مقالات

“الجبهة الثورية السودانية”.. مخلب قطّ لإجهاض الثورة

د. ابراهيم

//خاص المدارنت//.. كتب د. علي ابراهيم */ السودان

بعد مفاوضات عسيرة ومضنية، وبوساطة أثيوبية وإفريقية توصل طرفيّ المعادلة السياسية الحالية في السودان، المجلس العسكري الإنقلابي وقوى الحرية والتغيير إلى إتفاق مثير للجدل، تمحور في وثيقتين، الأولى تسمّى الإعلان السياسي والأخرى الوثيقة الدستورية. اللتان ستحكمان الفترة الإنتقالية حتى إجراء إنتخابات برلمانية حرة ونزيهة ومباشرة من الشعب، في فترة محددة مدتها ثلاث سنوات .

إن الإتفاق الذي وقع عليه بالأحرف الأولى، يشكل خارطة طريق للمرحلة المقبلة، وفيه قرار ملزم لمعالجة قضايا الحرب والسلام وتحقيق العدالة الإجتماعية، ووضع أسس تقاسم السلطة والثروة، ودفع المظالم وردّ وتثبيت الحقوق المسلوبة التي خلفتها الحروب الأهلية في مناطق التهميش والإقصاء، بخاصة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق.

وحددت الستة أشهر الأولى من عمر الحكومة الإنتقالية لإنفاذ هذا القرار. ويقيني إنها فترة غير كافية لما تحتاجه من دعم مالي ولوجستي وإرادة سياسية صادقة لدى كل الأطراف ذات الصلة بالشأن. وهو شأن تتقاطع فيه المصالح والرغبات وتتمدد مع عناصر أخرى، لم تدخل بعد في زخم حراك تقسيم الكعكة، المسيطر على المشهد الآني .

وعلى الرغم من أن الإتفاق في صورته العامة وفي مضمونه يلبي مطالب تلك المناطق، وصار عهدًا موثوقًا ومشهودًا، يفرض على الحكومة الإنتقالية الإيفاء والتقيد الصارمين  بمقتضياته، إلا أن الجبهة الثورية سارعت الى رفضه، متعللة بحجج لم تقنع أحدا بها، بل أدخلت الريبة في مقاصدها، والتي طالما كانت محلّ شك منذ تخلقها في رحم السياسة السودانية.

وهنا ينبغي إلقاء بعض الضوء على مكونات هذه الجبهة، وهي فى مجملها حركات مسلحة جاءت نتاج حصاد زرع أنبته النظام السابق، عبر سياساته الخرقاء التي تواصلت على مدى ثلاثين عاماً،  ولكل من هذه الحركات وضع خاص وأيديولوجية مختلفة عن الأخرى. وكان لكل منها مشاركة محسوبة ومرصودة ومقدرة مع النظام السابق.

“حركة العدل والمساواة”، أسسها الراحل خليل إبراهيم، الذي كان عضوا في الحركة الإسلامية التى دبرت ونفذت وقادت الإنقلاب العسكري على الحكومة الشرعية المنتخبة عام 1989، وتولى مناصب تنفيذية مهمة في السلطة البائدة، وشارك في الحرب الأهلية التي قادت إلى إنفصال الجنوب. ويترأس هذه الحركة حاليا شقيقه جبريل إبراهيم، وكثيراً ما يشار إلى أنها تمثل الذراع العسكري  لـ”حزب المؤتمر الشعبى”، الذي كان مشاركًا للنظام السابق في مستويات الحكم المركزية والإقليمية حتى لحظة سقوطه.

“حركة تحرير السودان”، يقودها السيد منى أركو مناوي. وكان قد وقع إتفاقًا مع النظام في مرحلة سابقة، وصار بموجبه مساعدًا لرئيس الجمهورية، ثم إختلف معه وتمرد.

“الحركة الشعبية لتحرير السودان ـ قطاع الشمال”، يرأسها مالك عقار، وكان وزيرا في حكومة البشير بعد إتفاق السلام الموقع مع الراحل جون قرنق. وعمل وفق شروط المنظومة السياسية لنظام البشير، وترشح لمنصب والي ولاية النيل الأزرق، ثم إختلف مع النظام وتمرد.

السيد ياسر عرمان، وهو من قادة الحركة الشعبية، وعمل هو الآخر ضمن الأطر التنظيمية المزيفة لنظام البشير، وترشح لإنتخابات رئاسة الجمهورية.

ومما يجدر ذكره في هذا المقام، أن هذه الحركات عندما كانت مشاركة وجزء من النظام السابق، لم تطالب بالديموقراطية وحقوق الإنسان والحريات الأساسية وقيم العدالة والشفافية والسلام لجميع أهل السودان، بل إنغمست في معارك معه من أجل مطالب جهوية وقبلية ومحاصصات شخصية. وعندما صرعت بأحابيل وحيل النظام التي صرفتها من دائرة الفعل والقرار والتأثير والكسب، لجأت مرة أخرى إلى التمرّد وحمل السلاح .

وسياسيًا، توافقت مع قوى سياسية أخرى في تحالف (نداء السودان) برئاسة رئيس الوزراء الأسبق الصادق المهدي، الذي ظل يغرد خارج سرب المعارضة، ويدعو إلى ما بات يعرف بـ”الهبوط الناعم”. الذى يوفر مخرجًا للنظام، يعفيه من المساءلة عن الجرائم التي إرتكبها، ويبعد عنه شبح الإقصاء السياسي مستقبلًا، ويعطي مكونات التحالف السياسية والعسكرية، دورًا فاعلاً في العملية السياسية، تحت مظلة التسامح والمصالحة.

لم تتوقف المحاولات والمفاوضات بين نداء السودان والنظام طوال السنوات الأخيرة، برعاية أفريقية برئاسة رئيس وزراء جنوب أفريقيا الأسبق ثابو ايمبيكي. توصلت إلى إتفاق في نوفمبر الماضي في برلين، وكان من المفترض أن يوقع في منتصف ديسمبر فى أديس أبابا، ولأسباب إجرائية بحته تأجل التوقيع عليه لوقت لاحق.

في الفاتح من يناير، أعلن عن ميلاد “تجمع الحرية والتغيير”، وكان “نداء السودان” أحد أركانه، ونظر البعض إلى ذلك بقدر من التوجّس والحذر، وتجاوز البعض الآخر في وصفه بأنه حصان طروادة داخل إعلان قوى “الحرية والتغيير”، وتعاظمت الشكوك بعد مواقف السيد الصادق الآحادية خارج أطر الإعلان. وإطلاق المبادرة تلو المبادرة، مما أربك المشهد السياسي وأدخل المراقبين في حيرة، وبحث عن الوجهة التي  يريد سيادته أن يسوق إليها الأمور. وبرز التساؤل المشروع، هل هو مع “قوى الحرية والتغيير” أم يقف فى الإتجاه المعاكس؟!

إن الإتفاق الأخير بين “المجلس العسكري الإنقلابي” و”قوى الحرية والتغيير”، تبدو عليه بوضوح بصمات تحالف نداء السودان في “الهبوط الناعم”، وهو غير مُلبّي لتطلعات ورغبات وشروط الشارع الثائر المطالب بتغيير جذري وصادق وأمين وحقيقي، يزيل آثار النظام السابق، ويقيم على أنقاضه دولة المواطنة والديموقراطية.

وسكت عن قضايا أساسية وملحة في المحاسبة السياسية، لكل من ساهم وشارك في أجهزة النظام السابق السيادية والتنفيذية والتشريعية، في المركز والأقاليم، ولكل من أرتكب جريمة إنسانية من قتل وإعتداء وتعذيب وتهجير وتشريد وإعتقال، وتسليمه للقضاء الدولي والسوداني. وتخلّى عن المطالبة بلجنة تحقيق دولية محايدة، للبحث في جرائم النظام الحالي والسابق.

وفي الإتفاق كثير من الثقوب والهنات التي قد لا تهم القارئ العربي كثيرا، ولكنها ستقود قطعا إلى صراع وتنازع بين العسكر وقوى الثورة الحقيقية. والتي قد تضع الثورة ومكتسباتها في مهب الريح.

وفي هذا المنعطف الحرج والدقيق الذى تمر به البلاد، والذي يتطلب الوحدة والتآزر والتوافق،  أعلنت الجبهة الثورية رفضها لذلك الإتفاق، من جهة أنه لا يعطيها حقوقها الجهوية والقبلية التي ناضلت من أجلها.

وكان من  المدهش حقا أن تستجيب وتستسلم قوى الحرية والتغيير لهذا الإبتزاز المعيب، وتقبل أن تذهب إلى أديس أبابا وتتفاوض معها لمدة 15 يوما، ومبعث الدهشة هو كيف يتفاوض كيان جبهوي مع أحد مكوناته وكأنه جسم منفصل عنه، في أمر اتفق عليه، ومن المفترض أن ينسحب بالضرورة على كل مكونات الجبهة السياسية. ويزداد العجب إذا علم أن من يقود هذا التفاوض من قبل قوى الحرية والتغيير هم زعماء تحالف نداء السودان، والتي تشكل الجبهة الثورية إحدى فصائله! مما يفسّر  هشاشة البنية التنظيمية لكلا الطرفين، وضعف الإلتزام بالمبادئ والمعايير والأخلاق التنظيمية .

وبعد محادثات سادها المدّ والجزر والمماطلة، توصل الطرفان إلى تفاهم يضمن في الوثيقة الدستورية، ويخاطب قضية الحرب والسلام وهو من البديهيات المتفق عليها، والمسلم بها مسبقا من كل قوى الثورة .

وبعد إعلان الوثيقة الدستورية، رفضتها مرة أخرى الجبهة الثورية بمبررات واهية. وللمرة الثانية وقعت قوى الحرية والتغيير في الفخ، وذهبت إلى مفاوضات عبثية معها في القاهرة، وكان من الطبيعي أن تصل إلى طريق مسدود.  وأعلن عن تواصلها بعد أسبوعين في القاهرة أو جوبا وكأن الأمر سياحة سياسية!

لسنا في حاجة لكثير من الذكاء لتلمس المسار، وهو بيّن لكل ذي بصيرة يقرأ الواقع، ويعيد البصر كرّة وكرّتين لحاضر وماضي تلك الحركات المسلحة، ويدرك أن الأمر مدبر ومخطط له من قوى إقليمية ومحلية، لإفقاد الثورة بريقها ووهجها، بالمماطة والتسويف وخلق الذرائع الوهمية والتمترس خلفها، وإفراغها من محتواها النضالي، وطمس قيمها ومبادئها وإبعادها عن مسارها الصحيح، وتحويلها إلى مسخ مشوّه حتى يسهل الإنقضاض عليها وإجهاضها، كما حدث لبقية ثورات الربيع العربي.

إن “قوى الحرية والتغيير”، يعود إليها الفضل في تنظيم وقيادة الحراك الشعبي، بسلمية وعنفوان والوصول به إلى هذه المرحلة المتقدمة. وبقدر النجاحات من الطبيعي ان تحدث بعض الأخطاء والإخفاقات. والمطلوب في هذه المرحلة المفصلية والحرجة في مسار الثورة مراجعة تلك الأخطاء وتداركها وتصحيحها، حتى لا تصيب الثورة في مقتل وتقضي عليها أو تعيدها إلى المربع الأول.

وأول تلك المراجعات، ينبغى أن تكون في التعامل السليم والموضوعي مع الجبهة الثورية، التي أضحت تشكل خطرا حقيقيا  ومباشرا على الثورة،  بوقف التفاوض معها بحسبانها جزء أصيل من قوى الحرية والتغيير، وأي إتفاق ملزم لها وفقا للمعايير التنظيمية المتعارف عليها.

ولا يعقل التعامل معها ككيان منفصل، وتكون فى نفس الوقت جزءًا من الكيان المفاوض معها. وحتى لا يفلت أحد من المحاسبة والعقاب،  ينبغي إعمال الشفافية والعدالة على الجميع، بما فيهم قادة الأحزاب والحركات السياسية والمسلحة وأمراء الحرب وكذلك الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، والمطالبة بإبراز كشف ذمتها المالية في المصارف العالمية والمحلية وإيضاح مصدر دخلها، حتى تتطهر الحياة السياسية من رجس المال الحرام العربي والمحلي، وتجفيف ينابيعه، وقفل قنوات ضخه الظاهرة منها والباطنة.

إن تقديم المثال في الطهر والنقاء السياسي، والذي هو من مقوّمات وقواعد الديموقراطية الليبرالية في العالم الحرّ، والتي نتطلع أن يكون السودان أحد رواده في أفريقيا والعالم العربي.

* ناشط سياسي

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى