مقالات

التفكيـر العلمي.. وواقعنا كأمة.. (1/ 2)

د. محمد الحسامي/ اليمن

خاص “المدارنت”..
كلنا نعلم ونعرف بأن التفكير العلمي، سواء ذلك المرتبط بالتخصصات العلمية للعلوم التطبيقية (طبية وكيميائية وفيزيائية..إلخ). أو ذلك المرتبط بالعلوم النظرية الإنسانية (علم الاجتماع والنفس والسياسة..إلخ)، هو أساس تقدم ورقي المجتمعات والشعوب والأمم المتحضرة والمتقدمة، فبدون التفكير العلمي تظل تلك المجتمعات والشعوب والأمم متخلفة وجاهلة، ولا يمكن لها بأن تصل إلى ما وصلت إليه تلك المتحضرة والمتقدمة التي اعتمدت التفكير العلمي كأساس جوهري لتحضرها وتقدمها، وفي جميع المجالات والمناحي الحياتية المختلفة لها،..إلخ.
حيث أن تلك المجتمعات والشعوب والأمم المتخلفة والجاهلة يسيطر عليها، وعيا وسلوكا وتصرفا وممارسة حياتية يومية،التفكير الخرافي كبديل وحيد للتفكير العلمي، وما لم تأخذ بالتفكير العلمي كسبيل وحيد لكي تتخلص من التخلف والجهل فإنها سوف تظل قابعة في قعر التخلف والجهل، وتكون عالة على غيرها من تلك المجتمعات والشعوب والأمم المتحضرة والمتقدمة..إلخ
وإننا إذا نظرنا إلى واقع أمتنا الحالي، وبعيدا كل البعد عن التعصب، وبحيادية تامة،لوجدنا أن واقعها الحالي هو واقع التخلف والجهل، بصفته المركبة وحتى المقدسة، وما ذلك إلا لأن التفكير الخرافي هو المسيطر على واقعها،وعيا وسلوكا وتصرفا وممارسة حياتية يومية، والمسير له والمتحكم به،ولن يكون بإستطاعتها التخلص والتحرر والخلاص من ذلك التفكير الخرافي إلا باعتماد التفكير العلمي كأساس لها وفي جميع المجالات الحياتية المختلفة لها، كبديل وحيد وأوحد للتفكير الخرافي،..إلخ.
حيث أن «العِلمُ مَعرِفةٌ تَراكُمِيَّة. ولَفظُ «التَّراكُمِية» هَذا يَصِفُ الطَّرِيقةَ التي يَتطوَّرُ بِها العِلْم، والتي يَعلُو بِها صَرْحُه؛ فالمَعرِفةُ العِلْميةُ أَشْبهُ بالبِناءِ الذي يُشيَّدُ طابَقًا فَوقَ طابَق، معَ فارِقٍ أَساسِيٍّ هُو أنَّ سُكَّانَ هَذا البِناءِ يَنتقِلُونَ دَوْمًا إلَى الطابَقِ الأَعْلى؛ أيْ أنَّهُم كُلَّما شَيَّدوا طابَقًا جَدِيدًا انْتَقلُوا إلَيْه وتَركُوا الطَّوابِقَ السُّفْلى لتَكونَ مُجرَّدَ أَساسٍ يَرتكِزُ عَلَيه البِناء.»
ف”بَينَما يَقفُ العالَمُ العَربيُّ(وللأسف الشديد )على أَعتابِ التَّفكِيرِ العِلمِيِّ مُتسائِلًا حَولَ جَدْوى تَطبيقِه، يَشهَدُ الغَربُ تَقدُّمًا حَضارِيًّا هائِلًا هُو نِتاجُ اعتِمادِهِ عَلى التَّفكيرِ المُنظَّمِ والمَنهَجيِّ منذُ أكثرَ مِن أربَعةِ قُرُون؛ لِذا فإنَّنا لَن نَستَطيعَ أنْ نَضمَنَ بَقاءَنا المُستقبَليَّ ما لمْ نَتَبَنَّ هَذا التَّفكِير. مِن هَذا المُنطَلَقِ يَدعُو «فؤاد زكريا» إلى ضَرُورةِ أَن يَحتلَّ التَّفكيرُ العِلميُّ مَكانةً كَبيرةً لَيسَ فقَطْ بَينَ المُشتَغِلينَ في التَّخَصُّصاتِ العِلمِيَّة، بَلْ بَينَ عامَّةِ النَّاسِ في مِساحاتِ الحَياةِ اليَومِيَّة كَذلِك.”
حيث أن هذا التفكير في هذا الكتاب “هو ذلك النوع من التفكير المنظم ، الذي يمكن أن نستخدمه في شئون حياتنا اليومية أو في النشاط الذي نبذله حين نمارس أعمالنا المهنية المعتادة ، أوفي علاقاتنا مع الناس ومع العالم المحيط بنا وكل ما يشترط في هذا التفكير هو أن يكون منظما ، وأن يبنى على مجموعة من المبادئ التي نطبقها في كل لحظة دون أن نشعر بها شعورا واعيا”
“هذا النوع من التفكير هو ذلك الذي يتبقَّى في أذهاننا من حصيلة ذلك العمل الشاق الذي قام به العلماء — وما يزالوا يقومون به — من أجل اكتساب المعرفة والتوصُّل إلى حقائق الأشياء؛ فبناء العلم يعلو طابقًا فوق طابق، وكل عالم يُضيف إليه لبنةً صغيرة، وربما اكتفى بإصلاح وضع لبنة سابقة أضافها إليه غيره من قبل، ولكن الأغلبية الساحقة من البشر لا تَعرف تفاصيل ذلك البناء، ولا تعلم الكثير عن تلك الجهود المضنية التي بُذِلَت حتى وصل إلى ارتفاعِه هذا، وهي تكتفي بأن تستخدمه وتنتفع منه، دون أن تعرف إلا أقل القليل عن الطُّرق المُستخدَمة في تشييده، وهذا أمر طبيعي لأنَّ العلم قد تحوَّل — على مر العصور — إلى نشاط يزداد تخصُّصًا بالتدريج ولا تقدر على استيعابه إلا فئة من البشر أَعَدَّت نفسها له إعدادًا شاقًّا ومعقَّدًا. ولكن هل يعني ذلك أن جمهرة الناس لم تتأثَّر بشيء مما زوَّدها به العلم فيما عدا تطبيقاته؟ وهل يَعني أن العلم لم يترك أثرًا في أيّ عقول فيما عدا عقول العلماء المشتغلين به؟ الواقع أن العلم — وإن كانت تفاصيله وأساليبه الفنية مجهولة لدى أغلبية البشر — قد ترَك في عقول الناس آثارًا لا تُمْحَى، أعني أساليب معيَّنة في التفكير لم تكن ميسورة للناس قبل ظهور عصر العلم، وكانت في المراحل الأولى من ذلك العمر مختلطة بأساليب أخرى مُضطربة مشوَّشة وقفَت حائلًا دون نمو العقل الإنساني وبلوغه مرحلة النُّضج والوعي السليم.
تلك الأساليب.. هي التي أخيرا أنتجت تلك “العقلية العلمية”، “التي يمكن أن يتصف بها الإنسان العادي، حتى لو لم يكن يعرف نظرية علمية واحدة معرفة كاملة، ولو لم يكن قد درس مقرَّرًا علميًّا واحدًا طوال حياته”.
وحتى تكون تلك العقلية العلمية قادرة على التحرر والتحرير والتخلص والخلاص من براثن الواقع المرير، واقع التخلف والجهل، وواقع الدجل والخرافة، لابد لها بأن تكون “عقلية علمية منظَّمة “.ف”هي الأقوى تأثيرًا في تفكير الناس العاديين”.
كما يقول الدكتور الراحل/فؤاد زكريا في مقدمة كتابه القيم “التفكير العلمي “..إلخ.
..يتبع..

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى