الصيادي يعلق على مقالة د. أدهم الشرقاوي: “كلُّ عامٍ وغزَّة تعيد ترتيبَ العالم!”.

خاص “المدارنت”../ ويدخل علينا عام جديد، عام جديد، ولد من رحم عام مضى، هذه مسيرة حياة، لا قيمة لما مضى فيها من وقت، ولا قيمة لما سيأتي، اللهم إلا بقدر ما يضيف أو يخسف من قيم للحياة الإنسانية، ومن قيم الوظيفة الرئيسية للإنسان في هذه الحياة، وهي تلك المرتبطة بإعمار الأرض بالخير والعدل والتقدم، وهو ما حرصت رسالات السماء أن ترشدنا إليه.
في العام الذي مضى تم توكيد أكثر السلوكيات في النظام الدولي بشاعة وقبحا، وفيما العالم ينتقل إلى العام الجديد ما زالت هذه هي المهيمنة على خريطة العالم، وأبشع هذا الفعل وأقبحه نراه فيما يجري في غزة، في هذا العدوان الذي تواطأ فيه دول، وأنظمة، ومفاهيم، وقيم، تريد كلها أن تنصر الباطل، وأن تؤكد حقه في عدوانه وطغيانه، ضاربة عرض الحائط بكل قيمة إيجابية ظن الإنسان أن البشرية قد تواطأت عليها، وصارت من القيم العامة غير القابلة للمراجعة، لكن في غزة تبين أن كل هذا مجرد وهم، وأن هذا العالم الغربي، وهذا النظام الامبريالي فاجر وعنصري وبشع إلى درجة غير معقولة.
الأخ الدكتور. أدهم شرقاوي، سجّل في “مدونة العرب”، رؤيته لهذا العالم في آخر لحظة من لحظات الانتقال من عام إلى عام، ودور غزة في إعادة ترتيبه.
وقد أجاد فيما قدم، وأصاب فيما عرى، وسلط ضوء قلمه على المشهد كله، ليظهر لكل ذي بصيرة، أن هذا المسلك “الغربي الصهيوني”، ليس مسلكا طارئا، وإنما هو تعبير حقيقي لما هو أصيل وثابت وحقيقي في هذا النظام.
وقد أصاب كثيرا حين افتتح المشهد من غزة، أرض العزة، والشهادة، والكرامة الإنسانية، التي تتصدى لكل ما هو بشع في النظام العالمي، نظام المادة، ونظام القيم، ومن غزة، وعبرها، رسم أبعاد المشهد كله.
مقالة د. أدهم الشرقاوي:
“كلُّ عامٍ وغزَّة تعيد ترتيبَ العالم!”.
غداً يلفظُ العامُ أنفاسه الأخيرة، كان عاماً مليئاً بالعزَّة، وكانتِ الطريقُ من غزَّة إلى الجنّة مليئةً بالشُّهداء!
تربعتْ غزَّة على كرسيِّ أحداث العالم، هذه البقعة الجغرافيّة التي لا تبلغُ على الخارطة أكبر من رأس دبُّوس، ثَنَى العالم كلّه رُكبتيه أمامها وجلسَ كالتلميذِ يتعلَّمُ منها دروس التّضحية والشّهادة والشجاعة والإباء!
أعادتْ غزَّة صياغة الكثير من المفاهيم، أخبرتنا أن سرَّ الثبات والنّصر ليس في البندقيّة وإنما في اليد التي تحملها، وأنَّ حفنةً من المقاتلين الذين لا يتجاوز عددهم أصغر لواءٍ في أصغر جيشٍ نظاميِّ في هذا العالم بإمكانهم أن يُمرِّغوا أنف أعتى ترسانة عسكرية في المنطقة بتراب غزَّة! وأنّ النّاس هناك لا يُشبهون النّاس، عقائدهم، صبرهم، ثباتهم، كلُّ شيءٍ هناك لا ينتمي إلى هذا الكوكب القبيح الذي نعيش فيه!
وعرّتْ غزَّةُ هذا العالم الذي يدّعي الحضارة والتمدُّن، فكشفتْ لنا ازدواجيّة المعايير، وأخبرتنا أن النّاس في هذا العالم ينقسمون إلى قسمين: أولاد جارية وأولاد ست! وأننا نحن أولاد الجارية الذين يمكن أن يُقتلوا بدمٍ باردٍ ولا بواكيَ لهم!
يمكن أن يقصف الاحتلال المستشفى المعمدانيّ ويحيل في ثانيةٍ واحدة خمسمئة إنسان إلى خمسين ألف قطعة! دون أن يهتزَّ ضمير البشريّة، ولو قُتل خمسُ فقماتٍ في القطب الشّماليّ لذرفوا عليهنّ دموع التماسيح، وظهرت إنسانيتهم الباردة!
يمكن للاحتلال أن يُسوّي مساجد غزَّة وكنائسها بالأرض ولا يجرؤ أحدٌ أن يتلفّظ بكلمة نقدٍ، اللهم ما كان من استحياء العاجز، الذي نقده لا يُقدّم ولا يُؤخر! ولو خُدشَ باب كنيسٍ يهوديّ في أي مكانٍ في العالم لجاء مجلس الأمن صفاً، ومعه الانتربول قبيلاً، خوفاً من أن يُسجّل تقاعسهم هذا على أنه معاداةٌ للساميّة!
يمكن للاحتلال أن يُفتَّتَ أجساد نساء غزَّة، وتستمرُّ الحياة في هذا العالم كأنَّ شيئاً لم يكن! هذا العالم لا تعنيه نساؤنا إلا إذا كانت قضيتهنَّ خلع الحجاب، أما اللواتي ينمنَ بثياب الصلاة خوفاً من أن يبدو من عوراتهنَّ شيءٌ إذا ما تمَّ انتشالهُنَّ من تحت الأنقاض فلا يحفلُ العالم بهنَّ، ولا تتبنّى النّسويات قضاياهُنَّ!
يمكن للاحتلال أن يقتلَ أكثر من مئة صحفيّ في غزّة ثمّ لا يكون هناك شيء! مئة صحفيِّ في غزّة لا يُساوون صحفيا واحداً في صحيفة “تشارل إبدو”، أولئك شُقرٌ وعيونهم زُرق ويحضرُ كلُّ قادة العالم لتشيعهم!
يمكن للاحتلال أن يُحيل عشرة آلاف طفلٍ في غزّة إلى جثثٍ هامدة وهو يقصفهم بالفسفور الأبيض، ثم يقيمُ هذا العالم قمّة للمناخ في محاولة لتدارك مشكلة ثقب طبقة الأوزون، والانبعاث الحراري، وذوبان الجليد، والخطر المُحدق ببيض السلاحف! ويشارك في القمة رئيس دولة الاحتلال، ويقف خطيباً في قادة العالم، ويخبرهم أنه عليهم أن يعملوا بجدّ للحدّ من تفاقم مشكلات المناخ!
الشيء الوحيد الذي يجب أن نقلق بشأن تفاقمه برأيي هو العُهر، هذا العالم عاهرٌ بشكلٍ تخجل أكبر مومسٍ في التاريخ أن تكون مثله!
يمكنُ للاحتلال أن يقصف المدارس ولا تتحرك الأونيسكو، ويقتلَ موظفي الأمم المتحدة دون أن تكترث الأمم المتحدة، فهؤلاء الذين ماتوا عرب، الأجانب اتخذوا لهم مكاناً قصياً في رفح، وإذا سلموا فقد سلمت الأمم المتحدة!
يومٌ واحد يفصلنا عن نهاية العام، غداً سيُطلقُ الناس الألعاب النّارية في شتى بقاع الأرض، أما غزّة فستدخل إلى العام الجديد بكفنها الذي ترتديه منذ تسعين يوماً، لن يعرف الأطفال في غزّة أن العام الجديد قد دخل، صوت الصواريخ قبل الثانية عشرة ليلاً لن يختلف عمّا بعدها!
وحين يحتفلُ النّاسُ بأول قُبلة سنكون نحن بانتظار أن نزفَّ أوّلَ شهيد، غزَّة لا تُشبه هذا العالم في شيء، غزَّة طاهرة ونقيّة وهذا العالم عاهر.



