مقالات

الدول العربية تحوّلت الى أماكن طاردة لأبنائها؟

“المدارنت”
موجات الهجرة العشوائية وغير الشرعية، ما تزال تغزو أوروبا، بل تتصاعد وتيرتها يوميا، على الرغم من كل الإجراءات والقوانين الجديدة، وعلى الرغم من حالات الغرق والموت الجماعي المتكررة التي ينتهي إليها الكثير من المهاجرين، ما يفتح الباب مجددا أمام الكثير من الأسئلة حول أسباب تفضيل بعض العرب الموت في عرض البحر على البقاء في بلادهم.

خلال العام الماضي 2025 استقبلت شواطئ إيطاليا وحدها أكثر من 66 ألف مهاجر، وصلوا عبر 1510 رحلات بحرية، أي أن ايطاليا كانت تستقبل يوميا نحو أربعة إلى خمسة قوارب تُقل مهاجرين قادمين بواسطة البحر، وبطبيعة الحال فإنهم ليسوا جميعا من العرب، لكن نسبة كبيرة منهم من دول عربية مختلفة.

تقول مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن 90% من هذه القوارب التي وصلت إلى شواطئ إيطاليا العام الماضي كانت قادمة من ليبيا، أما المهاجرون فإنهم يتوزعون على دول عربية مختلفة، لكن اللافت أن أغلبهم قادمون من دول ليس فيها أية حروب، ولا صراعات مسلحة، ولا انهيار أمني يجعل سكانها يبحثون عن ملاذ آمن، باستثناء السودان، الذي يُشكل اللاجئون القادمون منه 6% فقط من إجمالي من وصلوا إلى شواطئ إيطاليا خلال عام 2025. ولا يبدو المشهد مختلفا في بريطانيا التي وصل إليها خلال العام الماضي أكثر من 41 ألف مهاجر بواسطة «قوارب الموت» عبر البحر، على الرغم من القوانين الجديدة المشددة التي أصبحت تتيح للحكومة ترحيل أصحاب الطلبات المرفوضة، فضلا عن أن من يحصل على «حق اللجوء» من هؤلاء أصبح محروما من الحصول على الجنسية البريطانية مدى الحياة، بالإضافة إلى قائمة طويلة من التشديدات القانونية التي تهدف إلى الحد من ظاهرة الهجرة.

وواقع الحال يقول، إن من يُفضل الموت في البحر على العيش في بلده سوف لن يردعه أي قانون آخر، أو أية تشديدات عن الهجرة، وسوف يوافق على أن يعيش في بريطانيا أو أوروبا، من دون جنسية ما تبقى من عمره، مفضلا ذلك على البقاء في بلده. وهذا يعني في نهاية المطاف أنهم قادمون من «جحيم» ويبحثون عن أي بديل آخر مهما كانت ظروف هذا البديل. بطبيعة الحال فثمة آلاف أخرى من المهاجرين الذين يصلون إلى أراضي القارة الأوروبية، سيرا على الأقدام، عبر الطرق البرية المتاحة، سواء من تركيا، أو من البوسنة أو ألبانيا أو غيرها، وهؤلاء ليسوا قلة، وتواجههم المخاطر نفسها التي تواجه ركاب «قوارب الموت».


هذه المعطيات تعني في التحليل الأخير أن الدول العربية أصبحت بيئات طاردة، وأن الظروف التي تعيشها الدول العربية تتدهور بازدياد، وهذه الظروف لا تقتصر على الوضع الاقتصادي وحده، وإنما تمتد إلى الواقع الاجتماعي والسياسي وحالة القمع والاستبداد التي تعيشها الدول العربية، والتي تؤثر في نهاية المطاف على حياة الناس اليومية وتحيلها إلى جحيم لا يُمكن احتماله. بعض الهاربين من الدول العربية يواجه حكما أو أحكاما بالسجن بسبب تدوينات على شبكات التواصل الاجتماعي، أو بسبب تعليق عابر نشره في مكان ما، من دون أن يُلقي له بالا فانتهى به الأمر أن تحول إلى «مجرم مطلوب»، وبعضهم كان مستثمرا محترما، لكنَّ أعماله انهارت وأصبح ملاحقا من دائنين، من دون أن يجد قانونا يحميه منهم.

والبعضُ الآخر – وما أكثرهم- ملاحقون ومطلوبون للاعتقال بسبب العجز عن سداد النفقة الشرعية، التي قضت بها محكمة لصالح طليقته وأطفاله، وبات هاربا من السجن الذي يُلاحقه.. وثمة الكثير الكثير من الحالات والأمثلة الأخرى. هذه الحالات والأمثلة تُضاف بطبيعة الحال إلى الأسباب التقليدية للهجرة، التي تتصدرها البطالة وسوء الأحوال الاقتصادية، وكذلك القمع السياسي الذي يجعل بعض الناشطين والمثقفين يواجهون الاضطهاد والملاحقة من قبل النظام السياسي وأجهزته الأمنية طيلة حياتهم، بسبب مواقفهم السياسية، أو رؤيتهم المغايرة للشأن العام.

والخلاصة التي انتهت إليها بلادنا العربية هي أنها تحولت إلى بيئات طاردة لأبنائها وقاسية عليهم، وتحول العديد من هذه البلدان إلى أماكن يُفضل بعض أبنائها الموت في عرض البحر، أو في غابات أوروبا على البقاء فيه، ولذلك فإن الحل الحقيقي والجذري لأزمة الهجرة غير الشرعية، التي تعاني منها دول أوروبا لا يكمن في تشديد القوانين والإجراءات، وإنما في المساعدة على إصلاح الدول العربية وإنقاذها من الهاوية التي تعيشها وتحويلها إلى أماكن جاذبة وصالحة للحياة لا دولا طاردة تضيق بسكانها وتلفظُ أبناءها الذين يُفترض أنهم ثروتها الحقيقية.

محمد عايش/ “القدس العربي”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى