مقالات

المعونات المعيشية “الحزبية” لن تجهض الانتفاضة!

د. فضيل حمّود/ باريس

خاص “المدارنت”..
إن التدهور المتسارع للوضع الاجتماعي المزري الحالي، الذي يعيشه القسم الأكبر من اللبنانيين، هو النتيجة الحتمية لسياسات التجويع والإفقار، وفساد النظام بأحزابه الطائفية، التي تمسك زمام الحكم منذ عقود، خصوصاً في السنوات الثلاث العجاف الاخيرة، التي شهدت مفاعيل التسوية الصفقة “الحريرية – العونية”، برعاية الثنائي الشيعي (حركة أمل وحزب الله).

تتناقل بعض وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي منذ الأسبوع الماضي، معلومات وصور و”فيديوهات” عن معونات غذائيه ومازوت.. تقدمها احزاب السُلطة الى الفقراء والمحتاجين، والحزبيين والمناصرين. كل حزب في بيئته ومناطقه الطائفية، مع الحرص على تعميمها اعلامياً واجتماعياً في نفس الأوساط.

عرف اللبنانيون في الماضي حملات من هذا النوع عشية الإنتخابات، بخاصة النيابية، بالاضافة الى شراء الأصوات الناخبة. كما عرفوا زبائنية احزاب التسلّط، التي ترغمهم على اللجوء اليها من أجل سدّ احتياجاتهم المعيشية الاساسية، الاستشفائية والتعليمية وغيرها، علماً انها أبسط حقوقهم. لكن المتغير غير المسبوق اليوم، هو قيام انتفاضة شعبية شاملة عابرة للطوائف، ضد نظام المحاصصة الطائفي وفساده وأحزابه، التي أوصلت البلاد والعباد إلى مستوى من الفقر والعوز والبؤس غير المسبوق منذ إلاستقلال عام 1943، ولا حتى إثناء الحرب الاهلية 1975 – 1990.

قسم لا بأس به من الحزبيين والمناصرين، وبيئتهم الاهلية، خرجوا وتمردوا على احزابهم، شاركوا منذ اللحظات الاولى في الحراك الشعبي، وانتفضوا ضد إنتماءاتهم الطائفية التي استغلتها الاحزاب، وكانت تجارتها الرابحة حتى عشية 17 أكتوبر الماضي. إستغلالاً للضائقة الحالية في تأمين المستلزمات الحياتية الأولية، المتدهورة من السيّء الى الاسوأ يومياً،.

بدأت احزاب التسلط والفساد المزمن في إستعمال الأمن الغزائي، كسلاح لاستعادة جماهيرها وتدجينها طائفياً من جديد. محاولة بذلك إجهاض الانتفاضة الشعبية وإنهائها.

صحيح ان هذه الاحزاب تملك إمكانيات كبيرة، تنظيمية ومالية، جمعتها من المال العام المنهوب والموهوب، (صفقات الفوائد المرتفعة جداً للهندسات المالية…)، بالإضافة إلى الدعم الاقليمي لبعضها من انظمة يعملون لمصالحها، كسوريا وإيران وغيرها.

صحيح أن إمكانيات الانتفاضة المادية محدودة جداً وذاتية، ايضاً هشاشة التنظيم والتنسيق بين مجموعاتها وقواها. ولكن، قد تستطيع الاحزاب إعادة قسم من المنتفضين وأهلهم تحت عباءاتها الطائفية، لكن ستفشل في إستعمال هذا السلاح، كما فشلت في غيره منذ بداية الحراك المستمر، للأسباب التالية:

كسر حاجز الخوف. عماد الإنتفاضة الشباب والشابات، أكثرهم ليس منتمي الى الأحزاب، لم يعد لديهم ما يخسرونه، ووعيهم متقدم. صناديق الدولة أضحت فارغة. الحصار الاقتصادي على محور الممانعة وأنظمته، سوريا وإيران، نبع العراق جف. تهريب أموال الاحزاب لزعمائها وعائلاتهم الى الخارج، وادخارها لهم في الداخل. مساعدات الدول والمنظمات الدولية الانسانية، والعربية، ستكون مباشرة للجمعيات اللبنانية، ولن تمر عبر الدولة والاحزاب. تنظيم وتنسيق الحراك الشعبي على قدم وساق، بكل المجالات. المغتربون سيدعمون صمود اهلهم، ولهم مصلحة في التغيير، ويملكون قدرات كبيرة مادية وتنظيمية. التضامن الاجتماعي في مجتمع شرقي عربي سينمو وينتظم أكثر. مصلحة الشريحة الوسطى وقسم من الميسورين في التغيير.

ما لا يدركه النظام وأحزابه المتسلطة الفاسدة الطائفية، أن إفلاسهم حتمي، وظهر كحقيقة واضحة بعد إنتفاضة 17 أكتوبر العظيمة. كما أن اكثرية اللبنانيين لن يعودوا إلى سجون منظومة الإستبداد والفساد والتبعية، واحزابها التحاصصية. ولن يتخلّوا عن المشتركات الوطنية التي أفرزها الحراك، ستنموا وتتطور مع الوقت. ان الكلمة الاخيرة ستكون للإنتفاضة الشبابية الواعية، مهما عظمت التضحيات، وتأخر التغيير، فالشعوب تقرر مصيرها عندما تستفيق من السبات، وتثور وتطالب بحقوقها وترسم مستقبلها.

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى