المفتي.. والهيئة الإنتخابية

خاص “المدارنت”..
أصدر سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، قراراً بدعوة الهيئات الإنتخابية في المحافظات لإنتخاب مفتين يمثلونها، باستثناء صيدا (المفتي سليم سوسان) وجبل لبنان (المفتي محمد الجوزو)، والإنتخابات تشمل محافظات (عكار، طرابلس، زحلة والبقاع الغربي، راشيا، مرجعيون، بعلبك _الهرمل).
ولعل القرار الذي أصدره سماحته يصبّ في مصلحة المؤسسة الدينية في المناطق التي تظللها دار الفتوى الأم، وللإفتاء تاريخ عريق في الأمة الإسلامية، مع أنه اليوم، اصطبغ بصبغة سياسية بحتة، بعد أن كان الأساس والأصل فيه، رعاية شؤون العامة والسهر على إدارة شؤونهم وتبيان الأحكام الفقهية، فمنصب شيخ الإسلام (المفتي)، بدأ يظهر إبان الخلافة العثمانية، وأول من عيّنه السلطان مراد الثاني، شمس الدين المغراسي (1351_1431) فكان يسمى المفتي الأكبر أو مفتي العاصمة، إلا أن السلطان محمد الفاتح، ثبّت لقب شيخ الإسلام على منصب المفتي، واستمر المنصب في الخلافة العثمانية حتى سقوطها عام 1923.
وكانت مهمته كرئيس ديني للدولة، القيام بواجباته الدينية وإعطاء الفتاوى والأحكام الفقهية ومشاركته في الشؤون السياسية، وكان يوازي منصب صدر الدولة الأعظم، المؤتمن على أسرار السلطنة، وأحياناً يتقدم عليه ويؤخذ بمشورته ورأيه في السلم والحرب.
وذكر المؤرخ التركي عثمان زيرويل (هناك من يرى أن نشوء طبقة العلماء وتنظيمها برئاسة شيخ الإسلام (المفتي)، تأتي بطريقة تنظيم الإكليروس المسيحي)، وهذه المقولة ربما تكون صحيحة وسليمة، فالواجب إنتخاب المفتي من قِبل العلماء، ويذكر المؤرخ العثماني هزار حسين أفندي عن إدارة شؤون الدولة الدينية في الخلافة العثمانية في القرن السادس عشر أن شيخ الإسلام، هو أعلى رجل في الدولة بعد السلطان.
يبقى أن نذكر أن قانون إنتخاب مفتيّي المحافظات والمناطق، فيه مغالطات، أهمها استبعاد صوت العلماء في كل منطقة، والمشاركة في إنتخاب من يمثلهم، علماً أنهم الأساس في العلاقة الإجتماعية والتماس مع الناس، وصلة الوصل بينهم وبين المؤسسة الأم، فالمادة المعدلة 29 بموجب القرار رقم 37/2007، الصادر عن رئاسة مجلس الوزراء والذي كان للرئيس الشهيد )رفيق) الحريري يداً فيه، بتنوع المنتخبين، من نواب سنّة، ورؤساء بلديات، وقضاة عدليون، وأعضاء مجلس بلدي مركزي، وأعضاء مجالس إدارية وقفية، يؤثر تأثيراً سلبياً على إنتقاء وإنتخاب من يكون جديراً في المنصب، فاستبعاد العلماء استبعاد للدين، وليس من ترابط بين الهيئة الناخبة وبين مبادئ دار الفتوى الأم، إلّا بالإنتساب فقط إلى المذهب، وقد ظهر ذلك جلياً وأخيراً لدى بعض النواب السنة، الذين أظهروا علمانيتهم علناً وتمردهم على الدار…
من هنا، يجب تحمّل مسؤولياتنا جميعاً، والطلب إلى سماحة مفتي الجمهورية حفظه الله، تعديل قانون الإنتخاب، وأن يكون حصراً في علماء المنطقة، حتى يكون الإنتخاب والتمثيل صحيحين، ويضفي على المؤسسة الدينية رونقاً جديداً ودماً جديداً، لتحسين سير العمل وتنمية الطائفة السنية في المناطق، إجتماعياً وإقتصادياً وتربوياً ودينياً.
حفظ الله علماءنا ومشايخنا، وهداهم إلى العمل بكتاب الله وسنة رسوله.




