خاص “المدارنت”..
كمثال أقول.. وبإختصار شديد وموجز وكرؤوس أقلام وعناوين، ومن وجهة نظري الشخصية المتواضعة: إن وباء الضمير الأخلاقي الإنساني، وبخاصة عندما يصيب من تسمي نفسها بـ”النخبة”، هو السبب الرئيسي والأساسي والحقيقي لوباء المجتمعات البشرية، وجوهر كل ذلك الوباء، وأن من يعتقد ويؤمن منها – أي من تلك النخبة، بأن تمسكه بـ”الصنمية” أيا كانت، دينية أم غير دينية، سواء تلك التي ماتت واندثرت وطمرت، أو تلك التي ما تزال، سوف يبعثها من جديد أو سوف تستمر إلى مالا نهاية، فهو واهم كل الوهم، ومخدر بها..
فتلك التي ماتت واندثرت وطمرت، لن تبعث من جديد ولن يتم بعثها، لا به ولا بغيره، وتلك التي ما تزال، سوف يكون مصيرها مثل مصير سابقاتها، بل قد يكون مصيرها أفدح وأفظع وأقبح، وأن عفن تلك الصنمية وقاذوراتها، أفكارا وثقافة وعقلية ومن ثم أقوالا وأفعالا وسلوكيات وتصرفات، هو/ هي الأخطر والأفدح والأفظع والأشد فتكا بالمجتمع وبالأمة، وقبل ذلك والأهم من كل ذلك، بالإنسان الفرد، حاضرا ومستقبلا، وبخاصة تلك التي تضفي على عفنها وقاذوراتها طابع القدسية، وتلبسه لباس الحقيقة المطلقة.
كل صنمية، عفنة وقذرة بحدّ ذاتها، والصنمية ليست في طبيعة وجوهر الأشياء، بل في معتنقي وأتباع ومؤمني تلك الأشياء، هم من يجعلون منها كذلك، ويضفون عليها ذلك الطابع “الصنمية”.
بمعنى، أن الأشياء والموجودات ليست أصناما بذاتها، وإن الأصنام وإن وجدت ليست مقدسة بذاتها, إنما نحن، من نجعل منها أصناما ومن ثم نعبدها ونقدسها ونرفض مجرد التفكير في أن نصبأ عليها، مهما بان للعيان وظهر زيفها وبطلانها وعدم قابليتها وملائمتها للمرحلة الجديدة والواقع الجديد، فقديما كان أجدادنا يصنعون بعضا من أصنامهم الذين يعبدونها ويقدسونها من التمر، فإذا جاعوا هبّوا إليها وهرعوا نحوها والتهموها أكلا نهما لها.
أما نحن الأحفاد، فإننا نصنع أصنامنا من وحوش كاسرة، حتى إذا ما شعرت هي بالجوع هبّت إلينا وهرولت نحونا والتهمتنا، أكلا وحشيا نهما لنا، إن العبودية، كنتيجة حتمية لتلك الصنمية، ليست عبودية الأجساد.. إنما العبودية الحقيقية هي عبودية الأفكار والعقول, عبودية الأنفس والأرواح.
فعبودية الأجساد مع وجود الفكر والعقل والروح المتحررة سهلة الخلاص منها والتحرر، أما عبودية الأفكار والعقول والأنفس والأرواح، حتى ولو كانت الأجساد متحررة ومحررة، فإنه من الصعب التخلص والخلاص منها، ومن الصعب جدا تحررها وتحريرها.
ألم يقل أفلاطون ذات يوم من الأيام:”إن السماء لو أمطرت حرية، لرأيت بعض العبيد يرفعون المظلات”.
إن ظاهرة الصنمية تعد من أخطر الإشكاليات التي تعاني منها العقلية العربية الحاضرة، وفي المقدمة العقلية النخبوية، لما لها من نتائج سلبية على حاضر الأمة العربية ومستقبلها, فالعقلية العربية الحاضرة تتصف بأنها لا تسعى للتجدد والتجديد والتغيّر والتغيير, والتطور والتطوير، والتماشي مع متطلبات العصر الحاضر وحداثته وتطوره ورقيه، وهي عقلية جامدة تعاني من عدم القدرة على الإبتكار والإبداع, وإذا حدث بعض منه فإنما يحدث بصورة فردية وليست وفقا لمنهجية علمية مؤسساتية، وخارج إطار بيئتها وجغرافيتها.
وإذا حاول أحد الخروج عن ذلك في بيئتها، وقفت ضده ومنعته وكفرته، تكفيرا دينياً أو ايديولوجيا أو حزبيا, أو.. أو.. الخ.
فالصنمية تعتبر ظاهرة مرضية تصيب الإنسان العربي, وعيا وثقافة وعقلية وفكرا قبل سلوكاً وتصرفا, بحيث تجعله جامدا غير متحرك يتحرك وفقا للسيرورة التي تتطلبه تلك الصنمية وتفرضه عليه، غير قادر على إحداث نقلة وعيية نوعية من تلك السيرورة، لتتحول وتصبح وتصير صيرورة، وعندما يتحرك فإنما يفعل ذلك وفقا وتماشيا مع تلك السيرورة الحركية الصنمية وفي إطارها، أسرية كانت أم اجتماعية أم بيئية أم سلطوية أم سياسية أم فردية…إلخ.
وذلك لما تريده هي لا ما يريده هو.. بما لذلك من آثار سلبية على الفرد والمجتمع والأمة، إذ أنه إذا أردنا أن نعرف حقيقة أولئك الأشخاص “النخبويين”، الذين نعتبرهم منفتحين ومتسامحين وقابلين للرأي والرأي الآخر، فما علينا إلا التعرّض لتلك الصنمية التي تسيطر عليهم وتتحكم بهم، وعيا قبل سلوكا، ايديولوجية كانت أم حزبية أم عقائدية أم فئوية أم جهوية، في كليتها أو بعض منها، فكرة أو شخصية، وفي ماضيها أو حاضرها، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، تجعلهم يظنون بأن ذلك التعرض فيه إشارة سلبية لصنميتهم، عندئذ سنتبين حقيقتهم، وهم من العدد الكثير الذي لا يستهان به,
إن مستقبلنا ومستقبل الأجيال القادمة من بعدنا، يتوقف على مدى تخلصنا وتحررنا، وعيا قبل سلوكا، قولا قبل عملا، من كل أشكال وصور وأنماط وأنواع “الصنمية” بكل سماتها وخصائصها ومظاهرها، وبكل النتائج السلبية المترتبة عليها، وإننا جميعا ملزمون بذلك, إلهيا وإنسانيا وأخلاقيا ومسؤولية، تجاه أبنائنا وأحفادنا والأجيال القادمة من بعدنا، فمن تتحكم به وتسيطر عليه وتسيره “الصنمية الايدلوجية”، وعيا وسلوكا وتصرفا وثقافة وقولا وعملا، بأي شكل من أشكالها وصورة من صورها ونوع من أنواعها، وبكل سماتها وخصائصها ومظاهرها، لا يمكن له بأن يكون قدوة للقيم الإنسانية الأخلاقية، سماوية كانت أم أرضية، أو نبراسا لها أو هاديا ومرشدا لها كذلك، مهما ادعى منها وتغنى وكتب وخطب ونظر، فما الأفعال إلا خير دليل وانصع برهان وأقوى حجة على زيف ذلك الإدعاء.
حين يحين الاختبار الحقيقي لذلك، لا يمكن له بأن يمثل مشروعا وطنيا أو قوميا أو أمميا أو إخوة دينية لكل أفراد المجتمع ومكوناته المختلفة، وقبل كل ذلك لا يمكن له بأن يمثل قيمة إنسانية للإنسانية جمعاء…
الخلاصة:
قال الله تعالى في كتابه الكريم: “بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ”.. كما قال: “وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ”.. صدق الله العظيم.
وقال الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام: “لا تَكُونُوا إِمَّعَةً، تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ، إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا”.. صدق رسول الله.