مقالات

التفكيـر العلمي.. وواقعنا كأمة.. (2 من 2)

د. محمد الحسامي/ اليمن

خاص “المدارنت”..
ثم ينتقل بعد ذلك إلى حال التفكير العلمي والعقلية العلمية في عالمنا العربي، والمعركة التي يخوضها المفكِّرون العرب في هذا الشأن (مع العلم أن كتابه هذا صدر في أواخر السبعينات من القرن الماضي) قائلا:
“في اعتقادي أن موضوع التفكير العلمي هو موضوع الساعة في العالم العربي؛ ففي الوقت الذي أفلح فيه العالم المتقدم — بغضِّ النظر عن أنظمته الاجتماعية — في تكوين تراث علمي راسخ امتد — في العصر الحديث — طوال أربعة قرون، وأصبح يمثل في حياة هذه المجتمعات اتجاهًا ثابتًا يستحيل العدول عنه أو الرجوع فيه. في هذا الوقت ذاته يخوض المفكِّرون في عالمنا العربي معركة ضارية في سبيل إقرار أبسط مبادئ التفكير العلمي، ويبدو حتى اليوم — ونحن نمضي قدمًا إلى السنوات الأخيرة من القرن العشرين — أن نتيجة هذه المعركة ما زالت على كفَّة الميزان، بل قد يخيَّل إلى المرء في ساعات تشاؤم معيَّنة أن احتمال الانتصار فيها أضعف من احتمال الهزيمة”.
ثم يشير في هذه المقدمة،وبحسب رأيه هو،إلى أمرَين مهمين “يدخلان في باب العجائب ” حول موقفنا نحن العرب من التفكير العملي والعقلية العلمية( العلم عموما )،ماضيا وحاضرا،..إلخ.
وهما:
الأمر الأول: الإرتدادية والإنكسارية التي أصابت العقلية العربية الحاضرة وأصيبت بها في وقتنا الحاضر، والردة العكسية نحو الخرافة والدجل والتدجيل..إلخ.
فنحن “ما زلنا إلى اليوم نتجادَل حول أبسط مبادئ التفكير العلمي وبديهياته الأساسية”. ونحن مازلنا نتجادَل “عما إذا كانت للأشياء أسبابها المحدَّدة وللطبيعة قوانينها الثابتة أم العكس”.
الأمر الثاني: الماضوية الفخورية الافتخارية العلمية أمام الآخر المغاير (الغربيين هنا)، وفي نفس الوقت المقاومة الشديدة والعنيدة للتفكير العلمي والعقلية العلمية(العلم عموما)..
حيث يقول في ذلك:
“أننا لا نكفُّ عن الزهو بماضينا العلمي المجيد، ولكنَّنا في حاضرنا نُقاوم العلم أشد مقاومة. بل إن الأشخاص الذين يحرصون على تأكيد الدور الرائد الذي قام به العلماء المسلمون في العصر الزاهي للحضارة الإسلامية، هم أنفسهم الذين يحاربون التفكير العلمي في أيامنا هذه؛ ففي أغلب الأحيان تأتي الدعوة إلى الدفاع عن العناصر اللاعقلية في حياتنا، والهجوم على أية محاولة لإقرار أبسط أصول التفكير المنطقي والعلمي المنظَّم، وجعلها أساسًا ثابتًا من أُسس حياتنا؛ تأتي هذه الدعوة من أولئك الأشخاص الذين يَحرصون — في شتى المناسبات — على التفاخُر أمام الغربيين بأن علماء المسلمين سبقوهم إلى كثير من أساليب التفكير والنظريات العِلمية التي لم تعرفها أوروبا إلا في وقت متأخر، وما كان لها أن تتوصل إليها لولا الجهود الرائدة للعلم الإسلامي الذي تأثَّر به الأوروبيون تأثُّرًا لا شك فيه”.
وهو هنا يحاول تفسير ذلك التناقض الصارخ الذي يعبر عن الأمر الثاني، حيث يقول:
“وتفسير هذا التناقُض يَكمُن — من وجهة نظري — في أحد أمرَين؛ فمن الجائز أن أولئك الذين يفخرون بعلمنا القديم إنما يفعلون ذلك؛ لأنه «من صنعنا نحن»؛ أي إنهم يُعْرِبون بذلك عن نوع من الاعتزاز القومي، ومن ثم فهم لا يأبهون بالعلم الحديث ما دام «من صنع الآخرين». ومن الجائز أيضًا أن تأكيدهم لأمجاد العرب في ميدان العلم إنما يرجع إلى اعتزازهم «بالتراث» أيًّا كان ميدانه؛ ومن ثم فإن كل ما يَخرج عن نطاق هذا التراث يَستحِق الإدانة أو الاستخفاف في نظرهم”.. إلخ.
ثم بعد ذلك بحاول رسم الطريق الصحيح للتخلص والتحرر من ذلك التناقض الصارخ عبر قوله:
إن “علينا أن نحترم العلم في الحاضر مثلما احترمناه في الماضي، وأن نعترف بأن هذا الأسلوب في التفكير الذي كان مصدرًا لاعتزازنا بأجدادنا في الماضي — أعني الأسلوب العلمي — ينبغي أن يكون هدفًا من أهدافنا التي نَحرِص عليها في الحاضر بدوره”..
ثم يوضح العائق الخطير الذي يقف أمام من يقوم بتبني التفكير العلمي كسبيل وحيد للخروج مما نحن فيه..وعليه..كأمة، قائلا:
“وأن المعركة التي يشنُّها الفكر المتخلف على كل من يدعو إلى المنهج العلمي في التفكير، ستقف عائقًا في وجه جهودنا من أجل اللحاق بركب العصر، بل ستُلْقِي ظلالًا من الشك حول مدى إخلاصنا في التغني بأمجاد «ابن حيان» و«الخوارزمي» و«ابن الهيثم» و«البيروني»، الذين كانوا يقفون في الصف الأول من العقول التي تُفكِّر بالأسلوب العلمي في عصورهم”.
ثم بعد ذلك يتطرق إلى أهمية التفكير العلمي كأساس جوهري وحيد لتحضر وتقدم ورقي المجتمعات والشعوب والأمم، وفي جميع المجالات والمناحي الحياتية المختلفة لها، وبأن تلك المجتمعات والشعوب والأمم المتحضرة والمتقدمة لم تصل إلى ما وصلت إليه الآن إلا بإنتهاج ذلك الأساس، ومن لم تقم بذلك سوف نظل قابعة في قعر التخلف والجهل، وتكون في هذه الحالة قد حكمت على نفسها بالضياع والإندثار، مستعرضا في مقدمته هذه مسيرة تلك المجتمعات والشعوب والأمم المتحضرة والمتقدمة وكيف وصلت إلى ما وصلت إليه الآن، والعقبات التي كانت في طريقها أثناء مسيرتها تلك،دينية كانت أم غير دينية، وكيفية التغلب عليها، ليقرر حتمية وجودية فيما يخص طريق التفكير العلمي ويختص به قائلا:
“والحق أنَّ أيّ محاولة لاعتراض طريق التفكير العلمي في عصرنا الحاضر إنما هي معركة خاسرة؛ فلم يعد للسؤال: هل نتبع طريق العلم أم لا؟”.
ثم يختم مقدمته تلك بقوله:
“وإذا كنا — في الشرق بوجه خاص — نَسمع بين الحين والحين أصواتًا تحنُّ إلى العهد التلقائي في أي ميدان من الميادين، فلنكن على ثقة من أن أصحاب هذه الدعوات إما مُغْرَقون في رومانسية حالمة، وإما مدفوعون بالكسل إلى كراهية التنظيم العلمي الذي لا يُنكر أحد أنه يتطلب جهدًا شاقًّا. وسواء أكان الأمر على هذا النحو أو ذاك، فقد آن الأوان لأن نعترف — في شجاعة وحزم — بأن عصر التلقائية والعشوائية قد ولى، وبأن النظرة العلمية إلى شئون الحياة في ميادينها كافة هي وحدها التي تضمن للمجتمع أن يسير في طريق التقدم خلال القرن العشرين، وهي الحد الأدنى الذي لا مفرَّ من توافُره في أي مجتمع يودُّ أن يكون له مكان في عالم القرن الحادي والعشرين. الذي أصبح أقرب إلينا مما نظن، وإذا كان بعض من يعيشون معنا في الربع الأخير من القرن العشرين غير مقتنعين حتى اليوم بجدوى الأسلوب العلمي في معالجة الأمور، وإذا كانوا لا يزالون يَضعون العراقيل أمام التفكير العلمي حتى اليوم، فليُفكِّروا لحظة في أحوال العالم في القرن القادم الذي سيَعيش فيه أبناؤهم، ومن هذه الزاوية فإني أعدُّ هذا الكتاب محاولةً لإقناع العقول — في عالمنا العربي — بأن أشياء كثيرة ستفوتنا لو امتثلنا للاتجاهات المُعادية للعلم، وبأن مجرد البقاء في المستقبل — دون نظرة علمية وأسلوب علمي في التفكير — سيكون أمرًا مشكوكًا فيه”.
الخلاصة:
لكن الاسئلة التي تطرح نفسها هنا هي :
هل حالنا كأمة، خاصة وعامة، وبعد مضي أربعة عقود ونصف من صدور هذا الكتاب( 1978م)، ينبأ بتقدم التفكير العلمي فيها منذ ذلك الوقت، أم أن التفكير العلمي وقتها كان أفضل حالا مما هو عليه الآن..؟
وهل أزمتنا الحقيقية تتمثل بعدم وجود التفكير العلمي لدى العامة فقط؟ أم أنها تشمل وتعم الخاصة فيها( مفكرين ومثقفين وروائيين وسياسيين وأدباء ووو…إلخ )؟
أم أننا كأمة، عامة وخاصة، لم نصل إلى مرحلة الشعور الحقيقي،وعيا قبل سلوكا وتصرفا وممارسة حياتية يومية، بالحاجة الماسة والضرورية والملحة للتفكير العلمي والعقلية العلمية، ولم نصل إلى الشعور الحقيقي بأن التفكير العلمي ينقصنا؟ ف”الحاجة هي وعي النقص للشيء..”كما يقول الفيلسوف الألماني هيجل. ناهيكم عن الأسباب والعوامل الرئيسية، دينية كانت أم غير دينية، موروثة أم حاضرية، أم كلها مجتمعة، عن عدم وجود التفكير العلمي، وعن العراقيل والصعوبات التي اعترضت ومازالت تعترض التفكير العلمي وتقف حجرة عثرة أمامه وفي طريقه، وكيفية التغلب عليها…إلخ

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

‫2 تعليقات

  1. طيب ي دكتور متى سيأتي ذالك اليوم الذي نشعر بأن التفكير العلمي ينقصنا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى