مقالات

الخطاب الاستفزازي يمتد الى احتفالية “لبنان الكبير”

كتب د. جميل علي حمود/ لبنان

//خاص المدارنت//.. شهدت المراحل الاخيرة للحقبة العثمانية حال ضعف وانحطاط، كان من افرازاتها صعود جمعية الاتحاد والترقي. و عبرت الجمعية عن بروز روحية القومية التركية التي ترجمت نزعة عنصرية وفوقية تجاه العرب، بما فيهم سكان جبل لبنان.

وكان ايضا من افرازات ضعف السلطنة، تدخل القوى الاستعمارية الاوروبية في شؤون السلطنة، بمسميات حماية بعض الاقليات، مما اسس للنظام الطائفي البغيض الذي تحوّل الى نقمة، اصابتنا ولا تزال منذ ما قبل اعلان دولة لبنان الكبير.

علما اننا اذا اردنا نبش القبور وفتح الجروح، واعادة كتابة التاريخ، نذكر ان اعلان دولة لبنان الكبير بحدّ ذاته كان مثيرا للجدل، ولسخط اكثرية سكان بلاد الشام انذاك، الذين رفضوا الانسلاخ عن عروبتهم.

استهلينا هذه المقالة بالملاحظات السابقة الذكر، لنقول ان فتح سجل الحقبة العثمانية بموجب دراسة علمية وموضوعية يفضي بتقديرنا الى مجلد واسع من النقد والنقض والتحفظات. لكن، بماذا يفيدنا ذلك ونحن اليوم نواجه تحدي وجودي يستلزم الجمع وليس التقسيم؟ اليس الأوْلى والأجدى ان نحاسب المسؤولين عن تعاستنا في الحاضر، حتى يكون لنا مئة سنة مستقبل، عوضا عن محاسبة العثمانيين؟

ثم ان دراسة التاريخ وحركته وديمومته، تستوجب مقاربة شاملة بمنهجية متناسقة، لا تقف عند حدود انتقاء الاحداث، وعزلها عن سياقها وإطارها بما يخدم اجندات الحاضر وأطماع المستقبل. فكيف تكون السلطنة العثمانية ظالمة فيما الاستعمار الفرنسي مجرد نفوذ؟ وكيف يغيب دور الاستعمار الفرنسي في انشاء النظام الطائفي الذي نريد التخلص منه كليا عن الحديث؟ ألم تستطيع بصيرة الدارس قراءة صفحات التاريخ التي توصف دور الانكليز في المشرق، وبخاصة في انشاء الكيان الصهيوني على ارض فلسطين، الذي باتت دولة لبنان الكبير تعاني منه يوميا؟ ان الظروف والمعطيات الموضوعية التاريخية التي احاطت بنشأة وتطور لبنان الكبير، تشمل احداثاً كبرى وقوى متعددة محلية واقليمية ودولية.

الى ذلك، فإن فتح هذا السجل ومحاولة اعادة كتابته كفيلة بفتح جروح ظننا اننا تجاوزناها، وإثارة تعقيدات لا تحمد عقباها. ان ما يعنينا اليوم، هو انقاذ لبنان الحديث بحاضره، والتفكر بمستقبله حتى يكون له مستقبل.

في الأمس، أتانا من ينبش بقبور الحرب الاهلية، ويعدد بطولات “دونكيشوتية” في معارك عاليه والكحالة وسوق الغرب. كنا نحن اطفالاً انذاك، علما اننا اكبر عمراً، لكن ليس اكبر قدرا وقيمة من مزايدي البطولات. وها نحن اليوم امام من يضرب في اعماق التاريخ، وينبش قبور الحقبة العثمانية، مدعيا وقائع مجافية لحركة التاريخ، على شاكلة استعادة لبنان للاجزاء التي كانت مسلوخة عنه. فكُتب التاريخ تقول كان هناك جبل لبنان، الذي استوطنه اجداد لنا، اتوا من مناطق شمال سوريا، التي كانت بلاد الشام. وبلاد الشام هذه تمددت وتقلصت عبر التاريخ حسب رغبة واهواء الممالك والإمبراطوريات التي سيطرت عليها. لم نعد نستطيع الا ان نتساءل بتعجب شديد، الا ترون إلى اين انتم تأخذوننا؟!

من الحكمة بمكان، ان نعتبر ما قيل في خطابات افتتاح احتفالية اعلان “دولة لبنان الكبير” زلاّت لسان غير مقصودة. ولا زالت الابواب مفتوحة على مصراعيها لتحويل الاحتفالية الى حدث وطني جامع بامتياز. فالسواد الاعظم من اللبنانيين اليوم، يؤمنون بلبنانيتهم ونهائية وطنهم لجميع ابنائه، بعيش واحد ومشترك على الرغم من كل الصعاب. وقد توافق اللبنانيون على انتماء لبنان العربي، وثبتوا هذا الانتماء في اتفاق الطائف. فدعونا نحتفل بنقاش وطني هادئ، حول كيفية العمل على استدامة كينونة لبنان لمئة سنة جديدة.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى