الــمـــعـــجــــــــــــزة فــلــســطــيــنــيــــــــــــــة!

“المدارنت”..
لا تعنيني كثيرًا الاتهامات التي يوجهها البعض الى “حركة المقاومة الإسلامية/ حماس”، سواء في ما يتعلق بعلاقتها بإيران، ووصف معاركها ضدّ الكيان الصهيوني، بانها تصبّ في خدمتها، او تعينها في صراعها مع الامريكان حول ملفها النووي، او رفع الحصار الاقتصادي عنها، او حتى مراعاة اجندتها الخاصة، فهذه الاتهامات، بصرف النظر عن صحتها او خطئها، لا تبرر الوقوف ضد “حماس” في المعركة المشرفة، التي خاضتها نخبتها المقاتلة، خلال الأيام القليلة الماضية ضدّ الكيان الصهيوني الغاصب، او حتى الوقوف على الحياد.
فالخلاف مع “حماس” او غيرها من فصائل المقاومة، مهما كان شكله ونوعه، لا يرتقي الى مرتبة صراع الوجود مع الكيان الصهيوني. فالأول، يمكن إيجاد حلّ له في أيّ وقت، في حين ان الثاني، لا يمكن حلّه الا بطرد هذا الكيان من كامل التراب الفلسطيني.
بمعنى آخر، إن رفض سياسة “حماس” وعلاقاتها بإيران، لا يعطينا حقّ الوقوف ضدّ نخبتها المقاتلة، او التفرّج عليها. فهي فلسطينية أصلا، قبل ان تكون لها هوية سياسية قابلة للتغيير او التحول، وحتى الزوال. كما ان من حقّ الجميع الاختلاف مع “حماس” وعلاقاتها مع النظام الإيراني، الذي لعب دورًا سيّئًا في منطقتنا بعد احتلال العراق. لكن لا ينبغي التفريط بأيّ جهد مقاوم ضدّ الكيان الصهيوني.
هذه المعركة التي اذهلت العالم كله، أسقطت نظرية الجيش الصهيوني الذي لا يقهر. الذي حاول الكيان المسخ والاعلام الغربي الاستعماري ترسيخها على مدى سبعين عامًا في العقل الفلسطيني بخاصة، والعربي عامة، أسقطها هؤلاء الابطال في الساعات السبع الأولى من بدء الهجوم. مما شكل صدمة لحكومة الكيان الصهيوني، دفعها الى إعلان حالة الحرب لمواجهة هجوم، يعد الأول من نوعه داخل الأراضي المحتلة.
ولتدارك تطوراته، بعد أن فرض المقاتلون الفلسطينيّون السيطرة الكاملة على عدد من المستوطنات ومعسكرات الجيش الصهيوني، وفرقة غزة العسكرية، ليمتد الى القدس وتل أبيب، مخلفًا لحدّ الآن أكثر من ألف قتيل بين صفوف جيش الاحتلال (الصهيوني)، بالإضافة الى أكثر من ألفيّ جريح ومئات الأسرى والمفقودين.
ومما يلفت الانتباه، الى أن أمريكا، الدولة الأقوى في كوكبنا، فقدت صوابها جرّاء الرعب الذي انتابها، على مستقبل وجود الكيان الصهيوني، واحتمال هزيمته. وخير دليل على ذلك، تحريك حاملة طائرات باتجاه المنطقة، والتهديدات التي أطلقتها ضدّ هذه العملية. إضافة الى توسّلها حلفائها في دول الغرب الاستعماري والمنطقة، لإجبار قادة “حماس” على وقف الحرب.
أكدت هذه المعركة المشرفة، تمسك الشعب الفلسطيني بالثوابت الوطنية، والقتال من اجل استعادة حقوقه المشروعة، وفي مقدمتها، إقامة دولته على كامل التراب الفلسطيني. وفي نفس الوقت، مثلت هذه المعركة القيم السياسية غير القابلة للتنازل، أو حتى الجدال حولها.
ولأنها كذلك، فان الشعب الفلسطيني، يعود ليقاتل من أجلها، مهما طال الزمن وغلت التضحيات.فالاستعمار الفرنسي للجزائر، دام 132 عامًا. ولكنه هو الذي هُزم في النهاية. الامريكيون ارتكبوا من الجرائم الوحشية في فيتنام الكثير، ولكنهم هزموا أيضا. وهزموا في لبنان والصومال، وأخيرا في أفغانستان.
اما المقاومة العراقية، فقد مرّغت أنف جنود الاحتلال الأمريكي بالتراب في مدينة الفلوجة. وحتى لو تمكن الكيان الصهيوني من الصمود أمام مقاومة الشعب الفلسطيني عقودًا أخرى من الزمن، إلا انه لن يقدر على إجبار هذا الشعب الجبّار على القبول بالأمر الواقع. بمعنى آخر، إن محاولات هذا الكيان المسخ، لأنهاء الشعب الفلسطيني، ستبوء جميعها بالفشل. هكذا هو الأمر دائمًا. وكما يقال “إذا عجز الشعب الفلسطيني عن المقاومة فالحجر سينطق ليقاوم”.
لقد حققت هذه المعركة المشروعة، لأول مرّة في تاريخ المقاومة الفلسطينية، انتصارات مذهلة أدخلت الكيان الصهيوني في دوامة من الارتباك والاختلال. وهذه تعيد للأذهان وصول صواريخ “حماس” الى تل أبيب، عاصمة الكيان الصهيوني عام 2021، وإشعال الحرائق في أرجائها كافة، على الرغم من القبة الحديدية، التي وصفها “الإسرائيليون” (الصهاينة) بأنها الدرع الذي لا يمكن لأي صاروخ من اختراقه، الأمر الذي أجبر الحكومة الصهيونية على غلق مطاراتها بوجه الملاحة الجوية، من جهة، وإجبار ما يُسمى بالشعب “الإسرائيلي” (الصهيوني) على الدخول في الملاجئ من شدّة الخوف والرعب، من جهة أخرى.
اما الانتصارات التي تحققت على الجهة الأخرى، فقد فشلت لحد الآن عمليات القصف الجبانة للطيران الصهيوني ضدّ غزة، رغم وحشيتها. وكاتب هذه السطور تجزم، بأن الذي خطط لهذا الهجوم الكبير والنوعي، قد وضع في الحسبان ردود الفعل الانتقامية، التي دَرَج عليها الكيان المسخ، كلما خسِر معركة أقل من هذه المعركة بكثير. وبالتالي، حتى إذا تمكن جيشه من اجتياح غزة، فلن يتمكن من الوصول الى مصانعها العسكرية، التي تمكّنها من دخول معاركها القادمة، وفي الوقت الذي تشاء. ومن هذه الانتصارات أيضًا، تمكن المقاومة الفلسطينية بسلاحها البسيط من معادلة أكبر آلة عسكرية في منطقة الشرق الأوسط.
في الجانب السياسي، تحققت انتصارات هامة. حيث استطاع سلاح المقاومة أن يجبر العالم على العودة الفورية الى ملف القضية الفلسطينية، ووضعه على جدول أولياته، بعد أن وضع هذا الملف فوق الرفوف العالية، الى درجة كاد العالم وشعوبه نسيان هذه القضية العادلة بالكامل. في حين أن الراي العام العربي والعالمي قد استنفر قواه، ووقف الى جانب الشعب الفلسطيني. حيث خرجت المظاهرات في مختلف دول العالم وقاراته الخمس.
من جانب آخر، فإن هذه المعركة قد أعادت الثقة للشعب العربي، من المحيط الأطلسي الى الخليج العربي، وآمنت بقدرته على الحاق الهزيمة الكاملة بالمحتل الصهيوني. الى درجة لم يعد بإمكان عملاء الصهيونية في المنطقة، والاقلام المأجورة إشاعة روح الياس والخنوع في صفوفه مرة اخرى، أو دفعهم الى الاستسلام للأمر الواقع.
لكن اهم هذه الانتصارات السياسية والمعنوية على الاطلاق، تمثلت في تأكيد حقيقة، حاول عملاء الاحتلال تسفيهها. حيث أثبت المقاتلون في غزة، قدرة الشعوب، مهما كانت صغيرة او ضعيفة، على تحقيق الانتصار ضدّ أيّ قوة غاشمة، مهما علا شأنها، ومهما امتلكت من آلة عسكرية عملاقة. وهذا أمر مهم جدًا، بسبب التراجع الذي حدث لحركات التحرر في العالم، ونجاح إعلام الدول المستعمرة من إشاعة روح الياس، حول قدرة الشعوب على تحقيق الانتصار. بخاصة وأن الشعب الفلسطيني في غزة، لم يتجاوز عدده مليون نسمة، ومساحة غزة لا تعادل حيًا من أحياء أيّ دولة عربية صغيره. حيث لم تتجاوز مساحتها 360 كيلومتر مربع.
هذه العملية كانت ضرورية وملحة جدا. فقد شهدت المنطقة في الآونة الأخيرة أكبر مؤامرة لأنهاء القضية الفلسطينية، بتصاعد وتيرة التطبيع مع الكيان الصهيوني، شملت عددًا من إمارت الخليج العربي، ودولا أخرى، مما يدعو الى مجابهة هذا التطور. وليس من قبيل المبالغة القول، أن هذه المعركة البطولية ستسقط حكومات العمالة والمطبعين مع الكيان الصهيوني، طال الزمن أم قصر. لتبرز حكومات وطنية لا تقف متفرجة على معركة من هذا الوزن الثقيل.
وقد تكون المعركة القادمة في ظل الحكومات الوطنية بقيادة الشعوب، وليس بقيادة الجيوش. إذا تكفي الأنظمة الوطنية بفتح الحدود للمتطوّعين للدخول الى الأرض المحتلة، بمئات الآلاف، عندها، تتعطل أسلحة الكيان الصهيوني، لتقتصر المعارك على الاشتباكات القريبة، وحتى المواجهة بالسلاح الأبيض. ترى هل سيصمد هذا الكيان المصطنع، الذي هزمه بضع مئات من المقاتلين، بأسلحة بسيطة في معارك الأيام الأربعة الماضية؟
اذن، من حقّ الشعب الفلسطيني، خصوصًا، والشعب العربي، عمومًا، الاحتفال هذا اليوم بهذه الانتصارات الكبيرة.



