مقالات

الرسـالـة الغائبـة

خاص “المدارنت”..

د. علي ابراهيبم*/ السودان

الهجوم على المنشآت النفطية في المملكة العربية السعودية، وما تبعه من تطورات، شكّل نقطة تحوّل في الصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط منذ عقود، وقلب كثيراً من المفاهيم، وغيّر في موازين القوى وفي طريقة التفكير النمطي المصاحب لمثل هذه الأحداث.

وأثبت تفوقاً بيّنا لإيران في القدرة العسكرية الرادعة، مقابل منظومات الدفاع الأميركية التي دفعت المملكة قيمتها مئات المليارات من الدولارات، بغرض حمايتها، حيث فشلت في التصدّي لطائرات مُسيرة، لا تتعدّى قيمة الواحدة منها ألف دولار.

هذا يؤكد أن إيران أعدت ما يتطلب من  “رباط الخيل” خلال السنوات الماضية، فأرهبت (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب، وارغمته على التراجع عن قرع طبول حرب يدرك خسارتها على المدى القريب والبعيد، ولطالما ما أنذر بها.

في المقابل، أعلنت إيران جاهزيتها لكل الإحتمالات، وصعدت من لغة التحدّي والمواجهة، وهي تدرك أيضاً أن أميركا لا تستطيع المغامرة بحرب معها معلومة النتائج والمآلات.

لقد ابتزت أميركا دول الخليج ابتزازاً مهيناً، وحلبت بقرتهم الحلوب مئات المليارات من الدولارات السائبة، من أجل حماية مزعومة، وأوقعت بينهم خصومة فاجرة، جعلتهم يتبارون في كسب ودّها بتقديم الأرض، موطئ قدم وقاعدة انطلاق للهجوم على أشقائهم وجيرانهم. ثم عرض ما عندهم من معلومات إستخبارية على طبق من ذهب نكاية بالطرف الآخر.

نحن نعيش في عالم لا تعرف فيه السياسية مكاناً للمشاعر النبيلة والأهداف السامية، لا سيما إذا كان الأمر يتعلق بالأمة العربية، وتحكمه المصالح الذاتية الضيقة، ولا توثقه صداقة أو علاقة دائمة، وهذه وتلك، تأتي وتذهب وفقاً لمنطق الربح والخسارة، ولعامل القوة العسكرية والجاهزية البشرية.

ومن منظور سياسي جاف، خالي من القيم والمبادئ والمثل الإنسانية، ظلّ هذا الغرب الديموقراطي، الراعي فرضاً لحقوق الإنسان والعدالة والشفافية، يغضّ الطرف عن الجرائم التي ترتكب وارتكبت في كل من العراق وسوريا واليمن وليبيا ولبنان وفلسطين والصومال. ولا يحرّك ساكناً، وهو يرى بعينه صور القتلى من أطفال ونساء وشيوخ ومدنيين، يموتون بالجملة، وكأنهم جراد !وأصبحت هذه المآسي خبراً عادياً و”طبيعياً”، لا يختلف عن عرض حديقة للزهور والورود، حتى وصل الإحساس بأن الإنسان العربي صار أرخص من البصل على ميزان  “الإنسانية المعدل حديثاً”.

عندما فاقت أميركا والدول الغربية على وقع ناقوس الخطر، المُهدد لمصالحهم الاستراتيجية، المتمثلة في النفط والمال العربي، وحماية ودعم دولة إسرائيل، تحرّكت على وجه السرعة. فبادر الرئيس الأميركي الى إرسال وزير خارجيته إلى الرياض. وأعلن فرض عقوبات جديدة إقتصادية على إيران، وهي المفروضة أصلاً منذ فترة، ولا جديد فيها، وقد تعايشت وتصالحت معها وأصبحت لا تجدي فتيلاً.

وألجم لسانه، وصمت عن كلام الحرب والتأسّد الطائش، فهو يعلم قوة إيران، وإذا قالت صدقت، ولا مجال في ساعات الجدّ لمغامرة غير محسوبة. وعلى نفس السياق تحرّك الرئيس الفرنسي (إيمانويل) ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني (بوريس) جونسون، والحبل على الجرار.

في هذا الجوّ الملتهب والمضطرب والمتحرذك دوماً، نجد الدول العربية وهي المستهدفة، تائهة وضائعة وغائبة عن المشهد، في الأثر والتأثير وصنع الرأي وفرض القرار.

وعجزها، جعل كل خيوط اللعبة تمسك بها أيادي أعدائها، في الوقت الذي تستطيع أن تشكل القوة الرابعة في العالم، بما تملكه من عناصر اقتصادية هائلة ظاهرة وكامنة، من مصادر مياه غير محدودة أو محسوبة، وأرض زراعية خصبة بكر واعدة، كافية لغذاء العالم أجمع، فضلاً عن الموقع الجغرافي المميز، الذي يطل على أهم البحار والممرات المائية، مِما يجعلها تسيطر على معظم حركة التجارة العالمية.

وحالها، كحال ما قاله شاعرها :كالعير في البيداء يقتلها الظمأ..  والماء فوق ظهورها محمول.

هذه الأرض الطيبة، اختارها الله أن تكون أرض الرسالات السماوية جميعها، ليحمل أهلها قيم ودعوات تلك الرسالات، مُبشّرين بالخير والسلام والعدالة والمحبة على وجه البسيطة.

هل يعي العرب معنى وقدر هذه الرسالة؟ وهل أعدوا أنفسهم لحمل هذا الدور التاريخي والواجب؟

إن الأمم لا تبنى بالعواطف والأماني والمشاعر الجياشة، إنما بالرؤية العلمية والمؤسسة على دراسات وبحوث، تستند الى معطيات ومعلومات ووقائع مؤكدة وثابتة، وأخرى يمكن صنعها وجلبها ومناداتها متى ما كان ذلك مؤاتياً.

هذا ليس بالأمر السهل أو الميسّر، في ظل الظروف المعقدة الحالية، المسيطرة على مجمل الدول العربية، وهو قدر ومصير ينبغي إنفاذهما بالتواصي بالحق والصبر والإيمان بالهدف. وهذا يتطلب إعداد العدة والأدوات، ثم العمل والمتابعة من مراكز قادرة ومؤهلة، وأطراف ممتدة على أبعاد دائرة المقصد.

هكذا فعلت سنغافورة،  وتحوّلت من أرض حفر ومستنقعات، إلى أكثر دول العالم تقدماً ورفاهية، وكذلك رديفتها ماليزيا، حيث قفزت إلى مصاف العالم الأول، خلال 20 عاماً من حكم مهاتير محمد.

وفي الإقليم المجاور  تبرز تركيا، التي كان اقتصادها في المرتبة الـ112 عالمياً، وخلال 18 عاماً، أصبحت ضمن العشرين العظماء ومن أكثر الدول نموًّا.

وإيران أضحت قوة عالمية لا يستهان بها، بما تملك من ترسانة عسكرية مهيبة ومتطورة، تبزّ بها دول العالم المتقدم.

لكي تنهض أمة العرب، وتأخذ مكانها المأمول بين الأمم، لا بدّ لها من مشروع نهضوي قومي يلمس كل مناحي الحياة، يضع التصوّر والخطة والدراسات، ويبيّن المسار ويحدّد الهدف، يشترك فيه القادة والنخب والعامة، كل حسب موقعه ودوره.

هذا ما سأتناوله في الجزء الثاني من المقال، واضعاً في الحسبان حجم الدمار الذي ضرب الأمة، وتأثير القوى المتربصة بها.

* ناشط سياسي

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى