لبنان، وبخاصة الشّابّات والشّبّان، تؤكد بخروجها الثوري العفوي وسيطرتها على الميادين العامة، أنها لم ولن تستسلم، ولن تتراجع في مسيراتها التحررية مهما كانت التضحيات وغلا الثمن.
وهذا، ما يقضّ مضاجع سلطات وقوى الاستبداد والفساد وأسيادهم أعداء الخارج، الذين لن يتخلّوا طوعاً عمّا نهبوه وراكموه من نفوذ وسلطات ومكاسب وثروات وممتلكات. وبالتالي، لا بدّ من إرغامهم عبر مواصلة وتصعيد ضغوط الحشود الشعبية، بحيث تشمل كل المواقع، ومن دون هوادة، إشغالاً للقوى الأمنية وتشتيتاً لها، منعاً لاستفراد وعزل الثوار تمهيداً لضربهم.
ومع تواصل وتطور موجة الربيع العربي الثانية، لا بد من الإعتراف بحقيقة، أن الأجيال السابقة منذ سبعينيات القرن العشرين، فشلت في النهوض والتغيير والتقدم. لكنها، بقصد أو من غير قصد، زرعت بذور الوعي والثورة، التي اعتملت موضوعياً في النفوس وتفاعلت مع العلوم والتقنيات الحديثة، فأثمرت خروج الشعوب الى ساحات الفعل الثوري. وبشكل خاص، تقدّم الشُّبان والصبايا، على الرغم من ضعف خبراتهم السياسية، بوعيهم وشجاعتهم وحيويتهم، فحملوا المشعل، وفتحوا باب التغيير على مصراعيه، باتجاه الحرية والسيادة والديموقراطية والعيش الكريم. و… “إنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ، [الرعد:11].
=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=



