الطرف الثالث يعود إلى تهديد الشعب العراقي
الطرف الثالث يعود إلى تهديد الشعب العراقي
قائد منظمة بدر هادي العامري في مؤتمر صحفي في بغداد (4/12/2021 الأناضول)
منذ ثورة تشرين (2019) في العراق، ظلت سردية حكومة المنطقة الخضراء التي بدأها رئيس الوزراء المقال، عادل عبد المهدي، تتهم الطرف الثالث (من دون أن تعرّفه) بقتل نحو 900 متظاهر سلمي شاركوا في الاحتجاجات الواسعة التي شهدها العراق، وهتف فيها الشبان والشابات وهم يرفعون علم العراق، ووراءهم غالبية الشعب العراقي، بشعار “نريد وطن”. وعبد المهدي هذا نفسه صرح فيما بعد بأن من قتل المتظاهرين قنّاصة السفارة الأميركية، ليمكر به الزمن، وعلى لسان أحد أصدقائه الولائيين، هادي العامري رئيس فيلق بدر الولائي الذي صرح قبل أيام إن فصائل المقاومة هي التي وقفت بشجاعة أمام ما سماها “فتنة تشرين”، ليفضح ما قامت به أحزاب العملية السياسية التي تتبجّح بالديمقراطية، من قتل واغتيال يرقى إلى مجازر ضد الشعب العراقي الذي خرج في تظاهرات يسمح بها دستور هذه العملية التي يتباهى به أصحابها.
قرأ صحافيون ومحللون هذا التصريح أنه زلّة لسان، لكن الحقيقة أنه أبعد من أن يكون كذلك. صحيحٌ أن هذا الخطاب كشف علناً للشعب العراقي، رسميّاً، عن الطرف الثالث، وهو ما كان كثيرون منهم ينتظرونه ليرفعوا شكاوى قانونية ضد من اغتال أبناءهم وبناتهم في العراق وخارجه، لكنه كان خطاباً مكتوباً بهذه المناسبة (عقب زيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف بغداد ومباحثاته مع “الإطار التنسيقي”) لهادي العامري، ليقرأه بالتحديد في ذلك اليوم، ويردّ فيه على مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من رئيس الوزراء علي الزيدي، وعلى خطّة مبعوثه توم برّاك بنزع سلاح المليشيات، وإبعادها عن مجموعة من الوزارات السيادية، ودخول الشركات الأميركية العراق.
يعرّي هادي العامري المليشيات ودورها في قتل أبناء الشعب العراقي في ثورة تشرين، ويحدّد للعراقيين دورها في قمع أي احتجاج ضد حكومة الخضراء
المفارقة أن هادي العامري وبقية أعضاء “الإطار” كانوا قبل زيارة قاليباف قد أيدوا كلهم، ودعموا رئيس الوزراء علي الزيدي لنزع سلاح الفصائل، وحصرها بيد الدولة لتكون هذه الحكومة مرحلة جديدة مؤسّسة على سيطرة الدولة على السلاح بالكامل، لكن المشهد حالما غادر قاليباف العراق انقلب، إذ تنصّل نوري المالكي ومن معه من موقفه المؤيد المطالب الأميركية، ودعمه رئيس الوزراء، وأخذ يغرّد بتعابير وتزويقات كلامية عن حصر السلاح مستلهما إياها من قاليباف مثل استبدال كلمة نزع السلاح بكلمة تنظيمه أو احتوائه كي لا تخدش، كما صرح، هذه الكلمات أحاسيس مليشياته. وأصرّ العامري، في خطابه، على أن قرار حصر السلاح سيادي عراقي، رغم أن أقوال اليباف بشأن سلاح المليشيات كانت علنية ومصوّرة تقول إن هذا ليس وقت حصر السلاح بسبب ما تعيشه إيران، رغم أنه ليس ضد حصر الدولة للسلاح؟
بالنسبة للشعب العراقي، أهم ما جاء في هذا الخطاب الاعتراف بوقوف المليشيات ضد ما سمّاها “فتنة تشرين”، وهما تهديد وترهيب صريحان للشعب العراقي ولقواه المنظمة والواعية التي سئمت من العملية السياسية، وتطالب ليل نهار بالتغيير وفك الارتباط المكبل بإيران وفك الانسداد السياسي الذي أوصلت إليه الأحزاب الولائية المشغولة بالمحاصصة الطائفية البلاد. وفي وقت تلوح في أفق البلاد تظاهرات وتوترات لا يمكن التكهن بلحظة انفجارها، بسبب تردّي الوضع العام وتوسع فوضى العملية السياسية وهيمنة أحزابها ومليشياتها على الدولة وسرقتها، حتى أن هناك شعوراً عراقيّاً باختفاء العراق الدولة والسيادة والاقتصاد والتعليم والتأثير، وبالأخص الميزانية الخاوية، بانتظار عقوباتٍ يلوح بها الرئيس الأميركي ترامب بداية الشهر المقبل (أكتوبر/ تشرين الأول) لمنع الدولار عن العراق، لدفع الرواتب لملايين الموظفين في الأشهر المقبلة. كلمات رئيس منظّمة بدر التي قادت “مجازر تشرين” واغتيالاتها رسالة سياسية استباقية من “الإطار التنسيقي” لمن تسوّل له نفسه على الاحتجاج مرّة أخرى، اذ اعتبر العامري أن المليشيات قد وقفت بشجاعة ضد “فتنة تشرين”، وأن سلاحها هو الذي حمى النظام من السقوط.
لم يُسمع من هادي العامري كلمة واحدة للدفاع عن أرض العراق أو عن حصر السلاح بيد الدولة، ليكون للعراق دولة حقيقية واحدة لا دولتان
هذه العملية السياسية مسدودة الأفق بالنسبة لغالبية الشعب العراقي. أصبحت معزولة تماماً عنه، رغم هيمنة أحزابها الواسعة على الدولة، ويشعر أقطابها بتهديد حقبة حكمها ونهايتها، ولا يتردّدون في الإشارة إلى مخاوفهم من أحرار العراق ورجاله الوطنيين الذين ينظمون الصفوف، ويهيئون برامج إنقاذ من أجل تخليص بلدهم وتحرير شعبه من آثار الغزو الأميركي الذي استهدف تدمير الدولة العراقية، وتحويل أرض الرافدين إلى مليشيات وطوائف وعشائر تتصارع على الغنائم والثروات، وهو ما ينفذه النفوذ الخارجي على العراق منذ أكثر من عقدين. وتقصف المليشيات الولائية دول الخليج وتستعدي سورية وتركيا وتضع من بين شروطها الأخيرة لحصر السلاح مغادرة القوات التركية الموجودة بطلب من الحكومة العراقية وفق اتفاقية، فيما بنت جداراً على الحدود السورية العراقية برقابة مشدّدة، خوفاً من تغيير النظام. ويعرف الشعب العراقي اليوم أن مدينة جرف الصخر هي بالكامل قاعدة للحرس الإيراني، لا يوجد فيها أي قوات عراقية وليس عليها سلطة من حكومة المنطقة الخضراء. وقد حذّر أبو ظافر الزيادي، وهو آمر مليشيا لواء 41 ومساعد سابق لأبو مهدي المهندس وقاسم سليماني، في “فيديو” سُرّب في وسائل التواصل الاجتماعي، إذ خاطب أتباعه: “استعدوا للانهيار الكامل. سلاح الجو الأميركي وحلف ناتو لم يعد معنا، كما في حرب تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، إيران تتخلّى عنا، تركيا تصنّع الطائرات المسيّرة وتدعم سورية”.
في هذا الخطاب، يعرّي هادي العامري المليشيات ودورها في قتل أبناء الشعب العراقي في ثورة تشرين، ويحدّد للعراقيين دورها في قمع أي احتجاج ضد حكومة الخضراء، يعرّي أحزاب العملية السياسية، وبالأخص “الإطار التنسيقي”، المؤسّس لهذه المليشيات التي لا تهمّها مصلحة العراق، ولا دولته التي تفكّكت منذ وصولهم إلى حكمها، إذ لم يسمع من العامري كلمة واحدة للدفاع عن أرض العراق أو عن حصر السلاح بيد الدولة، ليكون للعراق دولة حقيقية واحدة، لا دولتان. بل في أكثر من مناسبة، تحدّى العامري وغيره من قادة الفصائل، مثل أمين عام حركة النجباء، أكرم الكعبي، والمتحدث باسم كتائب سيد الشهداء وحزب الله والأوفياء كاظم الفرطوسي، أن سلاح المليشيات مقدّس والمليشيات هي من تقرّر مسألة حصر السلاح وليس الحكومة. هذه المليشيات وقياداتها، مثل هادي العامري ونوري المالكي، الذي ذكر مصدر مقرّب منه أنه غمز لقادة المليشيات في اجتماع لهم أخيراً لمناقشة حصر السلاح، وقال لهم بعدم تسليم السلاح، والعمل بالتوصيات الإيرانية بكسب الوقت مع الولايات المتحدة والرئيس ترامب، بانتظار انتخابات شهر نوفمبر الأميركية وخسارة ترامب فيها، تتلاعب بالتعابير والتسميات مع رئيس الوزراء علي الزيدي، ومع الشعب العراقي، ليثبتوا، بالصوت والصورة مجدّداً، وكما يصفهم الشعب العراقي مجموعة استولت على مقدّرات العراق ودولته، لا هم لها إلا البقاء في السلطة وهي مستعدّة مرة آخرى لقتل العراقيين الذين يريدون وطناً ودولة محترمة مثل باقي الدول.




