العرب في الأرجنتين الحلقة “18”.. من التهميش الى الاندماج الجزء (1)

خاص “المدارنت..
تأتي الارجنتين بعد البرازيل لجهة استقطاب المهاجرين العرب الأوائل، ولجهة كثافتهم العددية وتنوعهم الجغرافي، وانتماءاتهم الطائفية والمذهبية، بحيث يتجاوز عدد العرب والمتحدرين من أصول عربية خمسة ملايين نسمة؛ ابتداء بالجيل الأول، الذي غادر بلاد الشام ابان الحكم العثماني، مرورا بالجيل الثاني والثالث من الأبناء والاحفاد، وصولا الى الجيل الرابع من المتحدرين، يضاف اليهم المهاجرون الجدد الذين غادروا بلادهم في الربع الأخير من القرن العشرين حتى أيامنا هذه، وهذه الهجرة الحديثة اضافت عنصرا هاما للوجود العربي في الارجنتين، حيث وطدت أواصر التواصل بين المغتربين جميعهم وبين موطنهم الأصلي.
وقد حظيت الهجرة العربية الى الارجنتين، بدراسات قيمة بلغات عديدة أهمها ما كتب باللغة الاسبانية لغة البلد الام، ومنها ما كتب باللغة العربية وأبزها ما نشره مركز دراسات الوحدة العربية حديثا للدكتور عبد الواحد اكمير، منها دراسته الجامعية في اسبانيا التي قدمها كأطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في التاريخ. وأبحاث أخرى استعان فيها بباحثين ومفكرين من الارجنتين، ومن عدة دول لاتينية أخرى.
وأمام كل ما ظهر من دراسات وأبحاث، رأيت انه من الواجب الإضاءة على نقاط أساسية، بدءًا بتسهيلات السفر امام الراغبين بالهجرة، وتناول بعض الجواب الأساسية في نظام الحياة الذي أقامه العرب المهاجرين الى بلاد الفضة.
وينحصر ذلك بقوانين الهجرة التي اعتمدها حكومات الارجنتين المتابعة منذ العام 1839 م، ومكاتب الهجرة التي ادارها عرب سوريون في البدايات، فلقد سعت الحكومة الفيدرالية في الارجنتين منذ تأسيسها عام 1853 م. الى تشجيع الهجرة الخارجية كما ساهم رؤساء الحكومات المتعاقبين منذ ذلك التاريخ، في سنّ وتشريع قوانين تسهل جذب الأجانب، وبخاصة الخبراء في المجالات الزراعة والصناعة والفنون، وأهم ما صدر في هذا الخصوص، هو قانونAvellaneda ، الذي تضمن الفصل 817 منه، ما يلي: “تطبيق وضعية مهاجر بمقتضى هذا القانون على كل اجنبي مهنته مياوم أو فلاح أو صانع أو أستاذ، يقل عمره عن ستين سنة، جاء إلى الجمهورية من أجل الإقامة، واستعمل في سفره باخرة أو سفينة شراعية، وتكفلت له الدولة الأرجنتينية بتكاليف السفر نشطت البعثات الديبلوماسية الأرجنتينية في أوروبا لتكثيف حركة الهجرة، وتشجيع الراغبين بها، وتقديم كل الإغراءات اللازمة لهم، ما دفع أعدادًا كثيرة من الإيطاليين والإسبان إلى ترك بلادهم والهجرة الى الأرجنتين.
بينما كانت الهجرة العربية مصدر إزعاج للمواطنين وللسلطات على حد سواء، نظرًا لاعتماد المهاجرين العرب على التجارة الجوالة بدل العمل الفلاحي، وظهر ذلك الإنزعاج جليا على صفحات الصحافة الأرجنتينية منذ ثمانيات القرن التاسع عشر.
وبسبب الصعوبات والضغوط التي كانت تواجه الهجرة العربية، فقد تولى بعض أبناء الجالية العربية في الأرجنتين، عير جمعيات عربية قاموا بتأسيسها أو عبر صداقاتهم وتنسيقهم مع الهيئات الأرجنتينية المسؤولة عن الهجرة، تولوا الدفاع عن مصالح المهاجرين العرب.
ومن أبرز من ساهموا في ذلك، كان الراهب اللبناني الماروني كسّاب، الذي هاجر من لبنان عام 1877، إلى أن تم تعيينه مستشارًا للإدارة العامة للهجرة بغية تسهيل الإجراءات الواجبة لدخول العرب إلى الأرجنتين، وتوجت ذلك العمل، مؤسسة السلام التي أنشأها الأخوان وديع و اسكندر شمعون عام 1902، في تحسين شروط الهجرة وطبع كتب تساعد المهاجرين لمعرفة قوانين الهجرة، و أخرى تعلم اللغة الإسبانية؛ وعزّز تلك الجهود آلاف المراسلات من أبناء الجالية بين دولة الأرجنتين و الدولة العثمانية؛ كل ذلك أدى إلى إقامة علاقات قنصلية بين البلدين عام 1910 م. وعلى أثرها أقام مهاجر سوري يدعى موسى يوسف عزيزة ، جمعية المهاجرين السورية اللبنانية لتوحيد المهاجرين، ومساعدتهم في الشؤون التي احتاجوا إليهما .
ب- أسلوب المناداة، و دور السماسرة.
اعتمد المهاجرون العرب أسلوب “المناداة” ، وهو استقدام عائلاتهم وأقربائهم ثم تكوين جاليات صغيرة متقاربة نسبيًا، لجهة البلد الأم، والمدينة أو القرية، والطائفة أحيانًا، ثم العائلة، ويستدعي ذلك توسيع دائرة التجارة، التي تبدأ بجهود فردية ثم تنتقل إلى عمل جماعي، ومن تجارة الشنطة إلى فتح دكان صغير، ثم محل كبير، ثم تطوير العمل إلى مؤسسات كبرى وتجارة جملة، إنتهاء بالمشاركة الفعالة في الصناعات الخفيفة والثقيلة. وعلى الجانب الآخر، أي في الموطن الأصلي، كان نوع من النشاط الموازي للمناداة، سبباً جوهرياً في ازدياد الراغبين بالهجرة، وهو نشاط السماسرة الذين كانوا يروجون لعمليات الهجرة إلى أميركا اللاتينية، مقابل عمولة معينة؛ وكان جلّ نشاطهم في القرى والأرياف، يتلاعبون بعواطف الفقراء ويحكون لهم القصص المشوقة عن بلاد أميركا، وحكايات مفبركة عن جبال الألماس وأنهار الذهب، ما يضطرهم إلى بيع أملاكهم، وحيواناتهم أحيانًا لشراء تذكرة سفر ولوازم رحلة موعودة لأحد أبنائهم، طامحين إلى تحقيق حلم صدوره لهم بأبهى الصور والمغريات.
وكم من قصص وروايات، لم يكن هدفها سوى أرباحًا مادية جناها السماسرة الذين توزعوا في مدن وقرى بلاد الشام، أو في الأراضي التابعة للحكم العثماني على مرّ عقود، منذ فتنة 1860 في لبنان وبعد تقسيمات سايكس بيكو، إلى عهد ليس ببعيد، أي قبيل عصر الإنترنت ووسائل الإتصالات الإجتماعي.
٣- المؤسسات والجمعيات :
تجاوز عدد المؤسسات الإجتماعية العربية، والمؤسسات والجمعيات الدينية التي أسسها العرب في الأرجنتين، مائة مؤسسة، كان في العاصمة بيونس أيرس ، لا يقل عن 40 مؤسسة منها، منذ العام 1902 م. توزعت بين اجتماعية وثقافية ودينية؛ وتوزع العدد الباقي على المحافظات الأخرى؛ وكانت البدايات عام 1899، مع أول ناد إجتماعي عربي، أسسه شخص يدعى: “فرح علي نعيم” وأطلق عليه إسم: الجمعية اللبنانية، في حين كانت النوادي والجمعيات آنذاك تضّم أبناء القرية الواحدة أو المنطقة الواحدة ، ممن كانوا بحاجة للقاء بينهم خلال أوقات فراغهم في مكان معيّن، وما لبث أن تطورت الفكرة، متجسدة في إنشاء النوادي الجمعيات اللبنانية السورية، والتي كانت موئلا للتجار وأبناء الطبقات الإجتماعية الراقية .
أما المؤسسات الخيرية، فلم ترق إلى المستوى المطلوب، ولم تكن اكثر من محاولات لم تعمرّ طويلّا، و لم يبق منها إلا المستشفى السوري اللبناني الذي بات صرحًا رائدًا في ميدان الطبّ والإستشفاء.
وعلى عكس ذلك، نشطت الجمعيات الدينية، بدءًا بالكنيسة المارونية التي تأسست في بيونس أيرس عام 1902 م. مرورًا بالكنائس الأرثودكسية في توكومان و بيونس أيرس بين عامي 1920 و 1925 م. ثم جمعيات الإسلامية التي توزعت بين مذاهب السنة و الشيعة و العلويين في أكثر من مدينة أرجنتينية، وصولاً إلى تشييد أكبر مسجد في أميركا اللاتينية، إبّان عهد الرئيس كارلوس منعم ذي الأصول السورية ، والذي قدّم بدوره قطعة أرض كبيرة، شيدت عليها المملكة العربية السعودية المركز الإسلامي الذي يضّم مسجدًا وقاعات محاضرات، وصالات للنشاطات الدينية والإجتماعية. (يتبع).
=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=



