مقالات

الحرب على «حزب الله»!

“المدارنت”..
قد نتفهم دواعي اعتراضات كثيرة على «حزب الله» اللبناني، بعضها له أسباب معقولة، كما اعتراضات البعض على سوابق انغماس الحزب في مستنقع الاحتراب الطائفي داخل سوريا، وكان يجدر بالحزب أن ينأى بنفسه عن ثارات الدم الطائفي، وإن كان الحزب وأنصاره يدفعون بحجة الضرورة، وإن سيطرة جماعات التكفير في سوريا، تهدد النسيج الطائفي الحساس داخل لبنان، فوق مخاطر قطع الطريق على إمدادات الأسلحة من إيران.
و”حزب الله”، لا يخفي ولا يتخفّى بعلاقته العقائدية مع نظام «الولي الفقيه» في طهران، وقد قالها الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله، ذات يوم غير بعيد، قالها صريحة قاطعة: «أكلنا وشربنا وسلاحنا» يأتي من إيران، وطبيعي أن تكون لاعتبارات ونفوذ وسياسة إيران، أولوية عند «حزب الله».
لكن هذا لا يبدو الأكثر إزعاجا لقادة ومموّلي الحملات الناطقة بالعربية ضد «حزب الله» وحسن نصر الله، وما يخيفهم بالأساس، هو موقف الحزب ضد كيان الاحتلال “الإسرائيلي” (الإرهابي الصهيوني في فلسطين المحتلة)، وأغلبهم في حالة ولاء مباشر وغير مباشر للكيان “الإسرائيلي”.
وبعيدا عن سخافات التنابز الطائفي المهلك، تظل الحقائق فوق الأرض ناطقة، فلا شيء يهدد “إسرائيل” وجوديا في الشمال، أكثر من قوة «حزب الله»، وتاريخه المؤسّس لموجة حركات المقاومة من نوع مختلف.
وبعد هجوم السابع من أكتوبر المزلزل، الذي نفذته «حماس» وأخواتها انطلاقا من غزة، ودونما تشاور مسبق مع إيران ولا مع «حزب الله»، وما تبعه من حرب إبادة جماعية “إسرائيلية”/ أمريكية، ضد أهل غزة ومقاومتها المذهلة، لم ينأ «حزب الله» بنفسه كأغلب الأطراف الناطقة بالعربية، ولم يقل للمقاومين في غزة، إذهبوا فقاتلوا وحدكم إنا ههنا قاعدون، بل بادر الحزب بالمشاركة القتالية من أول يوم، وأعلن ما سمّاه حرب المساندة والنصرة، وأدار أعمالا قتالية محسوبة بدقة وبعناية، فالداخل اللبناني المأزوم والمخترق المحترق سياسيا واقتصاديا وثقافيا، لا يحتمل ولا يريد حربا واسعة، سعى ويسعى «حزب الله» إلى تجنبها، وظل يوسع في مساحات وقواعد الاشتباك عند الحدود مع فلسطين المحتلة، وأتاح لفصائل فلسطينية ولبنانية فرصا للمشاركة في القتال، وربط إيقاع المشاركة في الاشتباكات بما يجري في غزة، وأعلن بوضوح أنه لن يتوقف عن الاشتباك، إلا إذا توقف العدوان الوحشي البربري على غزة.
ونجح الحزب في إيلام «إسرائيل» على نحو تصاعدي مدروس، وأجبر جيش الاحتلال على سحب نحو ثلث قواته إلى جبهة الشمال مع «حزب الله»، بعد أن اضطر العدو إلى تفريغ مستوطناته القريبة من نيران «حزب الله»، وإجلاء مئة ألف “إسرائيلى” على الأقل إلى مدن الداخل المحتل.
وراح «حزب الله» يمد في الجبهة عرضا وطولا، وضم جبهة الجولان المحتل، إلى جبهة الجليل الأعلى، وراحت صواريخه ومسيراته تضرب في المطلة وكريات شمونة ونهاريا، وصولا إلى عكا، وبدت الضربات منهكة لكيان العدو ومحطمة لمعنوياته، كاشفة عجزه عن ردع «حزب الله»، رغم التوسع المهول في غارات طيران العدو وصولا إلى بعلبك، وارتقى المئات من عناصر الحزب وجمهوره شهداء، ومن دون أن يخفي الحزب معلومة واحدة عن قادته الذين استشهدوا، أدار جنازاتهم في قراهم الجنوبية وغيرها، بمواكب فخار جليلة تحت النار.
بينما توجهت أسلحة الحزب إلى قواعد العدو العسكرية في شمال فلسطين المحتلة، والرد على تدمير غزة، بتدمير مقابل في مستعمرات الشمال والجولان، تزايد أثره إلى حد النسف شبه الكامل للمباني في كريات شمونة والمطلة بالذات، وإشعال حرائق أتت على عشرات الدونمات من الغابات والأحراش، وكثف الحزب من استخدام صواريخ «بركان» قصيرة المدى، التي تحمل شحنات تفجيرية تصل الواحدة منها إلى نحو نصف طن.
وبدت مسيرات الحزب أكثر دقة، وأكثر ذكاء وخداعا لمنظومات الدفاع الجوي «الإسرائيلية»، وأعظم إصابة لتجمعات الضباط والجنود “الإسرائيليين” (الإرهابيين الصهاينة)، كما جرى مثلا في عرب العرامشة، وأخيرا جنوب مستعمرة الكوش، ثم بدت مقدرة الحزب متزايدة على إسقاط أخطر وأغلى مسيرات العدو، واستخدم صواريخ أرض/ جو أسقطت عددا من مسيرات «هيرميس 900».
وفي اشتباكات الاستنزاف المتبادل، تآكلت مقدرة حكومة وجيش العدو على الاحتمال، وانفلتت التهديدات، وعلى ألسنة الكافة، بدءا من (الإرهابي الصهيوني) بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء إلى (الإرهابي الصهيوني) يوآف غالانت، وزير الحرب، إلى (الإرهابي الصهيوني) هيرتسى هاليفي، رئيس الأركان، إلى البلطجى الوزير (الإرهابي الصهيوني) إيتمار بن غفير، كلهم يهددون بحرق لبنان، وإعادته إلى العصر الحجري، وتدمير بيروت على طريقة ما جرى في غزة، ومن دون أن يغيّر حزب الله من لهجته وموقفه الراسخ، فلا وقف للضربات على العدو إلا بوقف حرب غزة، ولا قبول لأي ضغوط غربية محمومة بسحب قوات نخبة «حزب الله» إلى شمال نهر الليطاني، ولا تراجع عن تكثيف ضربات الصواريخ، التي وصلت في شهر مايو الماضي إلى ألف صاروخ، مع إبداء الجاهزية والاستعداد لخوض حرب شاملة، إذا بدأتها “إسرائيل”.
والعدو في المقابل، يعرف مدى قوة «حزب الله»، ويعرف أن لدى الحزب ترسانة صاروخية بمئات الآلاف كثيرا منها دقيقة التوجيه، ويعرف مدى تمرس «قوات الرضوان» ـ نخبة «حزب الله» ـ في القتال، وحيازتها لشبكات أنفاق أسطورية تحت الأرض والجبال، ويعرف أنه قد يكون بوسعه إحداث دمار هائل في لبنان، لكنه يعرف أيضا قدرة «حزب الله» على إلحاق الدمار بالكيان، واستطاعته الوصول بالصواريخ والمسيرات إلى حيفا وما بعد حيفا.
من هنا، يأتي التردد العسكري لجيش العدو، الذي يلقى هزائم القتال وجها لوجه مع «حماس» وأخواتها في غزة، ويقدر قوة «حزب الله» بأنها عشرة أضعاف قوة «حماس»، ويقدر بأن «حزب الله» لم يستخدم من قوته وأسلحته سوى 5% لا غير في الثمانية شهور الأخيرة، وأن «حزب الله» يعلم عن الداخل “الإسرائيلـي”، أكثـر مما تعلمـه حكومـة «إسرائيل» نفسهـا.
وقد لفت النظر ما جرى قبل أيام على شاشة إحدى القنوات التلفزيونية “الإسرائيلية”، التي كانت تستضيف عضوًا في «الكنيست» عن «حزب العمل» المعارض، وكان النقاش محتدما حول ما يجرى من دمار في الشمال “الإسرائيلي”، وعن وعد نتنياهو ومجلس حربه بإعادة سكان الشمال النازحين في أول سبتمبر المقبل مع بدء العام الدراسي.
وقالت عضو «الكنيست»، إنها لا تثق بوعود الحكومة، وإنها لا تصدق أن ذلك ممكن، إلا إذا أعلن عنه «حزب الله» ونصر الله، وكانت المفاجأة، أن وصلتها رسالة فورية من «حزب الله» على هاتفها الشخصي المحمول، تقول إن سكان المستعمرات، لن يعودوا إلا إذا توقف العدوان على «غزة».
وقد يكون نتنياهو، راغبا في إشعال حرب واسعة مع «حزب الله»، لأسبابه الشخصية، وهو ما اعترف به حتى الرئيس الأمريكي جو بايدن في لقاء تلفزيوني أخير، قال فيه بالحرف إن «الناس لديها كل الأسباب للاعتقاد بأن بنيامين نتنياهو، يريد مواصلة الحرب لضمان بقائه السياسي».
كان بايدن، يعبر هو الآخر عن ضيقه بمراوغات نتنياهو، وسعيه إلى تخريب «المبادرة» التي أعلنها بنفسه، وحرص على تسميتها بـ”المقترح الإسرائيلي”، وحذر من الأثر المدمر لاستمرار حرب غزة على أمن “إسرائيل”، ودعا إلى خطة ثلاثية المراحل لإنهاء الحرب، بدأت مفاوضاتها بالفعل في العاصمة القطرية الدوحة،.
وفيما بدت «حماس» مستعدة للنظر بإيجابية، مع التأكيد على أولوية أهدافها في الوقف الدائم لإطلاق النار، وإعادة النازحين الفلسطينيين إلى مناطقهم دونما قيد ولا شرط، والانسحاب “الإسرائيلي” الكامل من غزة، وهي الأهداف التي قبلت «حماس» من أجلها ما عرف إعلاميا باسم «المقترح المصري» في 6 مايو الماضي، بينما ردت “إسرائيل” وقتها بشنّ عملية غزو «رفح»، من غير أن تحقق حرب الإبادة أيًا من أهدافها المعلنة والمخفية، وهو ما دفع واشنطن إلى إعلان مقترح الفرصة الجديدة.
بينما بدا المشهد “الإسرائيلي” مضطربا، وتحدث نتنياهو مجددا عن وهم القضاء على «حماس» قبل وقف الحرب، وعن وضع شروط انتقال إلى المرحلة الثانية من «خطة بايدن»، وبهدف عرقلة الانتقال إلى الوقف الدائم لإطلاق النار، وهو ما يجعل الفرصة الجديدة قريبة وبعيدة في الوقت نفسه، فالتفاصيل مسكونة بالشياطين، والخلاف بين إدارة بايدن وإدارة نتنياهو يبدو عائليا، يريد فيه بايدن ضمان بقائه السياسي أيضا في انتخابات الرئاسة الأمريكية المقبلة، ويتصور أن جلب الهدوء قد يساعده، بينما مصالح نتنياهو الشخصية على الطرف العكسي، ويريد استمرار الحرب في «غزة»، وربما مدها إلى لبنان، بينما يمتنع بايدن حتى تاريخه عن إعطاء الضوء الأخضر لحرب واسعة على لبنان و”حزب الله”، ويخشى أن يدهسه قطار (الرئيس الأميركي السابق دونالد) ترامب في محطة انتخابات 5 نوفمبر المقبل.

المصدر: د. عبد الحليم قنديل/ “القدس العربي”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى