مقالات

المشرق العربي ما بين الناصرية وديكتاتورية النفط!

د. ياسين الدليمي/ العراق

خاص “المدارنت”..
لا يخفى أن دور أقطار المشرق العربي مع أقطار المغرب العربي من الأهمية بمكانة مع حرصنا القومي على أن الأمة العربية بتشكيلها الجغرافي.
(الوطن العربي) وحدة واحدة لا يمكن تجزئتها مناطقيا ً وما قولنا الا اصطلاحًا. فدورها التأريخي ثقلا ً دينيا ً– قياديًا- إقتصاديًا وسياسيًا عبر سلطة مكة المكرمة – والمدينة المنورة – والدولة الاموية في الشام والعباسية في العراق والفاطمية في مصر.
وبرز دور اقطار المشرق العربي حديثاً مع إكتشاف النفط وزرع الكيان الصهيوني على ارض فلسطين تعطيلًا لاستحقاقات المشروع التحرري والوحدوي والنهوض بمعطيات النفط العربي..
وقد تعاظم دور اقطار المشرق العربي ببروز حركة التحرر العربي وبرنامجها الفكري القومي العربي بمدرستيه البعثية – الناصرية.
وقيادة مصر العربية بعد ثورة 23 تموز/ يوليو 1952 م. بالزعامة التاريخية لحركة التحرر العربي والمناداة بالوحدة العربية ومكافحة الاستعمار والفقر والتخلف.
فدخلت مصر العربية بقيادة جمال عبد الناصر، بكل ثقلها ووزنها وتلاقي المدرسة البعثية مع الناصرية في المشروع التحرري الوحدوي قبل قيام الوحدة المصرية – السورية. وتبلور الناصرية فكرًا ايديولوجيّاً بالدوائر الثلاث استراتيجيا [الدائرة العربية – الافريقية – العالمية] وليأخذ النظام العربي دورًا فاعلاً ولاعبًا في التوازنات الدولية وانتاج حركة الوفاق الدولي بين المعسكريين الشرقي (الاتحاد السوفياتي) والغربي (أوروبا الغربية – امريكا) وبحكم التكافؤ العسكري والاستراتيجي. ولكون النظام العربي قد تلازم مع حركة التحرر العربي بزعامة مصر العربية، وإفشال كل محاولات إنشاء الاحلاف والمحاور الدولية على حساب المصلحة القومية العربية والهادفة الى تطويق الوطن العربي وضرب حركة التحرر العربية.
فلم يكن النظام العربي أسيرًا للتفاعلات وانعكاسات صراع القوى في النظام الدولي ثنائي القطبية.
لقد كانت الناصرية، تمثل الطموح والأهداف التحررية الوحدوية للعرب، والانعتاق السياسي والاقتصادي من دائرة التبعية للاستعمار وآلياته، فكانت الناصرية تمثل وتجسد الهاجس النقي للمشاعر العربية فالتصقت الجماهير بها وخاصة في المشرق العربي التصاقًا عفويًا بإحساس عربي صادق تجسيدًا  للحلم العربي بالوحدة العربية، القادرة على قيام دولة العرب القومية القادرة على قهر كل اشكال التخلف والتأخر، بمجابهة قومية لكل التحديات والتهديدات الاستعمارية المستهدفة للعرب ووجودهم وهويتهم القومية. فشكلت الناصرية ايديولوجية عربية معاصرة باشتراكية عربية ناهلة من روح الإسلام ساعية لتحقيق العدالة الاجتماعية بثنائية [كفاية في الإنتاج – عدالة في التوزيع]، وبإرساء:
1- الديموقراطية السياسية المستندة على الحرية السياسية، باعتبار حرية الكلمة هي المقدمة الاولى للديموقراطية وبضمان سيادة القانون.
2- الديموقراطية الاجتماعية المحققة لمجتمع الكفاية والعدل.
ولتحقيق دولة الوحدة العربية بهدف استراتيجي.
ولهذا إنطلقت الناصرية، الى شق طريقها بانتقالة ثورية واقعية عابرة لحالة الرومانسية – الحنينية المتغنية بالمجد التأريخي، عبر تلمسها العفوي من الجماهير العربية، دونما وجود لأي هيكلية تنظيمية – حزبية لها بزعامة جمال عبد الناصر.
فالناصرية، شقت طريقها في التضاريس الوعرة للسياسة الدولية وموازين القــوى العربية – الدولية وصراعاتها ونفوذها ومرتكزاتها المرئية وغير المرئية عبر الاستقطاب والمحاور الثنائية ومعطيات الحرب الباردة. فلم تستسلم للضغوطات السياسية – والعسكرية – الاقتصادية إقليميًا / دوليًا.. فأصبحت الناصرية هي الواسمة للنظام العربي إقليمياً ومرتكزاته السياسية من خلال نصرة القومية العربية في صراعها مواجهة ومجابهة مع الإستعمار ومخلفاته: ثورة العراق 1958 م. – الثورة الجزائرية – حركة المقاومة الفلسطينية – ثورة اليمن – إسناد ثوار جنوب اليمن ولتنطلق ابعد إلى الدائرة الأفريقية دعمًا ومساندة لحركات التحرر الافريقية، فنجد عامي 1960 م. -1961 م. حصول غالبية الدول الافريقية على الاستقلال وتشكيل منظمة الوحدة الأفريقية وتأخذ مصر العروبة دوراً قيادياً فيها لمرحلة ما بعد الاستقلال..
ومن ثم تنطلق إنطلاقة دولية عبر الدائرة الدولية إلى مؤتمر باندونع للبلدان الأفرو/ آسيوية في نيسان 1955 م. وتشكيل كتلة عدم الإنحياز بقاعدة الحياد الإيجابي عبر ثوابت:
السيادة الوطنية – مقاومة العنصرية والإستعمار.
وهذه قد شكلت مرحلة متقدمة في التطور السياسي، بنضوج الفكر الإستراتيجي للنظام العربي الفاعل والمؤثر في السياسة الدولية عبر الناصرية. فالناصرية بعناصر تكوينها الاساسية تعني:
1- الوحدة العربية والدفاع عن العروبة بتلازمية مصيرية بين الوحدة والتحرر ومقاومة الإستعمار.
2- المجابهة مع الإستعمار وكل أشكال الهيمنة والسيطرة. وجوهر الناصرية تصفية الإستعمار وإزالة قواعده العسكرية – الثقافية – الإقتصادية في الوطن العربي بتلازمية إسناد ودعم حركات التحرر العالمية.
3- مقاومة الصهيونية باعتبارها حركة صهيونية عنصرية إستيطانية عدوانية، فالناصرية كانت ولم تزل إنعكاسًا أصيلًا لآمال وطموحات الجماهير العربية من المحيط الى الخليج العربي المقهورة سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا.
فهذه الجماهير قد لبت نداء الناصرية، بعفويّة عربية متفردة إستجابة للطرح الناصري في التحرر والحرية للوطن والمواطن، وإقامة العدالة الاجتماعية ودولة الوحدة العربية. هذا لم ولن يتمّ إلا عبر نضال جماهيري عربي بمشروع نهضوي وحدوي، وبمقارعة نضالية موحدة بفعل مقاوم للإستعمار والصهيونية وأدواتها وآلياتها، وبخوض معارك قومية، وهذا لا يكون إلا بإنجاز قومي وحدوي بإستراتيجية قومية تنموية، آخذة بأساليب العصر – تقدمًا علميًا – تخطيطاً وتنفيذًا بكفاءة عبر قيادات رشيدة وبكفاءة سياسية – إدارية.
وعلى الرغم من التفاف الجماهير العربية وحركتها التحررية حول الناصرية وقيادتها, إلا أن المشروع القومي الناصري، لم يكن معتمداً على تنظيم سياسي قومي موحد. وهيكلية “الاتحاد الإشتراكي العربي”، قد إعتمد على بنائه وتكوينه على إتحاد قوى الشعب العامل. وبأساليب بيروقراطية وغياب الكادر السياسي والتنظيمي.
وهنا لسنا في جانب التحليل والتقييم لتجربة “الاتحاد الإشتراكي العربي”. لأن أيّ مرحلة تؤخذ بضروفها الموضوعية، وتأثيرها على مسار الحركة التأريخية وحصيلتها دونما إغفال للتحديات الكبرى التي كانت تواجه حركة التحرر العربي وطليعتها، ولم تزل مكانياً وزمانياً.
فهذه التحديات مجتمعة من الداخل والخارج، قد اُعدت إعداداً فائقاً لإجهاض أي مشروع نهضوي عربي، سواء كان باسم الناصرية – او باسم البعث – باسم الاسلام، وشواهد مشهدنا المأزوم تشرذماً وعدواناً وإحتلالاً عسكريًا، خير دليل، فمن تهمة الإلحاد للقومية العربية الى وسم الإرهاب لأي حركة ممانعة او مقاومة قومية – إسلامية كانت، والحرب على الإسلام بعد تحجيم المد القومي بأدوات إسلامية، ليستكمل السيناريو سابق الإعداد بإضعاف حركة التحرر العربي بجناحيها القومي – الإسلامي، وصولًا الى نتائج على الأرض إسقاطًا دقيقاً تنعكس إنعكاسًا تكوينيًا  قوميًا – إسلاميّا. يتمثل في:
1 – إسقاط المرتكز الأيديولوجي القومي العربي، الذي أساسه القومية العربية وتحرير فلسطين – والوحدة العربية.
2 – خلق التصادمية بين القومية العربية والإسلام، عبر تشكيلات وكيانات ومنظمات سياسية وحتى جهادية باسم الإسلام، سعت ولم تزل تسعى تكفيرًا للقومية العربية.
فاستقوت هذه الكيانات بالدعم الخارجي، ومباركة بعض أنظمة الحكم العربية على حساب القومية العربية. ولتنقلب الصورة على هذه الكيانات، بعد عقود من تكوينها ومحاربتها باسم مكافحة الإرهاب.
3 – إختلاق تصادمية إسلامية – إسلامية، بغطاء [المذهبية – الاصولية – التكفيرية] بعد الاستخدام الناجح لبعض الكيانات والتنظيمات الاسلامية في محاربة القومية العربية، والتمادي اللامعقول لحد التكفير.
4 – الحرب على الاسلام بغطاء دولي اولًا، وعلى العرب ثانيًا باسم مكافحة الارهاب، ان نجاح المشروع التفتيتي لحركة التحرر العربي وانحسارية المد القومي العربي، وتراجع المشروع الاسلامي المقاوم، قد اضعف حركة التحرر العربي – بمقدمات ونتائج نكسة العرب 1967، ورحيل جمال عبد الناصر الى ربه، بعد احداث ايلول بين فصائل المقاومة الفلسطينية والحكومة الاردنية 1970 م.
5 – مرحلة الحلول والصعود لأنظمة حكم شمولية وديكتاتورية [جمهوري – ملكي]..
وإكتسابها التوريثي لسدّ الفراغ القيادي لزعامة جمال عبد الناصر، والهوس النرجسي بذلك، قيادة للنظام العربي وتحجيم المد القومي العربي، واستبعاد المشروع النهضوي الوحدوي العربي، وتطويق حركة التحرر العربي، بقيمومة المرحلة التأريخية بوهجها الناصري وملحمتها القومية المقاومة، فإذا بإنحسارية كارثية شهدتها الأمة العربية بخطين متوازيين تجسدا في:
1 – إشكالية النظام العربي، وغياب آليات العمل العربي المشترك بحكم الاطواق الخانقة لهذا النظام وانجراره إقتصاديًا وسياسيًا للتبعية الأمريكية، سواء كان بوعي أو بغير وعي بحكم القطرية، وإشتراطات التكوين القطري بمرجعية خرائط سايكس – بيكو. ومحورية أنظمة الحكم والتجريب بجهالة التعاطي مع التحديات السياسية – الاقتصادية – العسكرية المواجهة للعرب جميعًا، والساعية لإدخال العرب الى بيت الطاعة الأمريكية، باستحقاقات وجود الكيان الصهيوني، وأمنه ومشاريعه التأسيسية الأولى، بضرب وحدة العرب وإستنزاف الثروات العربية وديمومة الضعف العربي.
2 – إنحسارية الممانعة والمقاومة، بعد انهاك حركة التحرر العربي عبر تصادمية مختلقة باسم الإسلام، ومن ثم ضرب الإسلام باسم مكافحة الإرهاب.
3 – المحاولة التوريثية لقيادة الجماهير العربية بغطاء التعاطي الواقعي مع متطلبات المرحلة والمتغيرات الدولية. فإذا بإنكشاف الأقنعة الساترة للوجوه الكالحة على رغم ارتدائها عباءة القومية العربية، واعتمارها عمامة الإسلام. وباستحقاق إطاعة اولي الأمر – البيعة ذمة في الرقاب، او عبر عمليات الترقيع الديموقراطي… والتساؤل القومي العربي يطرح نفسه ما هو الحل؟! والجواب:
هو بإنبثاق حركة تجدد وتجديد لقوى الثورة العربية، بحركة تحرر عربية لتحقيق فعل قومي وحدوي ديموقراطي مقاوم بمعطيات:
1 – النزوع الفطري الوحدوي العربي.
2 – النزوع التجديدي لآليات حركة التحرر العربي.
3 – الإنحدار التأريخي وإنهزامية النظام العربي، وخطابه السياسي والتبعية للمشروع الأمريكي.
والإعلان السافر لعلاقات العشق غير المعلنة للبعض مع الكيان الصهيوني – السياسية – الاقتصادية والاشهار التطبيعي.
4 – الإنكفاءة القومية العربية وجودًا مؤثرًا وفعلًا متفاعلًا عبر القطرية بشقيها:
1) نظام الدولة القطرية – السيادة – الشرعية – الإعتراف بغطاء الشخصية الإعتبارية وفق القانون الدولي.
2) ترسيخ القطرية – شعبيًا وسلوكًا وممارسة، بحكم التأسيس الإرتكازي للتكوين القطري وتجاذبية العلاقات القطرية بديلًا عن القومية.
ان التجديد لحركة التحرر العربي، لا تتم بالدعوات والتمنيات، لكن عبر آليات متجددة مستلهمة تجارب الماضي ومؤسسة لمؤسسات بنيوية برؤية إستشراقية باستلهام معطيات القوة في الفعل والعمل القومي، ودونما إقصاء أو وصاية لمكونات حركة التحرر العربي، بعيداً من التخندق والإنغلاف تحت لافتات سابقة بحنينية الماضي.
فالمطلوب اليوم، جهداً قومياً وحدويّا، باصطفاف قومي وحدوي إسلامي، جامع لطاقات الأمة العربية وطلائعها المناضلة من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، فمعركة الأمة العربية هي معركة وجود ونهوض بمواجهة تأريخية إستثنائية، تتطلبها ظروف المعركة على الصعيدين القطري بحكم الواقعية بوجودها واقعياً مختافاً ولو مؤقتًا.
وعلى الصعيد القومي، كون الأمة العربية مهددة بوجودها، تستوجب المواجهة بجهد قومي عربي موحد من خلال التفاعل مع معطيات حركة الجماهير العربية التأريخية، وجوهر حصيلتها هو الإستقلال القومي من كل أشكال السيطرة والهيمنة والإبتزاز – السياسية – الإقتصادية، فما أحوجنا كعرب، الى حركة تحرر عربية واعية وبزعامة [فردية – جماعية] تأخذ بالأمة العربية نحو أفاق التحرر السياسي واستقلالية صنع القرار، سياسياً واقتصادياً، بعيداً من التبعية، ولتكون هذه القيادة قادة على سدّ الفراغ الذي خلّفه غياب جمال عبد الناصر، الجماهيري والقيادي، أجل هذه القيادة، سنكون لها حراساً وجنوداً، اذا ما لبّت تطلعات الجماهير العربية.
سيذكرني قومي إذا جدّ جدّهم
وفي الليلة الظلماء يفتقد القمر

فما أظلم ليالي العرب، اليوم، المأزومة إحتلالاً وعدوانية القتل والترويع وحرق المدن العربية، من فلسطين إلى العراق إلى سوريا واليمن وليبيا ولبنان، والى دارفور والصومال.
فهل يَعي العرب اليوم ذلك؟ وهل النظام العربي الرسمي قادر على أن يقدم الاعتذار التاريخي، ويقرّ بفشله في إيجاد الحدّ الأدنى من الثبات على الثوابت القومية العربية؟!.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى