“الفتنة الكبرى” و”الملك العضوض”..

خاص “المدارنت”..
يقول الدكتور/ محمد عابد الجابري، في نهاية كتابه “العقل الأخلاقي العربي” دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية ضمن سلسلة مشروعة الفكري بعنوان: “نقد العقل العربي”، الصادر عن” مركز دراسات الوحدة العربية”:
“ومع أن “الخلافة الراشدة” – التي لم تدم إلا نحوا من ثلاثين سنة – قد بقيت تتحدد في ضمير المسلمين, على مر العصور, بكونها “الحكم المبني على الشورى”, فإن “الملك العضوض” – الذي بلغ من العمر الآن 1380 سنة (طبعا هذا العدد من السنوات كان وقت صدور الكتاب أما الآن فقد تجاوز ذلك ليصل إلا 1442 سنة ومازال مستمرا) – لم يسبق أن عرف التعريف الذي يعطيه مضمونا يبقى حيا في ضمير الأجيال المتعاقبة.
والسبب في نظرنا لا يرجع إلي قصور في الفكر ولا إلي خوف من “العض”, فقد عرفت هذه الثمانون والثلاثمائة والألف سنة عباقرة في الفكر لا يخافون في الصدع بالحق لومة لائم, ومع ذلك يصفوا ولم يحللوا مضمون “الملك العضوض”، ولم يكشفوا عن أصوله (غير إبن رشد عبر اختصاره لجمهورية أفلاطون). إن السبب في نظرنا هو أن مبدأ “طاعة السلطان من طاعة الله” و”الدين والملك تؤمان”، قد هيمن هيمنة شبه مطلقة على الساحة الفكرية في الثقافة العربية. والذين لم يأخذوا هذا المبدأ على أنه يعبر عن حقيقة ما يقرره الدين قبلوه كضرورة تدفع محظور “الفتنة”. والحق أن الضمير الديني في الإسلام, الذي هو أصلا متحرر من وزر “الخطيئة الأصلية” (خطيئة آدم), قد حمل نفسه وزرا آخر هو وزر “الفتنة الكبرى”. إن الرغبة في “اتقاء الفتنة” قد بررت على الدوام قبول العيش باستكانة, تحت الحكم الذي أصله فتنة! فكانت النتيجة قيام الحكم في الإسلام, وعلى الدوام إلى الآن, على “وحدانية التسلط”, فكانت مدينتنا إلى اليوم ” مدينة الجبارين”.
وبصرف النظر عن الإتفاق أو الإختلاف مع ورد في هذه النهاية لكتابه المشار إليه آنفا, كليا أو جزئيا, سببا ومسببا, مقدمات ونتائجا, تحليلا واستنتاجا, وكذلك حول مفهوم ومعنى ومضمون “الملك العضوض”، الذي يرى فيه البعض من النخبة.!, بل الغالبية, ناهيك عن العامة, أشياء إيجابية ويحلو لهم أن يفرقوا بينه وبين “الملك الجبري” أو “الحكم الجبري”… إلخ.
وبغض النظر عن كل ذلك، وأكثر, فإن ما نحن فيه وعليه الآن كأمة عموما ماهو إلا نتاج حتمي وطبيعي لموروث استبدادي استعبادي تسلطي وطغياني إستمر لعقود عديدة ومازال مستمرا وانعكاسا حتميا وطبيعيا لذلك الموروث.., سواء تمثل ذلك بذلك الملك العضوض أو الملك الجبري أو الحكم الجبري أو النظام الأبوي التسلطي الذي أنتج كل ذلك.., وسواء كانت بداياته منذ الفتنة الكبرى أو قبلها أو بعدها, وسواء كانت جذور ذلك كله تعود إلى ما قبل الإسلام أو إلى ما بعده, وسواء وجد أولئك”العباقرة!” أم لا, وسواء أضيف إليه مرحلة التدخلات الغير عربية، إسلامية كانت أم غير إسلامية، (مرحلة دويلات الطوائف ومرحلة الاستعمار الأجنبي), فإن ذلك الموروث.. فعل فعلته بناء وما يزال…
حيث أن ذلك الموروث.. ومع مرور الزمن وتعاقب المتسلطين واستغلالهم للجانب العقائدي الديني لإضفاء شرعية عقائدية دينية سماوية على ما قاموا به وما يزالوا يقومون به وتجييرهم لتلك النصوص الدينية السماوية ولتلك الغير سماوية وإضفاء صفة وسمة وصبغة القداسة والتقديسية والقدسية عليها, قد شكل وعيا جمعيا مجتمعيا لدى العامة والخاصة, ذلك الوعي هو “وعي التخلف المقدس..” و”وعي الجهل المقدس..” و”وعي الظلامية المقدسة..”, سمات وصفات وخصائصا وصورا ومظاهرا ونتائجا كارثية وخيمة علينا كأمة…
هذا الوعي.. هو الإشكالية الحقيقية التي تعاني منها أمتنا، ولا سبيل إلى التخلص والخلاص والتحرر منه، إلا بثورة وعي أخلاقية فكرية تنويرية حداثية عبر عملية تغييرية تفكيكية – إحلالية تستهدف أولا وأخيرا ذلك الوعي…
يقول الشاعر عمر إبن أبي ربيعة المخزومي في قصيدته الرائعة: “ليت هندا أنجزتنا ما تعد…”:
(…. إنما العاجز من لا يستبد).. هذه المقولة وغيرها من المقولات الأخرى المشابهة لها والكثيرة والمتعددة والمتنوعة التي يمتلئ بها موروثنا منذ قرون عديدة، موغلة في القدم وحتى لحظتنا الحاضرة، دينية! كانت أم غير دينية، ومقولة “لا ينهض بالشرق إلا مستبد عادل”.
“المستبد العادل” من ضمنها، هي التي شكلت وعينا الاستبدادي كأمة، أفرادا وجماعات وطوائفا وأحزابا وايدلوجيات، دينية! كانت أم غير دينية،.. إلخ، وتشكل وفقا لها وعلى أساسها وفي إطارها وتحت رعايتها بكل سمات وصفات وخصائص ذلك الوعي..، وبكل صورة الفكرية والعقلية والثقافية، وبكل مظاهره العقائدية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية… إلخ، ومن ثم بكل نتائجه الوخيمة والكارثية من أقوال وأفعال وسلوكيات وتصرفات، تجاه بعضنا بعضا وتجاه الآخر المغاير.. من تلك الصور والنتائج الوخيمة والكارثية المترتبة عنها، ما تسمى “ثقافة الاستبداد”…
تشكل تلك الثقافة العمود الفقري لمجتمعاتنا، بما ينتج عنها من آثار مدمرة ووخيمة علينا كأمة، أفراد ومجتمعات وشعوب، في وقتنا الحاضر. تلك الثقافة المتجذرة في ذلك الوعي… التي تعتبر نتيجة طبيعية وحتمية تاريخية وانعكاسا حقيقيا لموروث ثقافي استبدادي استعبادي عبر قرون, قائمة على تمجيد الفرد وسلطته وسطوته، والقبول بكل ما يصدر عنه من استبداد واستعباد واعتباره المخلص والمنقذ..
وما ثقافة “المستبد العادل”، إلا خير دليل على ذلك. تلك الثقافة التي ما كان لها بأن تتجذر في ذلك الوعي… للأمة لولا وجود التبريرات لها وخاصة الفقية منها والمرتبطة بالتبرير الدين وشرعنتها دينيا، مما جعلها قضاء وقدرا وحكما مسبقا، وجبرية يجب التسليم بها, طوعية أم جبرية..
فالاستبداد، شرّ كلّه، وشرّه ما ارتبط بالدين والعقائد التي يؤمن بها المجتمع, وما كان ذلك كله ليحصل لولا وجود فقهاء الاستبداد والاستعباد الذين عملوا على نشر وتجذير تلك الثقافة، لصالح أولئك المستبدين، أضيف إليها حديثا ثقافة الاستبداد الايدلوجي..، وما زلنا إلى الآن نلاحظ وجود فئة ليست بالقليلة من مثقفي الاستبداد والاستعباد، تعمل جاهدا على تبريرها خدمة للأنظمة الاستبدادية الاستعبادية الحالية ومدافعة عنها والاستماتة في ذلك. فالفردية وسطوتها وصنميتها وتقديسها وقدسيتها ما تزال هي المتحكمة والمسيطرة على الوعي الجمعي الاجتماعي عموما، والنخبوي منه خصوصا، لنا كأمة, أمّا العمل الجمعي وثقافته فما يزال بعيدا وغريبا واستثنائيا في وعينا, فما بالك بسلوكنا والقبول به؟!
فما نزال ننظر إلى مصيرنا كأمة، والخروج مما هي فيه.. وعليه.. من خلال إنتظار “الزعيم”، المنقذ والمخلص، مغيّبين دورنا كمجتمعات في ذلك, وما ظاهرة “المهدي المنتظر” و”السفياني المنتظر” و”المستبد العادل”، إلا خير دليل على ذلك.. إلخ.
إذا أردنا اقتلاع شجرة الاستبداد السياسي من واقعنا العربي، ومن ثم بناء نهضة عربية جديدة, لا يمكن له بأن يكون مثمرا يعطي أكله، إلا إذا كان نتيجة طبيعية وانعكاسا حقيقيا لاقتلاع كل أشجار الاستبداد الفردي الأسري والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والجهوي والديني والمذهبي والعرقي، القائم على أساس النوع والايدلوجي.. إلخ, أو مترافقا معه.
بمعنى آخر: اقتلاع شجرة ثقافة الاستبداد المتجذرة في واقعنا.. والمتحكمة به والمسيرة له. لن يتم ذلك، إلا إذا اقلتعنا تلك الشجرة الخبيثة، شجرة الاستبداد, من وعينا وأفكارنا وثقافتنا وعقولنا ووجداننا جميعا، وفي المقام الأول من وعي وأفكار وثقافة وعقول ووجدان النخب…!واستبدالها بشجرة الحرية والقبول بالآخر، مهما كان شكله أو نوعه أو صورته أو صفته أو إنتماءه… إلخ. من دون ذلك، نكون قد قعلنا واقتلعنا شجرة خبيثة، واستبدلناها بشجرة جديدة ربما تكون أخبث منها وأشد خطرا…
الخلاصة: يقول عبد الرحمن الكواكبي في كتابه: “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”: “العوام هم قوة المستبد وقوته، بهيمن عليهم، يصول ويجول، يأسرهم، فيتهللون لشوكته, ويغصب أموالهم فيحمدونه على ابقائه على حياتهم, ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون لسياسته, وإذا أسرف في أموالهم يقولون كريما, وإذا قتل منهم ولم يمثل يعتبرونه رحيما”.
ويقول جمال الدين الأفغاني: “إذا سَلِمْتَ في كتابة خاطراتك من خطر الطاغية وطواغيته، فستصادف من أهل الجمود عنتا وتخرصا وقلبا للحقائق، فلا تبال بهم، فما خلا الكون منهم يوما ليخلو زمنك؟!، ولا نجا منهم مخلص لتنجو أنت؟!
أما جبران خليل جبران فيقول: “إن كان طاغية تودّون خلعه عن عرشه، فانظروا أولاً إن كان عرشه القائم في أعماقكم قد تهدم؛ لأنه كيف يستطيع طاغية أن يحكم الأحرار الفخورين، ما لم يكن الطغيان أساسا لحريتهم والعار قاعدة لفخرهم!، وإن كان هماً ترغبون في التخلص منه، فإن ذلك الهم إنما أنتم اخترتموه لأنفسكم، ولم يفرضه أحد عليكم. وإن كان خوفا تريدون طرده عنكم، فإن جرثومة هذا الخوف مغروسة في صميم قلوبكم، وليست في يديّ مَن أو ما تخافون”.





ابدعت دكتورنا الغالي
لك خالص احترامي وتقديري
الانسان عدو ما يجهل