مقالات

التضامن الإسلامي.. عقيدة وضرورة

الشيخ د. حسّان مُحيي الدين/ لبنان

خاص “المدارنت”..
“إنما المؤمنون إخوة”.. يعرف المؤمنون، منذ عرفوا دينهم وعقيدتهم أنهم (إخوة)، هم كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضاً، وهم كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.
ويعرف المؤمنون، منذ عرفوا دينهم وعقيدتهم أنهم (أمة)، بل هم “خير أمة أخرجت للناس”،
ويعرف المؤمنون، منذ عرفوا دينهم وعقيدتهم أن بعضهم من بعض وأن بعضهم أولياء بعض،
ويعرف المؤمنون حق المعرفة أن (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله)،
ويعرف المؤمنون من أحكام شريعتهم أن امرأة مسلمة إذا سبيت بأقصى المشرق كان المسلمونَ في أقصى المغرب مسؤولين عن تخليصها، كالمرأة التي واجهت عدوان الروم العلوج، فصاحت مناشدةً (وامعتصماه)، فأجابها الخليفة عبر الوهاد والهضاب والجبال والوديان، بجيشٍ عرمرمٍ (لبيكِ يا أختاه).
المؤمنون، يعرفون أن تضامنهم هو عقيدة دينية، ولُحمة إجتماعية، وقد أصبح ضرورة حيوية ليدفعوا عن أنفسهم هجمات التحالف العدواني من قوى متعددة يستحثها الشيطان بينهم لينهش بعضهم بعضاً، إستكباراً في الأرض وفسادا، ليطغى كلٌّ منهم على الآخر ويستأثر بزعامة فانية.
إن تضامن المسلمين، ليس أمراً إختيارياً، بل هو عقيدة دينية وضرورة حيوية ليدفعوا عن أنفسهم هجمات التحالف العدواني، لأن دول العالم المعاصر، على اختلاف مواقعها الجغرافية والثقافية والإيديولوجية ترى لا عاصم لها إلا بالتكتل والتضافر في عالم اليوم، وخصوصاً، الدول الرأسمالية والصناعية الكبرى، مهما اختلفت فيما بينها، فإنها تقدر أن المارد النائم (الإسلام)، هو العدو الحقيقي، ويجب أن يبقى نائماً، والعمل على التشتيت والتفريق بين شعوبه، مع العلم، أن نعمة الله على الإسلام كبيرة، فهو عالم كبير تخطى البحار والمحيطات، بلغات شتّى، وشعوب شتّى، وأمم شتّى، أراضيه شاسعة واسعة مميزة بالخيرات وكنوز الأرض المتنوعة، لها ميزات مالية وإقتصادية واستراتيجية، فهل نعي حقيقةً هذه الأمانة العظمى ونؤدي الرسالة المثلى؟
لقد تعرض الإسلام كعقيدة، في أنحاء متعددة لعدوان ضروس من قوى متعددة، وابتليت الأمة، مع الأسف الشديد ببلاء عظيم، فقدت الكثير من شعوبها، ولكن هذه الأمة الواحدة إذا اعتصمت بحبل الله المتين جميعاً واستمسكت بعروته الوثقى التي لا انفصام لها، تؤلف ثروة بشرية هامة، تتحكم في ثروة مادية عريضة من الرقعة والمواد.
والشعوب الإسلامية طموحة إلى تحقيق مصالحها المعنوية والمادية، وإنها لأقدر على تحقيق طموح كل منها بالتعاون والعمل الجماعي على المستوى الواسع العريض في مجالات إنتاج الخدمات، وفي مقتضيات السلم والحرب، وإن التناصح والتشاور والتآزر في الرأي والعمل وفي التخطيط والتنفيذ، لأقوم ببلوغ العناية للكل والجزء على حد سواء، فالشعوب الأوروبية والأميركية، على سبيل المثال، بينها تباين كبير، مهما توحدت الأهداف بالإنقضاض على الإسلام، وتناحر قومي موروث وتنافس رأسمالي، وتناقض ثقافي، ورغم ذلك فهي واعية كل الوعي بتحقيق مصالح كل منها في ظل التجمع والتكتل، والمسلمون أحوج لمثل هذا الوعي ليدفعوا عن أنفسهم خطر الذوبان والضياع إزاء التكتلات العالمية بطاقاتها الجبارة الساحقة، ليحققوا الثمار المعنوية والمادية للتجمع بالنسبة لكل فرد من الأمة وللأمة كافة…
إن التعاون بين المؤمنين يعزز المصالح الوطنية لكل دولة ولا يصادمها أو يلغيها، فتعاونهم فيما اتفقوا عليه وعذرهم فيما اختلفوا عليه، نهجٌ تنظيمي وأخلاقي، يحد من الخلافات والأطماع بينهم، فهناك مجالات فسيحة للتعاون المثمر، لأجل السير قُدُماً في التنمية الإقتصادية والإجتماعية والتعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا والخدمات الصحية، وتبادل المنتجات والخدمات والخبرات والأيدي العاملة، وتنشيط السياحة، وعلى الأمة الإلتزام بأحكام الإسلام ووجوب ذلك على الحكام والشعوب، لأن التضامن الإسلامي بأصوله ومنطلقاته وقيمه لا يمكن أن يكون عدوانياً، وإنما يطلق طاقة إيجابية بناءة.
فالإسلام يتطلع إلى أن يعين تضامن دوله على دراسة واقعه ومشكلاته دراسة علمية دقيقة تعين على معالجة الواقع والتخطيط للمستقبل على هدى الإسلام وعلى أساس من تضامن شعوبه ودوله، إن الشعوب الإسلامية لترنو إلى محكمة عدل إسلامية تصلح بين الأخوين عند التنازع بالنصيحة الهادية أو التحكيم المخلص، أو القضاء الحاسم الصحوب بالعقوبات الملائمة، ولا يجتمع على مثل هذه الغاية الجليلة في واقعنا القائم، إلا وتختلف الآراء ووجهات النظر والإجتهادات، فعلينا أن لا نتسرع في اتهام انفسنا وهدم ذواتنا، وما أولى وأحرى بنا أن نعالج هذه الإختلافات، ونحدد نطاقها ونحاول حلّها وفقاً لهدى الإسلام الرشيد ومنهجه القويم.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى