مقالات

العقلية التآمرية عند العرب!

د. محمد الحسامي/ اليمن
خاص “المدارنت”..
تعتبر نظرية المؤامرة أو المؤمراتية أو التآمرية بإرتيابيتها،وعندما تتجذر في الوعي واللاوعي الجمعي الاجتماعي عموما والنخبوي منه خصوصًا، لغالبية أفراد المجتمع ومكوناته المختلفه، شعوبًا وأممًا، من أخطر الآفات المرضية وأشدها فتكا بهم جميعا، حاضرًا ومستقبلا، وبخاصة عندما تصبح وتصير لديهم وعندهم مسلمة إيمانية مطلقة، لا تقبل النقاش حول مصداقيتها من عدمه، ولا تقبل التشكيك والتشكك فيها ونقضها.. إلخ. حيث أن مصطلح “نظرية المؤامرة” هو عبارة عن “مصطلح انتقاصي”، يشير إلى شرح لحدث أو موقف اعتماداً على مؤامرة لا مبرر لها.
عموماً تأخذ المؤامرة في مضمونها على أفعال غير قانونية أو مؤذية، تنفذها حكومة أو منظمة أو أفراد. “حيث أنها “تُنتج، وفي أغلب الحالات، افتراضات تتناقض مع الفهم التاريخي السائد للحقائق البسيطة”. ووفقاً للأكاديمي والعالم السياسي الأميركي “مايكل باركون”، فإن نظريات المؤامرة ترتكز على نظرة أن الكون محكوم بتصميم ما، وتتجسد في ثلاث مبادئ: لا شيء يحدث بالصدفة، ولا شيء يكون كما يبدو عليه، وكل شيء مرتبط ببعضه. وقد كان عالم الاجتماع النمساوي “كارل بوبر” قد تناول هذه القضية، إذ كتب في كتاب “المجتمع المفتوح وأعداؤه”يقول: “توجد نظرية، أسميها نظرية المؤامرة، يرى دعاتها أنه يكفي لتفسير ظاهرة اجتماعية أن نكتشف من لهم مصلحة في حدوثها.
وتنطلق من فكرة خاطئة بأنّ كل ما يجري في مجتمع ما من حروب وبطالة وشحّ موارد وفقر… ناجم مباشرة عن نوايا أفراد ذوي نفوذ أو مجموعات قويّة. وهي فكرة واسعة الانتشار، وقديمة جدّا…”. ويضيف قائلا: “لا أنكر وجود مؤامرات، فهي تتعدد كلّما وصل بعضهم إلى السلطة، بيد أنها نادرا ما تبلغ الهدف المنشود، لأن الحياة الاجتماعية ليست مجرد عملية ليّ ذراع بين مجموعات متعارضة، بل هي نشاط يجري في إطار المؤسسات والعادات يُنتج عدة ردود أفعال غير متوقَّعة. ودور العلوم الاجتماعية الأساس في اعتقادي هو تحليل ردود الأفعال تلك وتوقُّعها قدر ما أمكن”.
أما في عالمنا العربي الحاضر، فإن المفكر العربي الكويتي الراحل الدكتور/ خلدون حسن النقيب، قد استخدم مصطلح “العقلية التآمرية”، واصفا به العقلية العربية كـ”عقلية تآمرية”، وذلك في مطلع العقد الثامن من القرن الماضي،والذي إحتواه كتابه القيم “في البدء كان الصراع! جدل الدين والأثنية ،الأمة والطبقة، عند العرب” في طبعته الأولى الصادرة عن “دار الساقي” في العاصمة اللبنانية بيروت في العام 1997 م، من القرن الماضي، وتحديدا في الفصل الخامس من القسم الأول، “معالم في الصراع التاريخي”، بعنوان: “العقلية التآمرية عند العرب”..
هذه الآفة المرضية الخطيرة تكاد موجوده في جميع المجتمعات والشعوب والأمم، ولا تخلوا منها، لكن وجودها يتفاوت بين مجتمع وآخر، وبين شعب وآخر، وبين أمة وأخرى، ولكن بنسب متفاوتة هنا وهناك، طبقا لإنتصاراتها ونجاحاتها، وفي المقابل لهزائمها واخفاقاتها وفشلها، وطبقا لماضيها من حيث عظمته من عدمها وحاضرها من حيث ضعفه وقوته، إلخ.. لكننا، وللأسف الشديد، كأمة في وقتها الحاضر نعاني من تلك الآفة المرضية في أخطرها وأشدها فتكا بنا،كأفراد وكمكونات مختلفة لها،..إلخ.
فهذه الآفة الخطيرة، ليست وليدة الصدفة ووليدة اللحظة في حاضرنا كأمة، بل تشكلت وشكلت في الوعي واللاوعي الجمعي الاجتماعي عموما، والنخبوي منه، خصوصا عبر قرون طويلة، وكنتيجة سلبية وردة فعل سلبية لسلسلة متتالية ومتتابعة من الهزائم والاخفاقات التاريخية والحاضرية المتكررة والتي لم تستطع مجابهتها والتغلب عليها، وذلك كتعويض نفسي لحجزها وفشلها في التصدي لتلك السلسلة..، وبدلا من أن تقوم بمراجعة نفسها، مراجعة تقييمية ونقدية ذاتية، تقييما ونقدا ذاتيا إيجابيا، فإنها حملت الآخر المغاير وزر ما آلت إليه وصارت، تنصلا عن مسؤوليتها الذاتية، أولا، إزاء كل تلك الهزائم والاخفاقات التاريخية والحاضرية.. إلخ..
ففي كتابه سالف الذكر، وتحديدا في الفصل الخامس من القسم الأول: “معالم في الصراع التاريخي”، بعنوان: “العقلية التآمرية عند العرب”، يقول خلدون حسن النقيب: “ونقصد بالعقلية التآمرية طريقـة فـي التفكيـر الانفعـالي، تـدعو إلـى الاعتقـاد بـأن:
1- العرب أمة متميـزة “مختـارة”، ذات رسالة تاريخية حضارية، ولذلك فهـم مستهدفون بمؤامرة تحاك ضدهم بشكل واع مقصود.
2 – ويساهم في هذه المـؤامرة جهة معينة “مجهولـة” أو غيـر محددة المعالم.
3 – هـذه المـؤامرة تحـاك فـي الخفـاء، ولكن يستدل عليها من كون الفعاليات التآمرية، تتخذ شـكل الرمـوز والـشواهد والمعميـات. ولذلك، فلا بد من الكشف عنهـا وفـضح أسـاليبها.
4 -إن هـذه المـؤامرة والنـشاطات التآمرية، تهدف في النهاية إلى القضاء على العرب كأمة وكحضارة، أي على رسالتهم التاريخية الخالدة.
ثم يستطرد قائلا: “إن أحد أهم شروط العقلية التآمرية هي المقولـة الثالثـة، أن المـؤامرة لا بد أن تكـون سرية. ولذلك، فلا سبيل إلى إثبات وجودها أو الوصول إلـى حقيقتها بـشكل علنـي ونهـائي، لأننـا هنـا نتعامـل مع رمـوز وشـواهد ومعميـات. ولذلك، فهي تحمـل فـي أحشائها سبب استمرارها ودوامها لمن أراد الاعتقاد بوجودها”.
ثم يؤكد بأن هذه الظاهرة في العقلية العربية ليست فقط حاضرية بل تمتد إلى عقود تاريخيـة عديدة مضت، حيث يقول: “ولو كان هذا النوع من التفكير قاصراً على العرب في العـصر الحـديث والمعاصـر، لكان هذا الأمر مفهوماً ومعقولاً.
فقد خلقت الأمبراطوريات الإمبريالية والاستعمارية الحديثـة مصالح عامة، تشمل العالم كله، وطـورت أساليب الـبطش وفـرض الـسيطرة الماكرة السياسية والثقافية والنفـسية، فـي سعيها إلى اسـتبعاد العـالم الثالـث.
فالعقليـة التآمرية تناسب هذه الأوضاع مناسبة كاملة، لأن ظهـور الـدول الكبرى، التي تهيمن على العالم الحديث والمعاصـر، اقتـضى تعطيـل تقـدم دول العـالم الثالـث، واسـتباحة مواردها والتآمر عليها في السر والعلن.
وكان نصيب العرب من هذا وافراً، وخاصة من سلاح فرّق تسد، الذي كان له نتائج مدمرة كثيرة ومعروفة. ولكن بعض العـرب، ممن يدينون بالعقليـة التآمريـة، يوسعون الأفـق التـاريخي لهـذه الفاعليات التآمرية، لتـشمل جميــع العــصور والمراحل التي رافقت نـشأة الدولــة (والحضارة) العربية الإسلامية، أي أكثر مـن ثلاثـة عـشر قرناً مـن الـزمن. وهـم بـذلك يخلطون بين الصراع والتنافس الثقـافي والاقتـصادي (الذي يتخذ أشكالاً سياسية وعسكرية) بين الحضارات والأمم، وهو أمر “طبيعي” أو اعتيادي فـي التاريخ البشري (له أسباب متباينـة واضحة)، وبـين الصراع التآمري الذي يهـدف إلى غايـة محـددة، تسعى إليهـا جهـة محـددة بـشكل واعٍ مقـصود وهـي القـضاء علـى العـرب”. ثم يؤكد أن الهدف من تلك المؤامرات والتآمرات ليست بهدف القضاء على العرب كقومية بل كدين، وذلك بقوله:
“وليس المقصود هنا القضاء على العرب كقومية أي كأمة فقط، فربما تعتقد بأن مفهوم الأمة هو مفهوم حديث، لم يكن له وجود في العـصور القديمـة، أو لم يكن لـه قـوة التوجيه للسلوك التي هي له الآن، وإنمـا القـضاء علـى العرب كدعاة دين سماوي أيضاً. فالإسلام كان أساس رفعـة العرب ورقيهم الحضاري، فإذا ضعف هذا، ضـعف العرب وانحطوا. وهكذا فقد استهدفت المؤامرة، بحسب هذه العقلية، العرب كجماعـة دينية وكأمة، واتسع نطاقها لتشمل جميع العصور والمراحل التاريخية”.
بعد ذلك،فإنه يطرح السؤال التالي: “ما هي، إذاً، ملامح هذه العقليـة التآمرية عنـد العـرب؟ ومـا هـي أطوارهـا التاريخية؟”، ومن ثم يطرح التسلسل التاريخي لتلك التآمرية “وفقا لمن يؤمنون بها طبعا”، حيث يقول: “لقد بدأ التآمر على العرب، بحسب منطق هذه العقلية، “بمؤتمر نهاونـد”! سـنة 641 ميلادية، أي بعد مرور إحدى وعشرين سنة للهجرة فقط.” كحلقة أولى لهذه السلسلة التآمريـة “أما الحلقة الثانية، فتبدأ بالحلقة الثانية، فتبدأ بالحملات الصليبية (1095 – 1291م) والغزو المغـولي (1235 -1260 م.)”.
ثم يواصل السرد التاريخي لتلك السلسلة التآمريـة ليصل إلى القول: “ومع نهاية القرن التاسع عشر، يبدأ التـآمر الحقيقـي الفعلي على العرب، من قبل الدول الاستعمارية الكبـرى. وقـد انتظمـت هـذه الجهـود في سلـسلة متصلة مـن الفاعليات والأحداث:
الاتفاق الثلاثي (1907، (اتفاقية سايكس _ بيكو لتقسيم البلاد العربية (1916، (وعد بلفور (1917)، (مـشروع الانتـداب – الاستقلال للولايـات العربيـة (اعتباراً مـن 1919، (الاسـتيطان اليهـودي (1917 – 1948)، (خلق إسرائيل/ الكيان الصهيوني 1948)، (هزيمة العرب فـي حـرب 1948، العـدوان الثلاثـي (1956،(هزيمـة العـرب فـي حرب حزيران/ (يونيو 1967، (وأخيراً بـدء مرحلة الأمن العبراني (1967 – 1984)”.
(طبعا هذه المقالة نشرت في مجلة العلوم الاجتماعية في العام 1984 م.) ومن ثم يختم مقالته تلك في ذلك الفصل من ذلك الكتاب بقوله:
“وترفض العقلية التآمرية التفسيرات المنطقية البسيطة، حتى إن آنت أقرب إلى الحقيقة، وتفضل عليها التفسيرات الغامضة المعقدة، التي يستدل عليها بالرموز والشواهد والمعميات، وإن آنت تستند إلى متناقضات لا تجتمع. وتـصور العقليـة التآمرية استهداف العرب، كأمة وجماعة دينية، على أنه صراع حياة ومـوت، أي صراع مـن أجل البقاء. وبذلك تخلط هـذه الطريقة في التفكير بين التنـافس “الطبيعي” والصراع الاعتيادي بين الحضارات والجماعات الإثنية، وبين الصراع الذي يكون مجموعه صفراً.
فليس آل أنواع الصراع صراعات إبادة، حيث إن ما يكسبه خصم، هو بالضبط مـا خسره الخصم الآخر. ولذلك، وحتى لا نصاب بهذه العقدة التآمرية المولدة للشلل، لابد من تمحيص القـضايا والمعلومات، وتوخي الموضوعية والواقعية في التحليل والتعليل، وتجنب المبالغة فـي تصوير تفردنا، وفي تعالي رسالتنا الخالدة. فما نحن، في النهاية، إلا أمة آبقية الأمم، تسعى إلـى الحرية والرقي. وإذا أردنا التميز والتفرد، فمـا ذلك إلا لأننا لا بد نريد المساهمة أكثر من غيرنا أو أفضل من غيرنا، في إغناء الحضارة الإنسنية لخير البشر جميعاً”.
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى