مقالات

“الحراك العربي” في ميزان الصيرورة التاريخية للأمة العربية

د. محمد الحسامي/ اليمن

//خاص المدارنت//…

يقول كيسنجر إلى بيغن في وديعته إليه: “أسلّمك أمة تنام، ولكن مشكلتها أنها لا تموت، استثمر نومها ما استطعت، فإنها إن استيقظت ستعيد بسنوات ما أخذ منها بقرون”.

وعليه، وإزاء ذلك، أرى أن بوادر ذلك الاستيقاظ من ذلك النوم الذي تنامه أمتنا، ذلك النوم الذي ليس نوما طبيعيا بعد جهد كبير بغرض أخذ قسطا من الراحة، بل نوما بفعل تلك الجرعة الكبيرة من التخدير المنوّم الذي حقنت به أمتنا، ليس بغرض إنامتها، لكن بغرض قتلها، لكنها ظلت عصية على عملية القتل تلك، ودخلت نتيجة لتلك الجرعة المفرطة القاتلة في سبات ونوم تخديري عميق، تحت مراقبة وإشراف من قاموا بذلك خوفا من استيقاظها، إذ أنه كلما خفّ تأثير تلك الجرعة المخدرة، وبدأ عليها بوادر الاستيقاظ منه، كلما حقنت بجرعة منومة جديدة من قبل أولئك المراقبين لها والمشرفين على سباتها، الذين لا يريدون لها بأن تصحو وتستيقظ، ويعملون جاهدين على بقائها نائمة نوما تخديريا، وذلك بعد أن عجزوا على قتلها، وتأكد لهم وتيقنوا بأنها لن تموت بفعل جرعتهم التخديرية القاتلة تلك، محاولين ومستميتين في المحاولات الواحدة تلو الأخرى في سبيل منعها من أن تصحو وتستيقظ، متأكدين ومتيقنين بأن صحوها واستيقاظها أتٍ لا محالة، طال الزمن أم قصر، رغمأً عنهم، لذلك فهم يستغلون حالة السبات والنوم التي هي فيه، بغرض أخذ منها ما استطاعوا أخذه، نهبا واغتصابا وسلبا وسرقة.

إن بوادر ذلك الاستيقاظ لأمتنا، بدأ مجددا منذ نهاية العام 2010م. وبداية العام 2011م. عبر ذلك الحراك المجتمعي والشعبي، الذي اصطلح على تسميته بـ”الربيع العربي”، وما يزال مستمرا حتى يومنا هذا، بغض النظر عن الإتفاق أو الإختلاف مع تلك التسمية، وذلك المصطلح، وهل هو ربيعا عربيا أم خريفا أم شتاء أم صيفا، وصرف النظر عن الإتفاق أو الإختلاف حول ما قيل عنه وكتب وحلل ونظر، وهل هو حراكا عربيا ذاتيا نابعا من عمق أعماق الشعور والإحساس، وعيا قبل سلوكا، بالحاجة الماسة والضرورية له، والتعطش له والرغبة الجامحة به، أم أن ذلك الحراك كان حراكا خارجيا بإمتياز، خططت له وقامت بالإعداد له وساندته وموّلته قوى خارجية، لخدمة الأجندات الخاصة بها، وقامت بتنفيذه أيادي عربية؟ وهل هو خليط بين ذلك وتلك؟ بمعنى أن ذلك الحراك كان حراكا عربيا ذاتيا في بدايته، ثم قامت تلك القوى الخارجية، بمساندة، بل وبأيادي داخلية بحرفه عن مساره الصحيح، خوفا من أن تصحو وتستيقظ الأمة، لما لذلك من خطر جسيم على مصالحها وتهديدا خطيرا يهدد وجودها، سواء تلك القوى الخارجية أم تلك القوى الداخلية، التي رأت أن مصلحتها الحقيقية تتمثل بإبقاء الأمة على حالة السبات والنوم التي هي فيها وعليها، ومن ثم منع أي محاولة في سبيل إيقاظها وحقنها بجرعة تخديرية تنومية جديدة.

بغضّ النظر عن الإيجابيات والسلبيات التي نتجت عن ذلك الحراك واستمراره واستمراريته حتى الآن،  وهل هو السبب فيما الأمة فيه وعليه؟ أم أن ما هي فيه وعليه يعتبر نتيجة لسوابق متراكمة، كان لزاما بأن تنفجر الأوضاع وتتفجر نتيجة لتلك السوابق. وبغض النظر عن نجاح ذلك الحراك ولو نسبيا في بعض الأجزاء من أجزاء الأمة، وفشله وإخفاقه في البعض الآخر، والكوارث التي نتج عنها ذلك الفشل وذلك الإخفاق.

إن محاولة والاستيقاظ تلك من قبل أمتنا العربية، تعتبر بداية جديدة لمرحلة جديدة ومحطة جديدة ومحاولة جديدة لأمتنا، واستمرارا وتكملة لتلك البدايات والمراحل والمحطات التاريخية لأمتنا، والتي لم تستلم ولم تخضع ولم تستكين لذلك السبات والنوم، وبأن ذلك كله يعتبر بداية ومحطة ومرحلة “الإنبلاجة التاريخية الجديدة لأمتنا..”، وذلك للأسباب التالية:

أولا: أن ذلك الحراك كان حراكا شعبيا بإمتياز، منبعه ومصدره والدافع له والمحرك الأساسي له، هي تلك الآلام والأوجاع والأحزان والمعاناة التي تعيشها أمتنا العربية، إنسانا وأرضا، جراء تلك الأوضاع المأسوية والمخزية التي هي فيها وعليها، وفي نفس الوقت، تلك الأحلام والآمال والطموحات للخلاص والتخلّص من كل ذلك، وتحقيق وضع أفضل وأجمل وأحسن منها، وكذلك كل تلك الخيبات المتراكمة في تلك القوى، التي تسمّي نفسها بـ”قوى التغيير” أو بـ”النخبة”، بعد أن عجزت عن حلحلة تلك الأوضاع، بل تآمرت مع تلك الأنظمة، والمرتبطين بها في الداخل والخارج ضد مجتمعاتها.

لذلك، كان ذلك الحراك حراكا شعبيا بإمتياز، يثبت ذلك ويؤكده بأن معظم تلك القوى التغييرية أو النحبة، طبعا إلا ما ندر منها، وقفت مع تلك الأنظمة وفي خندق واحد ضده، وتآمرت عليه وحاولة إجهاضه والنيل منه، طبعا إلى حين، حتى لو نجحت في ذلك مؤقتا، وما تزال تفعل ذلك حتى الآن.

ثانيا: إن ذلك الحراك ما يزال مستمرا حتى الآن، الجزائر والسودان أخيراً، المقاومة في تلك التي فشل وأخفق فيها جزئيا من المجتمعات، ولم تستقر بعد، والتي ما يزال الصراع فيها قائما بين تلك  وتلك، وكذلك في تلك التي نجح فيها نجاحا نسبيا وعرفت الاستقرار، وذلك عبر تطويره وتنميته، وقبل ذلك الحفاظ على ما تحقق والبناء عليه ووفقا له وعلى أساسه، تونس مثالاً لذلك,.

ثالثا: إن ذلك الحراك وباعتباره حراكا شعبيا بإمتياز، وفقا لمصادره ومنابعه… إلخ, أثبت حتى الآن بأنه مقاوم لكل الجرع التخديرية المنومة التي أعطيت له، بغرض إعادته إلى حالة السبات والنوم، وما يزال يقاوم ذلك، ويحاول الاستيقاظ من سباته ونومه، فهو مستمر، وباستمرارية منذ تسع سنوات مضت، ولم يتوقف عن تلك المحاولات، مستفيدا مما سبق ومطورا له وبانيا عليه، المقاومة المستمرة والصراع المستمر، وكذلك التطوير والبناء عليه، كذلك وجود حراك جديد هنا وهناك، خير دليل على ذلك.

والسبب الجوهري والأساسي لذلك كله، أن أمتنا ليست كغيرها من تلك الأمم التي انقرضت، أو تلك التي رضيت بما هي فيه وعليه، تاريخا مجيدا ورسالة مجيدة، وموقعا جغرافيا مؤثرا، وثروات هائلة وضخمة، وآمالا وأحلاما وطموحات تطال عنان السماء، وصيرورة تاريخية متجددة ومتطورة. وقبل ذلك وعياً وأفكارا وثقافة ريادية عالمية ودورا عالميا… إلخ. كلّ ذلك يجعلها في مرمى الأطماع الخارجية، الجوارية لها والبعيدة عنها. لنا الصدر دون العالمين أو القبر.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى