الـدولـــة.. الـمـفـهـــوم والـدلالـــة..!

خاص “المدارنت”..
من دون الدخول في جدلية التعاريف المختلفة للغة، لغويا كان ذلك أم اصطلاحا، أم فلسفيا وغيرها من التعريفات الأخرى، إن اللغة المتداولة بين الناس، قراءة وكتابة ونطقا، وتفكيرا، ليست حروفا وكلمات وعبارات وجمل مركبة فقط، مجردة، ووسيلتها التواصل والتفاهم بين المتكلمين بها، إنما هي معاني ودلالات ومشاعر وأحاسيس، فكل كلمة من الكلمات تخطر على بالنا أو ننطقها أو نقرأها أو نكتبها، قبل أن تكون معنى مجرداً، هي في الأساس معنى نفسيا ومعنويا، لها دلالتها الخاصة وجدانيا، سواء كان ذلك سلبا أم إيجابا.
فاللغة هي أسلوب وإطار العقل الذي نفكر به، وهي الوعي، الذي بواسطته نحكم ونتعامل مع الأشياء الأخرى، سلبا كان ذلك أم إيجابا. فاللغة هي الوعاء الحضاري لأي أمة من الأمم. بواسطتها تتشكل عقليتها ووعيها ووجدانها ونفسيتها، وقبل ذلك هويتها، إنها الأداة التي نحكم بواسطتها على الآخر، ونتعامل معه ومع الأشياء التي تمس حياتنا، سواء وفقا لصورة نمطية سلبية أو إيجابية، إنها ليست مفاهيم مجردة، يتم التواصل بها مع الآخر والتفاهم معه.
وعليه: إذا نظرنا وتفحصنا مفهوم كلمة الدولة، ودلالاتها في الوعي الجمعي الاجتماعي لمجتمعنا عموما، والنخبوي منه خصوصا، طبعا مع وجود استثناءات قليلة، وكما يقال بأن الاستثناء لاحكم له، وأثرها المعنوي والحسي والوجداني والنفسي على عقلية ووعي والسلوكيات الناتجة عن ذلك، لوجدنا بأن مفهوم كلمة الدولة ودلالاتها، تحمل مفهوما ودلالة، سلبيا في ذلك الوعي، مما ينتج ونتج عنه من سلوكيات سلبية، سواء من قبل المجتمع أو النخبة، أو من قبل السلطات الحاكمة عبر قرون، بحيث أصبحت العلاقة بين المحكومين والحاكمين علاقة سلبية.
فكلمة الدولة في الوعي الجمعي الاجتماعي عموماً، والنخبوي منه خصوصا، هي:
القوة والجبروت والعنف والمالك الحقيقي والوحيد لكل مقدرات البلد وثرواته، أرضا وإنسانا، هي الجباية، تأخذ ولا تعطي، وإذا أعطت فذلك منة منها، وهبة وتفضلا وتكرما واحسانا وصدقة، وجب علينا جميعا حمدها وشكرها والامتنان لها والتسبيح بحمدها، جزاء ذلك، وإن هي منعت وحرمت واستأثرت بكل ذلك، فذلك من حقها، ولا تلام عليه، أو تطالب أو تعاتب بل تُستجدى، إن هي لم تقم بذلك، حقوقها واجبة علينا ومقدسة وحقوقنا العكس.
الدولة، تستمد شرعيتها من قوتها وسطوتها وجبروتها، بما تملكه من الوسائل المادية والمعنوية لتحقيق ذلك، وليس من عقد اجتماعي قائم بيننا وبينها بالتراضي، نحن نستمد شرعيتنا ووجودنا منها مهما كان ذلك الوجود.
الدولة، هي البوليس والمخابرات وقسم الشرطة والاعتقالات والاعدامات والتشريد، والهتك والتنكيل والتعذيب، لكل من يخرج عليها أو ينتقدها حتى بوسائل سلمية.
الدولة، هي قضائنا وقدرنا الذي يجب علينا التسليم به، ووفقا لمشيئته مهما عملت فينا، وأمرها مُطاع ومُنفّذ لا يجب عصيانه.
الدولة، هي الخوف والرعب والفزع، حتى ولو كنّا بريئين من أي تهمة تمسها.
الدولة، ملك لمن يحكمها، ومن يدور في فلكه ويسبح بحمده، ويطلب رضاه، ويكون عونا وسندا له، منفذا لأوامره ونواهيه، باعتباره خادما وضيعاً تابعا ذليلاً وعبداً مأموراً لا شريكاً.
الدولة هي.. الدولة، هي قبل ذلك، والأخطر من كل ذلك، الدولة هي:
السلطة والحكومة والبرلمان، طبعا إن وجد، وهي الوطن، ومن يحكمها فوق ذلك، والمالك الحقيقي والوحيد لكل ذلك. أما الدولة، في وعي الحاكمين، فهي انعكاس حقيقي، ونتيجة طبيعية وحتمية لوعي لمحكومين.
الخلاصة :إن السؤال الذي يطرح نفسه أمام كل ذلك هو: ما هي الأسباب والعوامل التي أوصلتنا جميعا، حكاما ومحكومين الى كل ذلك؟ وكيف يمكن لنا ويتسنى بأن نخرج من كل ذلك؟ وماهي الوسائل والطرق والآليات، للقيام بتحويل ذلك المفهوم السلبي والدلالة السلبية لكلمة الدولة إلى مفهوم إيجابي، ودلالة إيجابية، في وعينا جميعا، حكاما ومحكومين؟
للإجابة على ذلك، لا يمكن بأن يكون إلّا من قبل علماء أخصائيين في كلّ العلوم، الإنسانية والاجتماعية والثقافية والدينية وغيرها… كلّن يعني كلّن.
=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=



