الزواج التالي في الإسلام

خاص “المدارنت”
ألزواج في الإسلام، ميثاقٌ غليظ وآية من آيات الله، يقوم على السكن النفسيّ والمودّة والرحمة وحسن العِشرَة، وقد جعله الله، سبحانه وتعالى، أساسًا متينًا ومباركًا لبناء الأسرَة واستقرار المجتمع.
ما سأعرِضُهُ، في هذه المحاولة لمقاربة موضوع تعدُّد الزوجات، هو فهم خاصّ يشاركني فيه نسبة لا يستهان بها من المسلمين، لا ترى ما يراه رجال الدين، أو ما نشأ على فهمه معظم المسلمين، أنّ للمسلم الحقّ في الزواج من أربع نساء، وله الحقّ في الزواج بالعدد الذي يريد؛ طالما أنّه لا يبقي على ذِمّتِهِ أكثر من أربعة، أي يُطلِّق ساعة يشاء ويتزوّج ساعة يشاء، من دون رادع، طالما هو قادر على تأمين معيشة النساء.
قال الله تعالى: “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون” (الروم 21)، “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَمُم مِّنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء”،
وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيم” (النور 32).
أمّا الأحاديث النبوية الشريفة عن الزواج؛ منها ما هو موجّه الى الشباب: “يا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فإنَّه أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ”، ومنها حول معيار اختيار الزوجة: “تُنْكَحُ المَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ”. وحديث قبول صاحب الدين والخلق: “إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ”، وحديث تيسير المهور والبركة: “أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مَئُونَة”.
أمّا الموضوع الجدليّ الذي يتناوله الكثيرون من زاوية واحدة، وهي حقّ، بل وواجب المسلم، أن يتزوّج من أربعة نساء، فهذا يؤدّي إلى اشكاليّة لم يستقرّ النقاش أو التفسير فيها إلى قرار واضح لا جدال فيه.
تقول الآية الكريمة، في هذا المجال: “.. وإن خِفتُم ألّا تُقسِطوا في اليَتامى فانكِحوا ما طابَ لكم مِنَ النساءِ مَثنى وثُلاثَ ورُباعَ فإن خِفتُم ألّا تعدِلوا فواحِدَة أو ما ملكَت أيمانُكُم ذلكَ أدنى ألّا تَعولوا”، أي يقتصر الزواج التالي، لو أردنا تفسيرًا لغوِيًّا واضِحًا، على الأرامِل اللائي لهنّ أطفال؛ يُخشى عليهم من الجوع والخوف والتشرُّد وشيوع المعاصي في المجتمع، وفي آية أخرى: “.. ولن تستَطيعوا أن تعدِلوا بين النِساءِ ولَو حرِصتُم”، أي؛ فمن خاف من ذلك فيجب أن يقتَصِر على واحدة.
من هنا، وبعودة إلى جوهر الخطاب الإسلاميّ؛ القائم على الالفة والمحبّة والتعاضُد والتكاتف والتكافل، ودعم الضعيف والوحدة، لا يمكن لترك الحبل على غاربِه للرجل لكي يتزوّج امرأة أخرى، فيقع في مخالفة لكلّ القيم الاسلاميّة الواردة في القرآن والسنّة.
ألزواج التالي في الإسلام، إذن، مشروع لحلّ مشكلة وليس لخلق مشكلة. هناك العديد من الحالات الفرديّة التي توجِب الزواج التالي، مثل: جنون الزوجة، شلل الزوجة أو عقمُها.. الخ، وهناك في الحالات الجماعيّة مثل نتائج الحروب التي يُقتَل فيها الكثير من الرجال؛ فتزيد نسبة النساء اللاتي بحاجة إلى زواج؛ فيكون توجُّه من قِبَل وليّ الأمر بزواج تالٍ لمن يستطيع، لكي لا تنتشر الفاحشة بين الناس وتسوء الأخلاق العامّة.

أمّا من يستشهد بأنّ النبيّ، عليه الصلاة والسلام، تزوّج بالعدد الفلانيّ من النساء، وغيره من الصحابة، تزوّجوا بالعدد “العلّاني” فهذا ليس بحجّة على الإطلاق، لأنّ زواج النبيّ؛ كان له أسبابه المتعلِّفة بالرسالة والدعوة وبلبيئة والظروف السياسيّة والاجتماعيّة، التي واكبت مسيرة الرسول الكريم، وكذلك كان لكلّ صحابيّ؛ سبب معيّن، يتعلّق بانتشار الدعوة وتثبيت أواصر المجتمع والدولة.
أمّا ان نقول علينا أن نبيح تعدُّدد الزوجات، من دون ضوابط وأسباب موجِبَة، ونعتبره فرضًا وسنّة أو حقًّا إلهيًّا، فهذا تجَنٍّ على الإسلام والرسول والتابعين إلى يوم الدين، لأنّ الحقيقة الحاسِمة هي في القرآن الكريم، الذي “لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خلفِه”.
إنّ الزواج التالي في الإسلام، له شروطُهُ وموجِباتُهُ، التي لو عدنا إلى جوهر القرآن بحكمة وروِيّة، بعيدًا عن التأويلات التي زخرَت بها ترَسُّبات الكتب والعصور، لما اختلف اثنان في هذه القضيّة.



