المؤسسة العسكرية.. وثورات الربيع العربي!

خاص “المدارنت”..
منذ أن بدأت مرحلة الإنبلاجة التاريخية الجديدة لأمتنا العربية في نهاية العام 2010م. وانطلاقتها الفعلية في العام 2011م. وحتى الآن في تلك الأقطار العربية التي أحدثت فيها تغييرا جوهرا وما تزال, بغض النظر عما خلفته حتى الآن, إيجابيا كان أم سلبيا, أثبتت الوقائع والأحداث ومجريات الأمور بأن الدور الأساسي, بل يكاد الوحيد, لحسمها أو إفشالها كان وما يزال للمؤسسة العسكرية في تلك الأقطار.
فالمؤسسة العسكرية ونتيجة لأسباب وعوامل عديدة، هي المسيطرة على مقاليد الأمور في تلك الأقطار… فالوعي الاستبدادي التسلطي بصورته الفكرية والثقافية والعقلية, وبصيغته التحكمية المتمثلة بالنظام الأبوي الذكوري والممثلة به, هو المتجذر في وعي وفكر وثقافة وعقلية تلك المؤسسة العسكرية ومن ثم سلوكياتها وتصرفاتها, والمسيطر عليها والمتحكم بها والمسير لها, ليس لوحدها فقط, بل في الوعي الجمعي الإجتماعي عموما والنخبوي منه على وجه الخصوص, وهنا الكارثة, بالإضافة إلى غياب الدولة المدنية الحديثة بركائزها الأساسية.., وعيا وفكرا وثقافة وعقلية قبل واقعا, ومن ضمن تلك الركائز ركيزة تحييد المؤسسة العسكرية الأمنية عن المشاركة والتعاطي مع الشأن السياسي فيها, وسيطرة الدولة التقليدية فيها, الدولة البوليسية الإستخباراتية, إضافة إلى الغياب الشبه تام لمؤسسات ومنظمات المجتمع المدني في تلك الأقطار, وإن وجدت فإنها تكون تابعة لتلك الأنظمة وجزءا أصيلا منها وفيها.
حتى أن الأحزاب السياسية في تلك الأقطار بمختلف مسمياتها وتسمياتها, وبمختلف أنواعها وصورها وأشكالها, وبمختلف منابعها وايدلوجياتها, إسلاموية أو قومية أو أممية أو وطنية, لا تختلف في وعيها وصورة الفكرية والثقافية والعقلية, وبصيغته الأبوية “النظام الأبوي الذكوري”, فهي عندما تريد أن تصل إلى سدة الحكم تعمل جاهدة على محاولة إمتلاك تلك المؤسسة العسكرية, فهي الوسيلة الوحيدة التي توصلها إلى سدة الحكم عبر إنقلاب عسكري…! كل ذلك نتيجة طبيعية لسيطرة المؤسسة العسكرية على مقاليد الحكم في تلك الأقطار ابتدأ من بداية النصف الثاني من القرن الماضي، الذي وجدت نفسها الوسيلة الوحيدة لتحرر وتحرير تلك الأقطار من الإستعمار الخارجي أو الحكم الملكي الداخلي, حتى أن تلك المؤسسة لم تتخيل نفسها يوما ما بأن تجد نفسها خارج السلطة، بعد أن وجدت فيها وعبر عقود من الزمن مع ما حصلت عليه من إمتيازات خاصة بها.
وتجلى للعيان، بأن المؤسسة العسكرية في الأقطار التي مستها ثورات الربيع العربي..! تعاملت مع تلك الثورات وفقا لبنيتها وعقيدتها وتنشئتها العسكرية ووفقا لتلك الامتيازات التي تحصل عليها, حيث يمكن تصنيف ذلك وفقا لذلك إلى:
1 – بنية وعقيدة وتنشئة عسكرية وطنية مع وجود طاغ لما يسمى بالدولة العميقة وامتيازات كبيرة تحصل عليها تلك المؤسسة العسكرية… ذلك يجعل من تلك المؤسسة هي الفاعل الرئيسي في البلد وهي المتحكمة به وفيه وفي جميع المجالات الحياتية المختلفة, سياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية…إلخ, وتعتبر مصر مثالا ونموذجا لذلك.. فالمؤسسة العسكرية فيها تعاملت مع الثورة الشعبية السلمية فيها وفقا لذلك..وتلك., فالثورة الشعبية الأولى فيها هي التي أجبرت تلك المؤسسة على ردة الفعل تلك وقيامها بتبني مطالبها، وإجبار حسني مبارك على التنحي عن السلطة مع ما نتج عنها بعد ذلك من انتخابات من ضمنا الرئاسية وصعود مرسي إلى سدة الحكم, لكنها لم تتخل على دروها التي حددته لنفسها وعملت على إعادته، وذلك عبر إجبارها للشعب المصري على القيام بثورة جديدة تطيح بمرسي لكي يتسنى لها العودة مجددا إلى التحكم بالبلد كما كان سابق عهدها..
أي أن الثورة الأولى، هي التي أجبرتها على التدخل للإطاحة بنظام مبارك, أما في الثورة الثانية فهي التي أجبرت الشعب على الإطاحة بنظام مرسي مستغلة له لكي تحكم وتتحكم من جديد.. ولست هنا في صدد مبررات ذلك..وتلك..وهل كان ذلك عملا صائبا من قبلها,إلا أن ذلك يدل على أن المؤسسة العسكرية في مصر هي الفاعل الرئيسي في نجاح وإنجاز أية ثورة شعبية فيها…
2 – بنية وتنشئة وعقيدة وطنية مع وجود طفيف للدولة العميقة ومع قلة قليلة من الامتيازات… ذلك يجعل من تلك المؤسسة هي الضمان الوحيد لاستقرار البلد وعدم انجراره إلى الفوضى… حيث تعتبر كل من تونس والسودان مثالان لذلك, فما حدث فيهما من ثورات شعبية ونتج عنها من تغييرات مستمرة حتى الآن يدل على أن تلك المؤسسة العسكرية مؤسسة عسكرية وطنية، لا وجود لها على مستوى المجالات الحياتية المختلفة للبلد,فهي تعي دورها في حماية البلد من التدخلات الخارجية ومن الفوضى الداخلية, فعندما ترى بوادر ذلك تقوم بدورها ثم تعود إلى ثكناتها.., سوار الذهب فى السودان نموذجا ومثالا سابقا لذلك.
3 – بنية وتنشئة وعقيدة عصبية ضيقة ومقيتة مع وجود إمتيازات لها في ذلك النظام العصبي الضيق والمقيت… فهي ليست مؤسسة وطنية, بل مؤسسة خاصة بمن يحكم, وفي هذه الحالة لا يمكن أن نطلق عليها صفة المؤسسة العسكرية الوطنية, بل صفة المليشيات العسكرية العصبية… حيث تعتبر كل من اليمن وسوريا والعراق نماذجا وأمثلة لذلك… فعندما قامت فيها الثورات الشعبية إنحازت تلك المؤسسة انحيازا تاما للسلطة الحاكمة وقامت بقمع تلك الثورات في تلك البلدان بما نتج عن ذلك من آثار وخيمة وخطيرة، تهدد وحدة البلد وتفتت نسيجه الإجتماعي وتجعل منه عرضة للتدخلات الخارجية ويصير في حرب أهلية تشارك فيها كل تلك القوى الداخلية منها والخارجية, وهذا ماهو واضح للعيان في كل من اليمن وسوريا, وكذلك في العراق حتى الآن من خلال تعاطي تلك المؤسسة مع الثورة الشعبية فيه القائمة حتى الآن.
4 – بنية وعقيدة وتنشئة توافقية طائفية مع عدم وجود لتلك الامتيازات… فهي ليست مؤسسة وطنية, بل مؤسسة توافقية طائفية تسير وفقا لاجندات تلك التوافقية الطائفية بين تلك الطوائف المكونة للبلد والحاكمة له والمتحكمة فيه وفقا لاتفاق مبرم بينها… وتعتبر لبنان مثالا ونموذجا لذلك, لكن إضافة إلى ذلك فإن هناك إشكالية ومعضلة كبرى فيها.. تلك الإشكالية والمعضلة تتمثل بوجود رديف قوي لتلك المؤسسة, بل يفوقها قوة وتحكما… ذلك الرديف التابع لإحدى تلك الطوائف المكونة للبلد والذي أصبح فعلا هو المتحكم على البلد وفيه والمسيطر عليه, بحيث أن أي دور لتلك المؤسسة يكاد يكون معدوما في هذه الحالة إلا ما يسمح به ذلك الرديف…. ذلك كله يجعل من تلك المؤسسة التوافقية الطائفية عاجزة عجزا تاما عن التفاعل الإيجابي مع أية ثورة شعبية فيها, مما يجعل تلك الثورة تتخبط هنا…وهناك.., طبعا بالإضافة إلى عوامل أخرى, وما يحصل هذه الأيام فيها يعتبر دليلا واضحا على ذلك
5 – بنية وتنشئة وعقيدة نضالية تحررية جبهوية مع إمتيازات كبيرة… فهي ليست مؤسسة وطنية بل مؤسسة نضالية تحررية جبهوية تستمد شرعيتها من نضالها وكفاحها ولا تتخيل نفسها خارج سدة الحكم يوما ما, فهي ترى أن نضالها وكفاحها يعطيها الحق المطلق في حكم البلد والتحكم فيه وفي جميع المجالات الحياتية المختلفة فيه… وتعتبر الجزائر مثالا ونموذجا لذلك… يظهر ذلك جليا وواضحا من خلال تعامل تلك المؤسسة مع الثورة الشعبية فيها مؤخرا, وكذلك مع ما حدث في القرن الماضي عندما كادت جبهة الإنقاذ الوطني فيها أن تصل إلى سدة الحكم عبر انتخابات ديموقراطية.. من خلال ذلك كله يتضح بأن نجاح أو فشل أية ثورة شعبية في بلداننا العربية مرهون بمدى تفاعل تلك المؤسسة العسكرية فيها مع تلك الثورة, ومرتبط ارتباطا وثيقا وقويا معها, فهي العامل الأساسي والرئيسي بل والوحيد في إنجاح تلك من عدمه… إن لذلك أسباب وعوامل كثيرة وعديدة, لعل أهمها وكما قلت آنفا، ذلك النظام الأبوي السلطوي التسلطي.. الذي لا يتخيل بأن أحد أفراد العائلة ممكن أن يتمرد عليه, بل لا يجب عليه فعل ذلك، وإذا حدث وأن قام بذلك وجب إما إعادته إلى بيت الطاعة، أو نفيه أو التخلص منه جسديا.. ومع هذا كله، لا يمكنني إلا أن أقول: “كلّن يعني كلّن”.
=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=



