مقالات

“حزب الله” ومعضلة السلاح!

أحمد ذبيان/ لبنان

خاص المدارنت”/ لا شكّ بأنّ “حزب الله” اللبنانيّ سيواجه استحقاقًا، لا مفرّ منه، عند توقُّف العمليّات العسكريّة في الجنوب وتفرُّغ إسرائيل لتثبيت مواقعها في الأراضي التي احتلّتها في جنوب لبنان بعد أكثر من مئة يوم من القتال الضاري. هذا القتال أنهك لبنان ودمّر عشرات القرى تدميرًا كاملًا وهجّر أكثر من مليون شخص وقتل أكثر من أربعة آلاف مدنيّ وجرح حوالي اثني عشر ألفًا، بالاضافة إلى الذين استُشهِدوا وجُرِحوا من مقاتلي “حزب الله”.

إستحقاق “حزب الله”، ثقيل هذه المرّة؛ فقد خسِر تأييد الكثير من اللبنانيّين، الذين كانوا يرون فيه رأس حربة في مقاومة إسرائيل ومشروعها التوسُّعيّ في المنطقة، بالإضافة إلى خسارته لجزء من الاحتضان الشعبيّ في بيئته.

قبل العام 2000 كان تأييد “حزب الله، عارمًا بين العالبيّة الساحقة من كلّ أطياف الشعب اللبنانيّ ومن مختلف طوائفه ومشاربه، وكان التأييد بلا حدود من كل الشعوب العربيّة . بعد تحرير الجنوب، عام 2000، بدأ الحزب مسارًا مختلفًا حيث انخرط في الحياة السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة دون التفكير في التخلّي عن سلاحه الذي كان الهدف الأساس من حيازته قد أُنجِز، وتمّ..

كانت سورية، ما تزال حاضرة بجيشها وأجهزتها الأمنيّة التي مكّنت إيران من التواجد الكثيف في أوساط الطائفة الشيعيّة إلى الحدّ الذي دفع السيّد حسن نصر الله، الأمين العام السابق لحزب الله، إلى الإعلان الصريح والواضح بأنّه جنديّ في جيش الوليّ الفقيه وأنّه يهدي النصر الذي أحرزه بانسحاب إسرائيل إلى المرشد الأعلى للجمهوريّة الإسلاميّة في إيران.

هذا المسار بدأ يثير شكوك وحفيظة الكثير من اللبنانيّين والعرب. ففي لبنان بدأت قطاعات واسعة من الشعب ترى في تنامي نفوذ الحزب وتعاظُم قوّته العسكريّة خطرًا على الدولة وعلى تركيبة البلد الطائفيّة التوافقيّة وعلى التوازنات، إلى أن أصبح الكثيرون يرون في ولاء الحزب لإيران خروجًا عن الولاء للوطن ومسارًا سيؤدّي، يومًا ما، إلى تصَدُّع الوحدة الوطنيّة.. و.. ربّما الجغرافيّة..

ثمّ، مع تدافع الأحداث التي كان أبرزها اغتيال رئيس الوزراء الأسبق الشهيد رفيق الحريري؛ وتوجيه أصابع الاتّهام للحزب والنظام السوريّ بعمليّة الاغتيال، بدأ التصدُّع الحقيقيّ داخل المجتمع اللبنانيّ والطبقة السياسيّة بشكل علنيّ وواضح أدّى إلى خروج الجيش السوريّ وأجهزته الأمنيّة من لبنان.

ثمّ، عندما اندلعت الثورة السوريّة ضد نظام آل الأسد في سورية، قام الحزب بإرسال الدعم بالرجال والعتاد للنظام السوريّ حيث تحوّلت الأحداث، فيما بعد، إلى معارك مذهبيّة أفقدت الحزب تأييد أهل السنّة والجماعة في سورية وفي كثير من المجتمعات العربيّة. ثمّ، بعد ذلك، أيضًا، أرسل الحزب الدعم للحوثيّين في اليمن للقتال ضد المملكة العربيّة السعوديّة وتدخّلَ في البحرين فأوقع نفسه، بعلم أو بغير علم، في خندق مذهبيّ أفقدَه الحواضن الشعبيّة في معظم الأقطار العربيّة وصنّفه كذراع إيرانيّة لاحداث الفوضى والقلاقل في معظم دول المشرق العربيّ، ممّا جعل العديد من الأنظمة العربيّة تقرِّر اعتباره منظّمة ارهابيّة.

تلك، باختصار محطّات الحزب الرئيسيّة قبل “طوفان الأقصى” في 7 تشرين الأوّل (أوكتوبر) عام 2023..

عندما قامت “حماس”، بعمليّة “طوفان الأقصى”؛ لم ينتظر الحزب طويلًا ليبدأ بمساندتها، بشكل خجول، ضِمن قواعد اشتباك محدودة، إلى أن قامت اسرائيل بعد عدّة شهور بعمليّة عسكريّة كبرى أدّت إلى احتلال بعض أجزاء من جنوب لبنان، انتهت بوقف اطلاق نار يُجبِر “حزب الله” بعدم التواجُد جنوب نهر الليطاني، فيما انسحبت إسرائيل ما عدا من خمسة تلال على الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلّة.

في 28 شباط، اندلعت الحرب الأخيرة بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، حيث تمّ قتل المرشد الأعلى للجمهوريّة الاسلاميّة في إيران ومعظم قيادات البلد، فما كان من الحزب إلّا الدخول في الحرب انتقامًا لمقتل الخامنئي ونصرةً لايران، حسب تصريحه العلنيّ.

ردًّا على ذلك قامت إسرائيل باجتياح جنوب لبنان، وشنّ آلاف الغارات الجوِّيّة في البقاع والضاحية الجنوبيّة لبيروت، وفي كلّ مكان يتواجد فيه قيادات وعناصر الحزب، وتمّ تدمير عشرات القرى، تدميرًا كاملًا، وتهجير أكثر من مليون شخص عدا عن تقتيل وجرح الآلاف واحتلال أكثر من عشرة كيلومترات على طول الحدود من الشرق إلى الغرب، بالرغم من الدفاع الاسطوريّ لمقاتلي الحزب في وجه أكثر آلة عسكريّة متطوّرة ومجرمة في العصر الحديث..

ألآن، هناك وقف إطلاق نار يُكَبِّل “حزب الله”، ويمنعه من المقاومة، ويُكَرِّس احتلال إسرائيل لأجزاء من الجنوب إلى أجل غير مسمّى.

“حزب الله”،  هنا، أمام عدّة سدود: أوّلها اعتباره من قِبَل الحكومة اللبنانيّة منظّمة خارجة عن القانون، يجب نزع سلاحها من أجل حصر السلاح بيد الدولة.

ثانيها ، شرط إسرائيل بنزع سلاحه قبل التفكير بالانسحاب من المنطاق التي احتلّتها.

ثالثها، مطلب دوليّ بتجريده من السلاح وتحويله إلى حزب سياسيّ.

رابعها، فقدان الحاضنة الشعبيّة الواسعة التي كان يعتمد عليها في الاستمراريّة، وخامسُها ربّما يكون تخلّي إيران عنه بموجب تفاهمات سرّيّة مع الولايات المتّحدة الأميركيّة من ضمن صفقة اقليميّة شاملها.

نهاية الأمر: “حزب الله” المقاتل لن يستطيع أن يقاوم كلّ هذه التحوُّلات التي تكوّنت ضدّ وجودِهِ كتنظيم عسكريّ، إذا سلك الحزب طريق التحدّي فسيُدخِل لبنان في فوضى يكون المستفيد الوحيد منها هو إسرائيل..

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى