مقالات

العراق.. «النيو – إقطاعية» الدينية

أحد عناصر الميليشيات الطائفية في العراق

كتب صادق الحسن/ العراق

خاص “المدارنت”..

لا يخفى على أحد التنافس/ الصراع الدائر في العراق، بين الميليشيات الموالية لإيران، وبعضها مرتبط بشكل عضويّ مع “الحرس الثوري الإيراني”، وبين جهات مقربة من (المرجع السيد علي) السيستاني، رجل الدين الأقوى في العراق، وممثل الشيعة في كل العالم. رغم إتفاق الطرفين على الخطوط العريضة لكن في التفاصيل يكمن الشيطان، يتخذ هذا التنافس/ الصراع شكلاً سياسياً واقتصادياً.
في الآونة الأخيرة، هاجم قائد لواء أنصار المرجعية حميد الياسري بشكل مستمر الميليشيات الموالية لإيران، حيث قال في أحد خطاباته: «إن من يوالي غير وطنه لا دين له»، مشيراً الى «أن هؤلاء (الذين يوالون غير وطنهم) دينهم غير ديننا وإسلامهم غير إسلامنا والحسين الذي نعرفه غير الحسين الذي يعرفونه».
وتكرر هجوم الياسري على الميليشيات الموالية لإيران في أكثر من مناسبة، ولواء أنصار المرجعية، وهو أحد الألوية الأربعة التي تشكل «حشد العتبات» التي تعود إلى علي السيستاني، ويقودها أحد المقرّبين منه، القيادي ميثم الزيدي، وقد أنفك حشد العتبات عن هيأة الحشد الشعبي التي تسيطر عليها الميليشيات الموالية لإيران، وارتبط بمكتب القائد العام للقوات المسلحة/ رئيس الوزراء.
هذا الخلاف الذي بدأ يتوسع، ظاهره خلافاً على مبادئ وطنية ودينة، لكن في حقيقته هو مجرّد خلاف سياسي وصراع على من يتحكّم في الموارد الاقتصادية ومن يتحكم بالمشهد السياسي للعراق.
ذكرنا في مقالنا المنشور في 20 أيلول 2022: (إمبراطورية العتبات المالية… قوة (العمامة) الناعمة للسيطرة على الدولة)، عن القوة المالية والعسكرية التي تمتلكها العتبات الدينية التابعة للسيستاني، والنفوذ والعلاقات التي تمتلكها مع الطبقة الحاكمة في العراق، مما يمكنها من الحصول على عقود استثمارية ضخمة في مختلف المشاريع، في الزراعة والصناعة والتعليم والصحة والانشاءات والصناعات الغذائية والكيماوية ، إذن، تمتلك العتبات الدينية ذراع اقتصادي (الشركات التابعة للعتبات الدينية) وذراع عسكري (حشد العتبات) وبذلك يمكنها الحصول على الفرص الاستثمارية وحمايتها.
وعلى غرار العتبات الدينية قامت الميليشيات الموالية لإيران، بتأسيس ذراعها الإقتصادي بعد ذراعها العسكري «هيأة الحشد الشعبي» حيث أعلنت هيأة الحشد الشعبي تأسيس «شركة المهندس العامة للمقاولات الإنشائية والهندسية والميكانيكية والأعمال الزراعية والصناعية»، وقد نشرت جريدة الوقائع العراقية الرسمية في 13 آذار الماضي، موافقة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، على تأسيس الشركة برأسمال قدره 100 مليار دينار عراقي، والشركة كما جاء في بيان التأسيس شركة حكومية حيث تخضع لقانون الشركات لسنة 1997، وحسب ما ذكر معهد واشنطن لسياسات الشرق الأوسط، فإن محاولة تأسيس الشركة كان في زمن حكومة عادل عبد المهدي، بضغط من رئيس هيئة “الحشد الشعبي” فالح الفياض، ونائبه أبو مهدي المهندس، لكن بسبب تظاهرات تشرين الأول 2019 وإقالة حكومة عبد المهدي، تم تأجيل الموضوع.
كان هدف أبي مهدي المهندس، تقليد شركة خاتم الأنبياء الإيرانية، وهي شركة تستثمر في مختلف المجالات، وعائداتها تؤول إلى الحرس الثوري. كان أول المشاريع التي حصلت عليها شركة المهندس هو زراعة مليون نخلة نسيجية في صحراء محافظة المثنى المجاورة للسعودية، حيث منحت الحكومة هيئة “الحشد الشعبي”، مساحة مليون دونم لتنفيذ المشروع.
تتسابق شركات العتبات الدينية وشركة المهندس على تنفيذ مشاريع استثمارية زراعية في صحراء محافظتي الأنبار والمثنى، المشروع الذي اعترض عليه الطرفان، عندما أحيل إلى شركات أجنبية، وخرجت تظاهرات واصفةً المشروع بأنه «إستعمار».
هذا الاستثمار سيؤسّس لإقطاع جديد، في بيئة طاردة للاستثمار الحقيقي بسبب هشاشة الوضع الأمني، وسيطرة الميليشيات المسلحة، وعدم الاستقرار السياسي والبيروقراطية التي تعاني منها مؤسسات الدولة، سيكون الربح مضموناً بالنسبة لشركات حكومية تحصل على كل شيء مجاناً (أراضٍ واسعة وحصص مائية – رغم الجفاف وقلة المياه)، من دون أن يكون هناك مردود اقتصادي للبلد، فهذه الشركات لن تدفع الضرائب والرسوم للدولة، ولن تدخل في منافسة مع الشركات الأخرى لما تمتلكه من نفوذ سياسي وعسكري ولن تسعى لخلق فرص عمل لصغار الفلاحين بل تعتمد على منتسبيها العسكريين، كما هو حاصل فعلاً الآن!.
وستتلقى هذه الشركات دعماً حكومياً عالياً، لا يستطيع معه صغار الفلاحين منافستهم، الأمر الذي من شأنه أن يؤسّس لاقطاعية جديدة، سوف تدمر الزراعة المتراجعة اصلاً في البلد، وتجبر الفلاحين في جنوب العراق، على هجر أراضيهم، مما يزيد من الهجرة نحو المدن التي تعاني من اكتظاظ سكّاني، وقلة في فرص العمل، فتزداد أوضاعهم سوءًا.
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى