مقالات

الترك يرد على “الشراع”: منطق “السيادة تحت النار”.. تفكيك خطاب رفض إطار التفاهم

مصطفى الترك/ فرنسا

خاص “المدارنت”
يحاول مقال: “وليد بركات: “إطار التفاهم الأميركي/ الإسرائيلي: فخّ المناطق التجريبية وثمن السيادة” في موقع الشراع”، تقديم إطار التفاهم الأميركي/ الإسرائيلي، كأنه مشروع وصاية هدفه تفكيك لبنان وإخضاعه، لكنه يبني موقفه على سلسلة من الافتراضات التي تحتاج إلى نقاش جدّي، لأن الخطر على لبنان، لا يأتي فقط من شروط أي اتفاق، بل أيضاً من استمرار واقع جعل الدولة والمجتمع يدفعان ثمن صراع مفتوح بلا أفق.

أولاً، يصف المقال فكرة “المناطق التجريبية”، وكأنها خطة لإشعال مواجهة داخلية بين الجيش وأهالي الجنوب، لكنه يتجاهل السؤال المركزي: كيف يمكن للدولة أن تستعيد دورها الكامل إذا بقي قرار الأمن والسلاح موزعاً بين مؤسسات رسمية وقوى خارج إطار الدولة؟
المشكلة ليست في انتشار الجيش اللبناني، ولا في تعزيز قدرته، ولا في أن يصبح هو المرجعية الوحيدة لحماية المواطنين. المشكلة الحقيقية أن لبنان لا يستطيع بناء دولة مستقرة فيما يبقى الجنوب مرتبطاً بمعادلات إقليمية تتجاوز القرار اللبناني.
أما تصوير تدقيق قدرات الجيش أو أي آلية رقابة دولية على أنها انتقاص من السيادة، فهو يتجاهل أن الدولة التي تريد استعادة ثقة مواطنيها والمجتمع الدولي تحتاج إلى جيش موحد، وقرار أمني واضح، ومؤسسات قادرة على فرض القانون على كامل الأراضي اللبنانية.

ثانياً، يطرح المقال معادلة “الأرض مقابل السلاح” وكأنها شرط إسرائيلي مستحدث، متجاهلاً أن جوهر القرارات الدولية السابقة، ومنها القرار 1701، قام على مبدأ أساسي: حصر السلاح بيد الدولة وانتشار الجيش اللبناني جنوباً.
المسألة ليست هل لبنان يريد الدفاع عن نفسه أم لا، بل كيف يدافع عن نفسه بطريقة لا تجعل شعبه رهينة دورة جديدة من الحروب. فالسلاح الذي يُقدَّم باعتباره ضمانة أبدية للردع يجب أن يُسأل أيضاً عن كلفته: هل أدى إلى قيام دولة أقوى؟ هل منع لبنان من الانهيار؟ أم جعل البلد يدفع أثماناً بشرية واقتصادية واجتماعية هائلة؟
والسؤال الذي غاب عن الكاتب ليس فقط: ماذا فعل هذا السلاح في مواجهة إسرائيل؟ بل أيضاً: ماذا كانت وظيفته عندما توسعت ساحات استخدامه خارج الحدود اللبنانية؟
ماذا فعل هذا السلاح بعد حرب إسناد غزة؟ هل أدى إلى حماية لبنان من تداعيات الحرب، أم جعل لبنان جزءاً من مواجهة إقليمية لم يكن يملك قرار الدخول فيها؟
وماذا كانت وظيفته في حرب إسناد إيران؟ هل عزز مناعة الدولة اللبنانية، أم كرّس أكثر ارتباط القرار اللبناني بصراعات المنطقة؟
والسؤال الأكثر حساسية: ماذا فعل هذا السلاح في سوريا؟ هل كان استخدامه هناك جزءاً من حماية لبنان، أم نقل لبنان إلى صراعات خارجية وزاد الانقسام الداخلي وكلفة الدولة والمجتمع؟
القضية ليست إنكار تاريخ أي قوة أو دورها في مراحل معينة، بل تقييم المسار كاملاً. فالسلاح الذي يُطرح كضمانة للبنان يجب أن يُقاس ليس فقط بما منعه في لحظة معينة، بل أيضاً بما نتج عنه، وبما إذا كان قد ساعد على بناء دولة قادرة أم أبقى لبنان في حالة استنفار دائم.

ثالثاً، يقول المقال إن التخلي عن السلاح يعني فقدان “ورقة القوة الوحيدة”. لكن هذه الفكرة تختصر مستقبل لبنان بخيارين فقط: السلاح أو الاستسلام. وهذا تبسيط غير دقيق.
هناك خيار ثالث: دولة قوية، جيش قوي، قرار وطني موحد، وضمانات تمنع الاعتداء على لبنان. الدول لا تحمي نفسها فقط بقدرتها على الرد بعد وقوع الخطر، بل بقدرتها على منع تحويل أرضها إلى ساحة صراع دائم.

رابعاً، يتحدث المقال عن الوصاية الدولية وكأن أي دور خارجي هو انتقاص من السيادة، لكنه يتجاهل أن لبنان نفسه لجأ في مراحل كثيرة إلى دعم دولي عندما عجزت مؤسساته عن معالجة أزماته.
القضية ليست وجود طرف دولي من عدمه، بل قدرة لبنان على إدارة علاقاته بما يخدم مصلحته. فالدولة القوية لا تخشى الدعم الخارجي لأنها تمتلك قرارها، أما الدولة الضعيفة فتبقى ساحة لتجاذب الآخرين.

خامساً، يغفل المقال الجانب الأهم: كلفة استمرار الصراع على الناس. أهل الجنوب ليسوا مجرد ورقة في معادلات الردع، بل مواطنون يريدون العودة إلى بيوتهم، إعادة بناء حياتهم، وتأمين مستقبل أبنائهم.
لا يمكن مطالبة الناس بتحمل حروب متكررة تحت عنوان “الكرامة” فيما الدولة عاجزة عن حماية اقتصادها وخدماتها واستقرارها. كرامة المواطن ليست فقط في القدرة على المواجهة، بل أيضاً في أن يعيش آمناً داخل دولة تحميه.
لبنان لا يحتاج إلى اتفاق ينتقص من سيادته، لكنه أيضاً لا يستطيع أن يجعل من بقاء الحرب احتمالاً دائماً عنواناً للسيادة.
السيادة ليست أن يمتلك لبنان قدرة الرد بعد وقوع الكارثة، بل أن يمتلك القدرة على منع الكارثة قبل وقوعها. والدولة التي لا تملك قرار الحرب والسلم لا تملك كامل سيادتها.
الجنوب ليس بحاجة إلى أن يكون ورقة في يد أي محور، بل بحاجة إلى أن يصبح جزءاً من دولة قوية لا يستطيع أحد تجاوزها.
فلبنان لا يُحمى بتحويله إلى جبهة مفتوحة، بل بتحويله إلى دولة.

طار التفاهم الأميركي-الإسرائيلي:
فخّ المناطق التجريبية وثمن السيادة

أولاً: ما هو الإطار المطروح؟
يقوم الإطار على ثلاثة أركان كشفت عنها المفاوضات المباشرة بين الوفد اللبناني والإسرائيلي بواشنطن:
“المناطق التجريبية”: انسحاب إسرائيلي جزئي من أراضٍ جنوب الليطاني، تُسلّم إلى الجيش اللبناني بعد “تدقيق أميركي” لقواته للتأكد من عدم ارتباطها بحزب الله.
نزع السلاح شرط الانسحاب: تشترط إسرائيل “تجريد حزب الله الكامل من سلاحه” وتفكيك بنيته شمال الليطاني، مقابل أي انسحاب إضافي.
حق الرد المفتوح: منح الجيش الإسرائيلي صلاحية الرد فوراً على أي هدف يعتبره “تهديداً” في الجنوب، وباقي لبنان إذا لم يتحرك الجيش اللبناني.

ثانياً: أين تكمن المخاطر على لبنان؟
خ “التجريب” وتمزيق الوحدة الوطنية
حزب الله أعلن رفضه القاطع لـ”أي مناطق تجريبية شمال الليطاني”، وحذّر من “لا تطبيع، لا إلغاء حالة عداء، لا مكاسب لإسرائيل”. والسبب واضح: الهدف من “التجريب” ليس السلام، بل خلق احتكاك مباشر بين الجيش اللبناني وأهالي القرى والمقاومة، لتحويل الجنوب إلى ساحة اقتتال داخلي تحت شعار “بسط سلطة الدولة”.

ابتزاز السيادة: الأرض مقابل السلاح
تربط إسرائيل انسحابها بـ”تجريد كامل”، لكنها ترفض في الوقت ذاته الانسحاب من “مناطق الحاجز العازل” حتى لو طلب ترامب ذلك. أي أننا أمام صفقة: سلّم سلاحك أولاً، وقد لا نُسلّمك أرضك لاحقاً. وهذا ما أقرّ به دبلوماسيون لبنانيون: “الوفد اللبناني غير قادر على انتزاع أي وعود أو التزامات من إسرائيل بالانسحاب أو وقف النار”.

تحويل الجنوب إلى وصاية دولية مشروطة
الاتفاق يشترط عودة النازحين وإعادة الإعمار فقط بعد “تفتيش الجيش ونزع السلاح”. بمعنى آخر، تُصبح عودة أهالي جبل عامل ، مرهونة بقرار أميركي-إسرائيلي، وليس بقرار لبناني سيادي. وهذا امتداد لمسودة أيار التي أقرت أن “حزب الله عدو لبنان”.

فصل لبنان عن معادلة الردع الإقليمية
الاعتراف الإيراني بأن “لبنان جزء لا يتجزأ من الاتفاق” وضرورة انسحاب إسرائيل، يراد له أن يُستبدل بـ”خلية تنسيق” تُخرج طهران من المعادلة، وتُبقي تل أبيب لاعباً حراً بالجو والبر. وهذا بالضبط ما قصده نتنياهو حين وصفه بأنه “ضربة لإيران وحزب الله”.

ثالثاً: هل هو لمصلحة لبنان؟
الجواب: مصلحة مؤقتة في وقف القصف، وخسارة استراتيجية في السيادة.

نعم، لأهالي الجنوب حقّ في العودة الآمنة ووقف نزيف الدم. ولكن ليس بثمن تحويل الجيش اللبناني إلى قوة “مدققة أميركياً” معزولة عن بيئتها، وليس بثمن تسليم ورقة القوة الوحيدة التي منعت إسرائيل من احتلال ما بعد الليطاني منذ 2006.

إن أي اتفاق يُبنى على شرطين: انسحاب إسرائيلي كامل وغير مشروط إلى حدود 2000، وقرار لبناني جامع يحدد مصير السلاح. أما ما يُعرض اليوم فهو “هدنة تحت الوصاية”، وليس “سلاماً تحت السيادة”.

تعلمنا من التجارب أن “الوطن لا يُبنى بالتنازل عن الكرامة”. وإن قبول إطار يربط عودة أهلنا بنزع سلاح المقاومة، ويفتح الباب لـ”حق إسرائيلي بالرد” على أي قرية جنوبية، هو تنازل عن الكرامة قبل أن يكون تنازلاً عن الأرض.

نحن مع الدولة، مع الجيش، مع سيادة لبنان الكاملة. ولكننا ضد تحويل لبنان إلى “ساحة تجريب” أميركية-إسرائيلية لتفكيك معادلة الردع، ثم تركه وحيداً أمام الاحتلال.
لبنان ليس للتجربة. وجنوبه ليس لاختبار النوايا.
فإما انسحاب كامل… أو لا تفاهم على أشلاء السيادة.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى