مقالات
العودة إلى سوريا..*

“المدارنت”..
ربما لا يوجد منطق مقبول وراء وضع العربة أمام الحصان فى قصة سوريا ، ففرص تغيير النظام السورى لا تبدو واردة فى المدى المنظور ، والثورة السورية المطالبة بالحرية قمعت بعنف همجى، واختفت ملامحها السلمية الشعبية فى صبوتها الأولى، التى لم تستمر سوى لتسعة شهور بدءا بصيحة “درعا”، ثم كان الخطأ القاتل بعسكرة الثورة واستدعاء التدخل الأجنبى ، وهو ما صادف هوى غريزيا عند النظام ، تحولت به الثورة فى سوريا إلى ثورة على سوريا ، وحروب دمار شامل بالوكالة وبالأصالة ، قادت إلى خراب شامل لأغلب مدن وقرى سوريا ، وانتهت بنصف أهلها إلى مآسى النزوح واللجوء ، وإلى تقسيم فعلى للخرائط على جبهات السلاح، وإلى خسائر كلية قد تصل لنحو 800 مليار دولار، فوق المقتلة المفزعة التى جرت وتجرى، وراح ضحيتها نحو المليون سورى.
ومن زاوية أخلاقية، فقد تورطت كل الأطراف فى إهدار الدم السورى ، صحيح أن النظام أو ما تبقى منه، وهو استبدادى وطائفى بلا شبهة ، يتحمل النصيب الأكبر فى المأساة، ومن دون تهوين ولا إغفال لجرائم أطراف أخرى، تدعى الانتساب لمعنى الثورة ، وهى براء منها، وشكلت أغلب مايسمى فصائل المعارضة المسلحة، وكثير منها جماعات يمين دينى وسلفية “جهادية” ، وإرهابية صريحة ، بادلت جماعة النظام طائفية بطائفية ، وولغت فى دم السوريين كما فعل النظام ، ومن دون اكتراث بسعى إلى “ديمقراطية” ولا إلى “وطنية سورية”، لاتؤمن بها أصلا ، واستعانت كما استعان النظام عسكريا بالأجانب ، وبخطوط تمويل تدفقت بمليارات الدولارات ، وبفضائح فساد طافح، اللهم إلا من استثناءات متناثرة فى المعارضة، قد يعتد بنقاء أصواتها ، ورفضها “العسكرة” والتدخل الأجنبى ، برزت بينها “هيئة التنسيق لقوى التغييرالوطنى الديمقراطى” ، إضافة لمجموعات أخرى وطيف واسع من الشخصيات الوطنية المستقلة ، بدت كلها حريصة على ابتعاد عن جماعات اليمين الدينى و”داعش” و”جبهة النصرة” وأخواتها ، خصوصا مع تغير شامل تزايد أخيرا فى المزاج الشعبى العربى عموما ، وفى المزاج السورى ضمنا ، لم يعد يرى فى الجماعات الدينية بديلا سياسيا يؤتمن أو يوثق به ، بقدر ما هى عنوان للدمار والتفتيت المرعب للأوطان ، صار مكشوفا للعيان من مشارق الأمة حتى مغاربها.
والمعنى ببساطة، أن البيئة تبدلت، وأن الوضع فى 2021 لم يعد كما كان أواخر عام 2011، حين قرر اجتماع عربى رسمى طارئ بالقاهرة، تعليق عضوية سوريا فى جامعة الدول العربية، ثم إحلال جماعة “معارضة” فى المقعد الشاغر، ثم إجلاء هذه الجماعة عن المقعد فى قمة عربية لاحقة بشرم الشيخ عام 2015، ثم السعى الذى نراه اليوم لإعادة النظام السورى إلى مقعده، عملا بقاعدة الاعتراف بأمر واقع آلت إليه الأمور فى سوريا، وكون الجامعة لحكومات لا لشعوب، ومبدأ عدم التدخل فى الشئون الداخلية ، وترك مصير النظام السورى للشعب السورى، فمن حقه وحده ، وبغير وصاية من أحد، كما من حق كل شعب عربى أو غير عربى، أن يبقى على نظامه أو أن يغيره ، وقد لا يقدح فى مطلب عودة سوريا إلى مقعدها، أن النظام السورى يسيطر على الوضع بمعونة الأجانب الإيرانيين والروس، وهذه حقيقة ملموسة، نرى مثلها فى حالات لنظم عربية كاملة العضوية، لا تسيطر على كامل أراضيها فعليا، أو تستعين بقواعد وقوات أجنبية ، وتلك حقائق مؤسفة، لاتبرر استثناء النظام السورى بالذات، فوق أن الحديث عن القمع والدموية والديكتاتورية لا محل له فى كيان كجامعة الدول العربية، فقد يكون النظام السورى هو الأكثر دموية ، لكن أغلب الحكومات العربية “فى الهم شرق”، ثم نأتى إلى الأمر الأهم فيما نظن، وهو أن القطيعة الرسمية العربية مع نظام دمشق، قد أخلت الساحة السورية عموما من أى حضور أو نفوذ عربى، هذا إذا استثنينا مقاولات تمويل بعض الجهات لجماعات الإرهاب، وقد جرت كل هذه التمويلات فى خدمة الأجانب الأمريكيين بالذات ، وانتهينا إلى خرائط نفوذ على الأرض السورية ، كلها للأجانب القريبين والبعيدين بلا نفس عربى خالص ، فالقوات التركية موجودة فى الشمال والشمال الغربى ، والقوات الأمريكية تحمى “قسد” والوحدات الكردية فى الشمال الشرقى، والقوات الروسية مع الإيرانيين مسيطرة فى الغرب والجنوب والوسط وبعض الشرق السورى، والنظام حاضر فى ظل الحماية الروسية الإيرانية المزدوجة المتشاكسة أحيانا ، ويسيطر صوريا على أكثر من سبعين بالمئة من مساحة سوريا الكلية ، ولا تبدو من إمكانية قريبة لتغيير درامى فى القسمة الأمنية الأجنبية ، إلا إذا قررت أمريكا الانسحاب مثلا، كما فعلتها فى أفغانستان كليا أو جزئيا فى العراق المجاور، بينما لا يبدو الصدام فى “إدلب” بالشمال مستبعدا ، بحسب علاقات التفاهم الرجراج الحرج بين روسيا وتركيا، أو بحسب تغيرات واردة إلى حد ما فى الوضع التركى ، وكلها سيناريوهات عسكرية محتملة، لا تبدو الأطراف العربية مؤثرة فيها ، خصوصا مع استدامة أحوال القطيعة الرسمية ، تماما كما لا تبدو الأطراف العربية ذات وزن فى حساب تطورات السياسة، والبحث عن حل سياسى لأزمة سوريا ، عبر صيغ القرار الدولى رقم 2254 أو غيره ، فقد توارت اجتماعات التفاوض فى “جنيف” و “الأستانة” وغيرها، وانتهت مفاوضات الاتفاق على دستور سورى جامع إلى التجميد، ومن دون أى دور عربى فعال، برغم أن جماعات من المعارضين المتفاوضين تقيم فى عواصم عربية، وقد يحتمل أن عودة سوريا إلى مقعدها الرسمى، ربما تلعب دورا أكبر فى انسياب العلاقات العربية مع دمشق، فوق ما توفره من فرص تواصل اقتصادى وتجارى وثقافى، قد تعيد للصوت العربى بعض إغراء الاستماع إليه فى دمشق، وتزاحم الأصوات الأجنبية الروسية والإيرانية الحاكمة هناك ، ويمكن لعمل عربى مشترك، إن صحت النوايا، أن يلعب دورا لا تقدر عليه موسكو وطهران فى إعادة إعمار سوريا، وفتح الطريق لعودة آمنة لملايين من اللاجئين السوريين، خصوصا مع عدم الممانعة الأمريكية الضمنية البادية فى عبور خط الغاز والربط الكهربى، وبما قد يؤدى إلى تغيير تدريجى تراكمى فى الصورة، يوفر على سوريا والسوريين خرابا مضافا فوق طاقة احتمال البشر.
تبقى إشارة فى محلها إلى الدور المصرى الظاهر فيما يجرى، وقيادته لحلف عمل عربى لإعادة سوريا، والعودة إلى سوريا، فلم يحدث أبدا، أن تورطت مصر فى جريرة إسالة دم سورى واحد، وكان الموقف المصرى الرسمى غالبا، هو البحث عن حل سياسى، وحفظ ما تبقى من هياكل الدولة السورية، والحرص على استقرار وسيادة سوريا، ووحدة أراضيها وشعبها ، ولم تنقطع العلاقات الرسمية بين القاهرة ودمشق فى أى وقت، حتى فى فترة حكم الإخوان قصيرة العمر، وكانت أسباب التواصل دائما “فوق سياسية” لو صح التعبير، فقد كانت مصر وسوريا “دولة واحدة” لأكثر من ثلاث سنوات ونصف السنة أواخر خمسينيات القرن العشرين وأوائل ستينياته الفوارة، ولم تكن هذه الوحدة هى الأولى فى بابها التاريخى، فما قد لا يعرفه الكثيرون، أن مصر و”سوريا الكبرى” كانتا ولاية واحدة زمن تقلبات وتداعى الخلافة العباسية، ولمئات السنين الممتدة من حكم أحمد بن طولون لمصر حتى الغزو العثمانى، وقتها كانت “سوريا الكبرى” تضم سوريا الحالية ولبنان وفلسطين والأردن، وكانت وحدة مصر وسوريا المتصلة طويلا ، هى سند الأمة وسلاحها فى دفع وهزيمة حملات التتار والصليبيين، تماما كما كانت وحدة عمل جيوش مصر وسوريا فى حرب أكتوبر المجيدة 1973 ، وتماما كما كانت مصر موئلا تلقائيا مفضلا لهجرات الشوام، وهروبهم من الجور العثمانى، وعلى موجات تتابعت أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ، ولعب كثير من المهاجرين الشوام أدوارا تأسيسية كبرى فى الثقافة والصحافة والفن المصرى ، وتزايد الاندماج الشعبى مع تجربة الوحدة زمن عبد الناصر، وصولا إلى لجوء مئات الآلاف من السوريين إلى مصر فى العشر سنوات الأخيرة، وحيث لا يقيم السوريون فى ملاجئ ولا فى مخيمات لا تعرفها مصر، ويندمجون بسلاسة مدهشة فى الحياة المصرية، ويحظون بمحبة لا مثيل لها، وبتقدير مستحق من أغلب المصريين لنشاطهم وكفاءتهم التجارية بالذات، فقد ترسخت فكرة “الشعب الواحد” فى أعماق ووجدان المصريين والسوريين ، ولم تمنع انقلابات السياسة من اتصال الشعور الفريد، وأثره المباشر حتى على السياسة الرسمية المصرية، التى تسعى بدأب لإعادة سوريا إلى مقعدها فى الجامعة العربية ، ولإعادة العرب إلى سوريا الحبيبة، بقطع النظر عن اختلافات السياسة ومآسيها..
* المصدر: “القدس العربي”



