العراق.. الصواريخ تُفجّر آخر فرصة للخروج من لعبة المحاور!

“المدارنت”
لم تكن الضربات الأمريكية/ السعودية التي استهدفت سبع مدن عراقية مجرد عملية عسكرية عابرة في سياق الحرب الإقليمية المتسعة، بل مثلت نقطة تحول قد تعيد العراق سنوات إلى الوراء.
فالخسائر البشرية، التي شملت عشرات القتلى والجرحى العراقيين، إضافة إلى مقتل مستشارين من الحرس الثوري الإيراني كانوا موجودين في مقرات للحشد الشعبي، ليست سوى الوجه الأكثر وضوحا للمشهد. أما الخسارة الأكبر فهي إصابة المشروع السياسي العراقي في مقتل، في لحظة كان يبدو فيها، للمرة الأولى منذ سنوات، أن بغداد تحاول شق طريق مختلف يقوم على تغليب المصالح بدل الانخراط في لعبة المحاور.
تكمن المفارقة الأولى في توقيت الضربة، فقبل أيام قليلة فقط، كانت حكومة علي الزيدي تتحرك في اتجاه معاكس تماما لمنطق التصعيد. فقد وقعت بغداد اتفاقيات مهمة مع تركيا، وأطلقت مسارا اقتصاديا وأمنيا جديدا مع أنقرة، بينما كانت الزيارة الرسمية الأولى لرئيس الوزراء إلى السعودية، على وشك الانطلاق، في محاولة لفتح صفحة تعاون مع الرياض، وتثبيت سياسة تقوم على إعادة العراق إلى محيطه العربي والإقليمي، بعيدا عن الاستقطاب الحاد الذي حكم المنطقة طوال العقدين الماضيين، لكن الصواريخ سبقت الدبلوماسية، وألغت الزيارة قبل أن تبدأ، وأعادت العلاقات إلى نقطة الصفر تقريبا.
ويشير عدد من المراقبين إلى تزامن هذا التصعيد مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، معتبرين أن الضربات لا يمكن فصلها عن إعادة رسم أولويات الحرب الإقليمية، بعد أشهر من المواجهة المفتوحة مع إيران. ووفق هذا التقدير، فإن توسيع مسرح العمليات ليشمل العراق، يحقق أكثر من هدف في آن واحد؛ فهو يوجه رسالة إلى طهران بأن شبكتها الإقليمية لن تبقى بمنأى عن الاستهداف، ويطمئن الحلفاء الإقليميين إلى استمرار سياسة الردع، كما يمنح الإدارة الأمريكية ورقة ضغط إضافية في أي ترتيبات سياسية، أو أمنية قادمة. غير أن الثابت في كل ذلك أن العراق وجد نفسه، مرة أخرى، يدفع ثمن حسابات تتجاوز حدوده ومصالحه الوطنية.
ولعل أكثر ما يثير الانتباه أن هذه الضربة لم تأتِ نتيجة خلاف سياسي مباشر بين بغداد والرياض، بل جاءت بوصفها ردا على هجمات بطائرات مسيرة استهدفت منشآت نفطية سعودية في المنطقة الشرقية. وهنا تظهر المفارقة الثانية. فالعراق الرسمي ينفي مسؤوليته عن تلك الهجمات، ويطالب بالأدلة، بينما تشير روايات إعلامية واستخباراتية متقاطعة إلى أن منفذي الهجمات ليسوا بالضرورة العراقيين وحدهم.
فقد كشفت وكالة رويترز، نقلا عن مسؤولين إقليميين، أن عناصر من جماعة أنصار الله الحوثية دخلوا العراق خلال الفترة الماضية، واستضافتهم فصائل منضوية في الحشد الشعبي، وأن الهجمات على المنشآت النفطية السعودية نُفذت من الأراضي العراقية، عبر تنسيق مباشر بين الحوثيين وفصائل عراقية، وتحت إشراف مستشارين من الحرس الثوري الإيراني. وإذا صحت هذه الرواية، فإن العراق يكون قد تحول، من دون قرار من دولته، إلى منصة لإدارة صراعات الآخرين، وهو أخطر تحول يمكن أن يصيب دولة تحاول استعادة سيادتها.
أما إذا لم تثبت هذه الاتهامات، فإن المشكلة لا تقل خطورة، لأن الرد العسكري وقع قبل انتهاء أي تحقيق عراقي، ما دفع بغداد إلى الاحتجاج رسميا والمطالبة بأدلة تثبت انطلاق الهجمات من أراضيها. لكن المسألة تتجاوز كثيرا الجدل حول مصدر الطائرات المسيرة. فالسؤال الحقيقي هو: من هو الخاسر الأكبر؟ قد تبدو الإجابة للوهلة الأولى أنها الفصائل المسلحة التي تعرضت مقراتها للقصف، أو إيران التي فقدت عددا من مستشاريها العسكريين، غير أن الخاسر الحقيقي هو الدولة العراقية نفسها.
فهذه الضربات تمنح الفصائل القريبة من طهران حجة سياسية يصعب على الحكومة تجاوزها. إذ إن مشروع حصر السلاح بيد الدولة، سيواجه الآن خطابا مضادا يقول، إن سلاح الميليشيات هو الذي يحمي العراق من الاعتداءات الخارجية، وإن التخلي عنه يعني ترك البلاد مكشوفة أمام الضربات الأمريكية أو الإقليمية.
بهذا المعنى، فإن الصواريخ ربما لم تدمر مقرات عسكرية فقط، بل أصابت أيضا مشروع الزيدي لإعادة بناء احتكار الدولة للقوة. فقبل أيام كان النقاش يدور حول آليات دمج السلاح أو تنظيمه، أما اليوم فمن المرجح أن يتحول إلى نقاش حول شرعية الاحتفاظ به، بل تعالت بعض الأصوات مطالبة بتعزيزه.
وهنا تبرز مفارقة أخرى أكثر تعقيدا. فالعملية العسكرية التي قيل إنها تستهدف الحد من نفوذ الجماعات المسلحة قد تؤدي عمليا إلى تعزيز نفوذها. إذ إن الفصائل ستجد في الهجوم فرصة لإعادة إنتاج خطاب «المقاومة» واستنهاض جمهورها، بينما ستجد الحكومة نفسها في موقع الدفاع بدل المبادرة، وهو تحول سياسي لا يقل خطورة عن التحول الأمني.
غير أن الضربة لا تهدد ملف السلاح وحده، بل تمتد آثارها إلى مجمل البرنامج الحكومي. فالزيدي جاء إلى السلطة وهو يحمل شعارين رئيسيين: مكافحة الفساد، وإعادة بناء قوة الدولة. وكلا المشروعين يحتاج إلى بيئة سياسية هادئة، وإلى توافق داخلي، وإلى تراجع منطق التعبئة العسكرية.
أما اليوم، فإن الأولوية ستنتقل تلقائيا من الإصلاح إلى الأمن، ومن الاقتصاد إلى المواجهة، ومن التنمية إلى إدارة الأزمة. وهذه ليست مشكلة عراقية داخلية فحسب، بل هي نتيجة طبيعية لتحول العراق إلى إحدى ساحات الحرب الإقليمية. فكلما ارتفع منسوب التصعيد بين واشنطن وطهران، تقلصت قدرة أي حكومة عراقية على تنفيذ برنامجها الداخلي، لأن جدول الأعمال الوطني يصبح رهينة لجدول الأعمال الإقليمي.
وتزداد الصورة تعقيدا إذا أخذنا في الاعتبار ما يتردد في الأوساط السياسية عن ضغوط متزايدة يتعرض لها رئيس الوزراء وصلت، حسب تسريبات سياسية متداولة، إلى حد تفكير علي الزيدي بتقديم استقالته إذا استمرت الأزمة الحالية بالتصاعد، وحتى لو بقيت هذه المعلومات في إطار التسريبات غير المؤكدة، فإن مجرد تداولها يكشف حجم المأزق الذي تواجهه الحكومة، بين ضغوط داخلية تطالبها بمواقف أكثر تشددا، وضغوط خارجية تريد منها السيطرة على الفصائل المسلحة، في وقت لا تملك فيه الأدوات الكافية لتحقيق الأمرين معا.
لقد حاول العراق، خلال الأشهر الأخيرة، أن يقدم نفسه بوصفه جسرا بين المتخاصمين، لا خندقا في إحدى الجبهات. وكانت الدبلوماسية العراقية تتحرك على هذا الأساس، فتفتح قنوات مع أنقرة، وتستعد لزيارة الرياض، وتحافظ في الوقت نفسه على علاقاتها مع طهران وواشنطن، لكن الضربة الأخيرة أعادت طرح السؤال القديم: هل يُسمح للعراق أصلا بأن يكون دولة محايدة؟
التجربة تقول إن المشكلة ليست في رغبة بغداد وحدها، بل في طبيعة الجغرافيا السياسية التي تجعل العراق، منذ عقود، ساحة تتقاطع فوقها المصالح الأمريكية والاسرائيلية والإيرانية والتركية والخليجية. وفي مثل هذا الموقع، تصبح أي محاولة للخروج من لعبة المحاور مشروعا شديد الهشاشة، يمكن أن تنهار مع أول صاروخ.
ولذلك فإن أخطر ما في الضربات الأخيرة ليس عدد الضحايا، على فداحته، ولا حجم الدمار الذي خلفته، بل الرسالة السياسية التي تحملها. فكلما اقترب العراق من بناء سياسة خارجية متوازنة، أعادته التطورات الإقليمية إلى مربع الاستقطاب. وكلما حاولت الحكومة تكريس سلطة الدولة، وجدت نفسها أمام وقائع ميدانية تفرض منطقا مختلفا.
العراق يقف اليوم أمام لحظة اختبار حقيقية. فإذا تحولت الضربات إلى ذريعة لتوسيع المواجهة، فسيدخل البلد دورة جديدة من العنف ستبتلع الإصلاح والاقتصاد والسيادة معا. أما إذا استطاعت بغداد استثمار هذه الأزمة لتأكيد احتكار الدولة لقرار الحرب والسلم، وإقناع جميع الأطراف بأن العراق لا يمكن أن يبقى منصة لتصفية الحسابات الإقليمية، فقد تتحول هذه المحنة إلى فرصة نادرة لإعادة تعريف الدولة العراقية.
لكن ذلك يحتاج إلى قرار عراقي قبل أي شيء آخر. فالدول لا تستعيد سيادتها بالشعارات، بل حين يصبح قرار استخدام أراضيها، وإطلاق الصواريخ منها، والرد عليها، قرارا وطنيا واحدا، لا قرارات متوازية تتقاسمها العواصم والمحاور. عندها فقط، لن يكون العراق هو الخاسر الأول في كل حرب لا يريدها، ولا المنتصر الوحيد الذي لا يجني من الانتصارات سوى المزيد من الخراب.



