مقالات

الشذوذ: جريمة معاصرة.. الجزء (2-2)*

د. أسعد السحمراني/ لبنان

“المدارنت”..

الموقف المسيحي من الشذوذ

يحتلّ الزواج مكانة رفيعة في المسيحيّة، وهو من الأسرار السبعة المعتمدة وهي: “سرّ المعموديّة، وسرّ التوبة، وسرّ مسحة زيت الميرون، وسرّ القربان، وسرّ الكهنوت، وسرّ مسحة المرضى، وسرّ الزواج.”
وحسب النصّ الإنجيلي فإنّ الخالق سبحانه جعل من البشر ذكراً وأنثى، وفي طبيعتهما انجذاب الواحد للآخر، والزواج من أجل تكوين العائلة التي هي الخليّة النواة للاجتماع البشري، ولهذا عندما تبدأ رحلة الحياة الزوجيّة ينفصل الرجل وكذلك المرأة عن والديْهما ليؤسّسا عائلة؛ النصّ الإنجيلي هو: “أما قرأتم أنّ الخالق من البدء جعلهما ذكراً وأنثى، وقال: لذلك يترك الرجل أباه وأمّه ويتّحد بامرأته، فيصير الإثنان جسداً واحداً؟” (أنجيل متّى 19: 4، 5).
هذا هو الزواج، وهو سنّة كونيّة في البشر، ولم يأتِ أن يتّحد بالزواج ذكر بذكر وأنثى بأنثى، فهذا شذوذ وانحراف حذّرت منه المسيحيّة.
فالمثليّة أو الشذوذ الجنسي المخالف للطبيعة البشريّة، وللطبع الإنساني محرّم مسيحيّاً، ومن يفعل ذلك لا يرث ملكوت الله، وهو في الجحيم ومن المسيحيّة هذا النصّ: “أما تعرفون أنّ الظالمين لا يرثون ملكوت الله؟ لا تخدعوا أنفسكم، فلا الزناة، ولا عبّاد الأوثان، ولا الفاسقون، ولا المبتلون بالشذوذ الجنسي… يرثون ملكوت الله.” (رسالة بولس الأولى إلى كورنتوس 6: 9).
هل قرأ مروّجو المثليّة والشذوذ هذا النصّ؟ وهل عرفوا أنّ فعلهم مصنّف مع الزنا وعبادة الأوثان؟ وهل علموا أنّ الشاذّين محرومون من الفردوس والجنّة، وأنّهم مع الوثنيّين والفاسقين؟
ثمّ جاء نصّ مسيحيّ آخر في العهد الجديد يبيّن ضلالهم لأنّهم من أتباع الهوى الشيطاني، ومن محترفي الشهوات الدنيئة رجالاً ونساءً. النصّ هو كالآتي: “ولهذا أسلمهم الله إلى الشهوات الدنيئة، فاستبدلت نساؤهم بالوصال الطبيعي غير الطبيعي، وكذلك ترك الرجال الوصال الطبيعي للنساء، والتهب بعضهم لبعض، وفعل الرجال الفحشاء بالرجال، ونالوا في أنفسهم الجزاء العادل لضلالهم.” (رسالة بولس إلى رومية 1: 26، 27).
مراجعة هذا النصّ تفيد أنّ المثليّة ضلال وفعل غير طبيعي، واتّباع للشهوات الدنيئة. فهل يريد دعاة المثليّة مثل هذه النعوت، وإذا كانوا من الضالّين وأهل الدناءة، والشاذّين عمّا هو طبيعي في العلاقات الجنسيّة، فلماذا يريدون تعميم أمراضهم وانحرافاتهم وفسادهم على المجتمع؟
أمّا بالذهاب إلى المُعاصر فقد بيّنت مقرّرات “المجمع الفاتيكاني الثاني 1965” مكانة الزواج، وفيها ما يلي: “إنّ الشركة الحميمة في الحياة، والحبّ الزوجي قد أسّسها الخالق، ووضع لها نواميسها… وهذا الرباط المقدّس الذي يخدم الأزواج والأبناء والمجتمع لا يخضع لمزاج الهوى البشريّ. فإنّ الله نفسه هو واضع الزواج، ولهذا الزواج ميّزات وأهداف خاصّة، وكلّ ذلك شديد الأهميّة من أجل استمرار الجيش البشريّ”.
إنّ هذا النصّ يحتاج لوقفة تأمّل ففي محتواه أنّ الزواج كان بمشيئة إلهيّة لا تقبل الأهواء البشريّة، وأنّ الزواج يكون من أجل الزوجيْن والأبناء والمجتمع، بينما المثليّة عصيان لمشيئة الخالق، وهي هوى شيطاني شهواني، وهي إلغاء للحياة الزوجيّة، وقضاء على الإنجاب، ونشر للفساد والرذائل في المجتمع. لذلك يكون واجب المسيحيّ أن يقاوم هذه الظاهرة التي تؤسّس للشرّ، وتنشر المعاصي والمفاسد.
ويأتي في جملة المواقف الكنسيّة الرافضة لهذا الشذوذ اجتماع ممثّلي الكنائس في مصر بتاريخ 8-9-2003 برئاسة البابا شنودة الثالث، وكان الموقف: “رفض الشذوذ وسياماته وإدانته استناداً إلى تعاليم السيّد المسيح عليه الصلاة والسلام ونصوص العهد الجديد… لأنّ الشذوذ يتعارض مع الكتاب المقدّس، ويهدّد استقرار الزواج الطبيعي، وضدّ طبيعة تكوين الأسرة، وأخلاقيّات المجتمع، وكرامة الإنسان، ونقاء الكنيسة.”
المثليّة حرام في المسيحيّة، وهي قذارة ضدّ النقاء، وهي ضلال، وشهوات دنيئة، وضدّ الزواج وتكوين الأسرة، وتُهين كرامة الإنسان… إلخ.
فهل يتّعظ مروّجو المثليّة والشذوذ؟

الموقف الإسلامي من الشذوذ
كانت مشيئة الخالق سبحانه أن يجعل الناس نوعيْن: أنثى وذكر، ونظام الأزواج سنّة كونيّة في الكائنات كافّة. وفي النصّ القرآني: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.﴾ (سورة الذاريات، الآية 49). هذه السنّة الكونيّة شاءها الله تعالى لحفظ الأنواع، فالتوالد والتكاثر محتاج لهذه الثنائيّة، والنظام الكونيّ لا يستقرّ بغير الزوجيّة.
فالمرأة والرجل نوعان من جنس واحد؛ هو بنو آدم، ولكنّ الله تعالى جعل لكلّ منهما وظيفة ترتبط بالتكوين الذي قام على أساسه التكليف، ولهذا كان القول الفصل في قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ (سورة آل عمران، الآية 36)، وفي الجانب الإنساني كلاهما له موقعه ومكانته، ففي الحديث النبويّ الشريف: “إنّما النساء شقائق الرجال.” أخرجه أبو داود في السنن، كتاب: الطهارة.
فالنساء نظائر الرجال، كيف لا وهما من نفس واحدة؟ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ، واحِدَةٍ، وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا ونِسَاءً﴾ (سورة النساء، الآية 1).
فالزوجان: الرجل والمرأة يتكاملان ويأتلفان بالزواج فيتحقّق بينهما المودّة، والتراحم، والسكن، ومن خلال الأسرة يكون الاستقرار الاجتماعي، ومنها يكون تواصل الأجيال من بنين وحفدة. قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ (سورة النحل، الآية 72).
وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.﴾ (سورة الروم، الآية 21).
ثمّ يكون النكاح أو الزواج على أساس أركان حدّدها الشرع هي: القبول والأيجاب، والمهر، والوليّ، وشاهديّ عدل، ويكون عاقد يتمّم العقد بينهما. والزواج له ضوابطه ويرتّب على طرفيّ العلاقة: الرجل والمرأة، حقوقاً وواجبات تحتاجهما الأسرة لتحقيق مقاصدها الاجتماعيّة، ومنها الإنجاب.
أمّا الخروج عن هذه الأسس الشرعيّة من خلال دعوات الزواج اللاديني، والمثليّة والشذوذ، فإنّه عامل تدمير للأسرة، ومثل ذلك يجعل الشخص ألعوبة ومنقاداً للأهواء الشيطانيّة، هادراً لقيمته وكرامته، وينتج من ذلك مسارات فوضويّة في الرباط بين الأفراد تخالف الفطرة السليمة، وهي تندرج في باب المعاصي التي عرفتها بعض الشعوب فحلّ عليها غضب الله تعالى، وكانت في عداد الأمم البائدة عبر التاريخ.
لقد جاء في النصّ القرآني قصص قوم لوط عليه السلام الذين جنحوا إلى الشذوذ ومارسوا المثليّة في أن يقضي الذكور شهوتهم مع الذكور، وهذه فاحشة تخالف الفطرة، والطبيعة البشريّة، وهي معصية لله تعالى، كما أنّها تُعدِم الإنجاب والتكاثر وتنشر الأمراض النفسيّة، والاجتماعيّة، والجسديّة/العضويّة.
قال الله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ.﴾ (سورة الأعراف، الآية 80).
قال القرطبيّ في تفسيره (الجامع لأحكام القرآن): “الفاحشة: يعني: إتيان الذكور، ذكرها الله تعالى باسم الفاحشة ليبيّن أنّها زنى… واختلف العلماء فيما يجب على من فعل ذلك، بعد إجماعهم على تحريمه. فقال مالك (بن أنس): يُرجم؛ أُحصِن أم لم يُحصن، وكذلك يُرجم المفعول به إن كان محتلماً (بالغاً)، ويحبس ويؤدّب إن كان غير محصن، وهو مذهب عطاء والنخعي، وابن المسيّب وغيرهم. وقال أبو حنيفة: يعزّر المحصن وغيره… وقال الشافعي: يحدّ حدّ الزاني قياساً عليه.”
وقال الله تعالى في مثل فعل قوم لوط: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ.﴾ (سورة الشعراء، الآيتان 165، 166).
فما جاء في حقّ قوم لوط ينطبق على دعاة المثليّة الذين يرتكبون الفاحشة، ويأتون الذكور، ويذرون ما خلق الله تعالى في نظام الأزواج؛ وفي الحديث النبويّ الشريف: “من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به.” (أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه، وأبو داود؛ وهو صحيح).
وأخرج الترمذيّ حديثاً آخر، هذا نصّه: “إنّ أخوف ما أخاف على أمّتي عمل قوم لوط.” (حديث صحيح).
وقال الترمذيّ في السنن في التعليق على الحديثيْن، في كتاب: الحدود، باب: ما جاء في حدّ اللوطيّ: “وقال بعض أهل العلم من فقهاء التابعين، منهم الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم؛ قالوا: حدّ اللوطيّ حدّ الزاني، وهو قول الثوريّ وأهل الكوفة.
تأسيساً على ما تقدّم؛ القول الفصل هو: المثليّة والشذوذ حرام، ومعصية لله تعالى، وفعل منافٍ للفطرة والطبيعة البشريّة. وواجب المسلمين كافّة محاربة الفساد حتّى لا يعمّ وينتشر، لعلّ الناس يرجعون إلى رشدهم.
قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.﴾ (سورة الروم، الآية 41).

استنتاج وتوصيات
إنّ دعوات الانحراف والشذوذ التي تشجّعها وتموّلها جهات مشبوهة، لها مخطّطات دوليّة تآمريّة شيطانيّة، هدفها تفكيك الأسرة، ونشر الفوضى الاجتماعيّة، وإشاعة المفاسد والرذائل، ويمكن حصر غاياتهم بما يلي:
1- ضرب الانتماء عند الإنسان على الوجه الآتي:
أ- الانتماء للنوع، وخلط الأنوثة بالذكورة، وفي هذا تمرّد من قبل الفرد على خصائصه، ودوره الاجتماعيّ، ووظيفته في الحفاظ على النوع.
ب- الانتماء للأسرة، ومن ثمّ العائلة المركّبة، فالعشيرة، فالاجتماع الوطنيّ، لأنّ المريض الذي قاده مرضه إلى الشذوذ لا يعرف كيف يلتزم القيم الناظمة لشبكة العلاقات الاجتماعيّة.
ج- ضرب الانتماء الديني عند المسلم وعند المسيحيّ، من خلال التمرّد على مشيئة الخالق سبحانه في التزام السنن الكونيّة، ومن خلال عدم التزام أوامر الدين ونواهيه.
د- إنّ من يخون دينه، وقيمه الأخلاقيّة، وعلاقته الزوجيّة الطبيعيّة، يسهل عليه أن يخون مقدّساته، ووطنه، وأمّته، وقومه.
أمّا مواجهة هذه الدعوات الهدّامة للفرد والمجتمع فإنّها تحتاج التوصيات الآتية:
1- إقرار التعليم الديني في كلّ المراحل، شرط أن يكون المقرّر فيه متضمّناً الإيمان بالله الواحد الأحد بلا تعصّب، وأن تكون المقرّرات بمضمون قيمي يستحضر القيم التي تبني الأسرة، والمجتمع، وترسّخ الأخلاق السامية والمثل العُليا.
2- مراجعة ما كان من إجراءات أو تراخيص لجمعيّات منحرفة عن قيم الدين والخلق في ضوء الالتزام بجوهر رسالات السماء، مع الإشارة إلى أنّ إسعاد الإنسان مرتكزه، وأساس مساره قيم الدين؛ كما جاء في مواد الدستور وسواها من النصوص التي وردت في هذه المقالة.
3- رفع درجة الاهتمام بمواجهة دعوات الشذوذ والإفساد في الخطاب الديني والوعظيّ، على أن يتضمّن الحجج الإقناعيّة، والأساليب الحواريّة، وعدم الاكتفاء بالأمر والنهي.
4- تشريع مواد في قوانين العقوبات فيها تشدّد مع سجن وغرامات مرتفعة، انطلاقاً من قول الخليفة عثمان بن عفّان -رضي الله تعالى عنه-: “إنّ الله تعالى ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”.
فهناك كثيرون تردعهم العقوبات لا التوجيهات الرشيدة.
5- أن تعمل المنظّمات الأهليّة الحريصة على الأجيال لإقامة فعاليّات تنشر الوعي بقيم الدين والخُلق الحسن، وتؤسّس للوعي الفكريّ/الاجتماعيّ/الوطنيّ، الذي يملك المواهب الكافية للردّ على الأفكار الهدّامة، وأنماط السلوك الشاذّة، هذا مع التوعية بأهميّة الأسرة والعائلة في حفظ النوع والقيم، وفي صناعة الاستقرار الاجتماعي والأمان النفسي.

* إدارة تحرير موقع “المدارنت، تشكر أستاذ العقائد والأديان المقارنة، البروفيسور أسعد السحمراني على هذه الدراسة العلمية القيّمة.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى